تتطور الشعوب والأمم باستمرار وفقاً للمراحل الزمنية والتجارب التي تمر بها، في حين تبقى المصطلحات العلمية والوصفية محدودة التعبير تناسب مرحلة ما وفي أقصى حالاتها مجموعة مراحل زمنية متتالية، دون قدرتها على مواكبة تطور الشعوب والأمم التي أوجدتها بشكل كامل، الأمر الذي يجعل من الأمم التي تمتلك مرونة أكبر في صوغ مقترحاتها تملك مقدرة أكبر في السيطرة على الساحة الدولية من الناحية الفكرية، ومن ناحية الصراعات التي تجري مبارزاتها في ميادين المحافل الدولية.
فالصراع على سبيل المثال بين الرأسمالية والماركسية المتمثلة بالشيوعية السوفيتية أفرز كماً هائلاً من المفاهيم والدلالات المعبرة عن أدبيات كلا الطرفين، فكان التشدد الشيوعي في الأفكار، والتطور الدقيق للمفاهيم التي يصعب ملاحظة تطورها بسهولة، سبباً لعزوف الكثير من التيارات عنه، في حين امتازت الرأسمالية في حربها مع الاشتراكية السوفيتيتة ببراغماتية أكثر، ومن ثم مقدرة أكثر من منافستها على التكيف المرحلي مع مراحل تطور العالم وانتقاله المعولم.
لقد كان من أبرز عوامل اختفاء وجود منظومة الإتحاد السوفيتي هو جمود القوى السياسية لديه، وعدم مقدرتها على مجارات تطورات القوى الشعبية والإنتاجية التي تساندها، في حين استمرت باقي النظم الرديفة لاشتراكية الاتحاد السوفيتي بالاستمرار وبناء قوتها بمجرد تمتعها بمرونة بسيطة في تعاطيها مع أدبياتها التي تقود من خلالها حرب وجودها وبقائها، ويعتبر التنين الصيني الدليل الأوضح على ذلك.
لقد استطاعت الرأسمالية أن تطور نفسها ومصطلحاتها حتى أصبح الصراع الدائر بعد اختفاء الاشتراكية السوفيتية من الميدان تنحصر ميادينه بين جشع الرأسمالية واستغلالها للبشر، ومقدرتها على تحقيق العدالة الإنسانية، الأمر الذي حققت فيه الرأسمالية نجاحات بارزة من خلال تطوير حرب الأدبيات ونقلها إلى أروقة المنظمات الدولية، ومن خلال التسريب المتعمد للأدبيات التي تم افتضاحها ريثما يتم الانتهاء من صياغة أدبيات المراحل اللاحقة، بالاعتماد على شعوب البلدان الطامحة لأن تكون لها مكانة بين الكبار في المحافل الدولية،
ولعل مكمن الخطر في هذه المصطلحات ليس الغزو الثقافي الذي نواجهه فقط، وإنما الشكل الذي يتم به تسويقها، والذي انتقل العالم به من الصراع الفكري والحرب الباردة إلى الحرب المعولمة فكرياً وتدميراً، لينبثق عنها مفاهيم جديدة كالمواطنة الدولية والهيئات والكيانات المرتبطة بالنطاق الافتراضي للأمم، وصولاً إلى بناء قاعدة افتراضية تم ترجمتها في هيكل الحراك المزعوم بالمنطقة تحت مسميات مختلفة أبرزها تجربة تنظيم القاعدة بما يمتاز به من عولمة توجيهية يقوده رجل من الظل وقائد آخر معلن للعالم أجمع. أتبعها فيما بعد تطور المفهوم التنفيذي للعولمة الأمريكية بالتحول إلى تشظي هذا الشيء المسمى تنظيم إلى خلايا متناثرة تقوم بالقتل والتدمير والتخريب وكانت بداية تجربتها استهداف الزرقاوي في العراق أمير ما يسمى تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وتحويل التنظيم الفرعي التابع للقاعدة إلى شظايا متناثرة أثبتت نجاحها في القتل والتدمير وترويع السكان في العراق، لتنتقل مباشرة بعد الإعلان المبهم عن مقتل بن لادن إلى الميدان العملي لسورية، وصولاً إلى المفهوم الأممي لجيش افتراضي يقوم على تحقيق أهداف محركيه كيفما يؤمر وهو داعش، ليكون بداية حرب عالمية جديدة تقودها الأنظمة في مواجهة المتطرفين والإرهابيين المصنعين خصيصاً لها للعمل تحت ستار شعوبها المخدوعة ببريق الحرية الغربية.
إن ما قام به هذا المسمى "داعش" يفوق مقدرة أعتى التنظيمات على القيام به، فهو يدل على جيش مدرب ومنظم له قيادة مركزية هدفها تحقيق أهداف الساسة الأمريكيين دون خسارة جنودهم، ويتم تغذيته من خلال المرتزقة والمغرر بهم بفتاوي شيوخ الدم المتصهينين، ومن خلال ما يسمى بنتاج جهاد النكاح، وهو ما تم تغذيتهم سابقاً في حوادث متشابهة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في الدول التي حاربت بها أو استعمرتها.
لقد تم نقل داعش إلى العراق ليكون معيقاً لمرور خط الغاز الروسي (السيل الجنوبي)، ومهدداً لبقاء واستقرار كل من سورية وتركيا وإيران والسعودية ظاهرياً -وبتآمر من بعضها عملياً- ومعطلاً القيمة الاقتصادية للتكامل المبني على اتفاق الدول التي تربط البحر المتوسط ببحر قزوين. كما تم نقل القاعدة سابقاً وزراعتها بالقرب من نفط بحر قزوين في أفغانستان.
في الختام يجب أن نحافظ على هويتنا الحضارية وعدم زجها مجاناً في حرب المصطلحات، كما علينا أن نعمل على صياغة مفرداتنا بما يخدمنا بعيداً عن حرب المصطلحات العالمية. فقد كان لسورية تجربة رائدة في هذا المجال، من حيث المرونة في التعاطي مع المصطلحات العالمية، حيث قدمت في سبعينيات القرن الماضي رؤيتها للاشتراكية بعيداً عن التصلب السوفيتي والمكر الأمريكي في تسويق المفهوم، وكذلك الأمر عندما انتهجت التحول إلى اقتصاد السوق الاجتماعي، وعندما تعاملت في هذه الأحداث التي تعصف بها مع المسميات المختلفة للميليشيات والتنظيمات على أنها إرهاب.
صراع المصطلحات....... والتقادم الزمني
2014-06-17
بقلم: الدكتور يحيى محمد ركاج

