2026-09-13 11:51 ص

داعش في اتجاه مكة!!

2014-06-13
بقلم: محمد حسن مرين
ربما يكون العنوان فيه شيء من الاستفزاز، وشيء من التشويش، والناس كلها ترى داعش وهي اللهب الأول من حريق الإرهاب تلتهم محافظات عراقية، ولكن أدعو القارئ أن لا يتعجل في انطباعه حول صدمة العنوان، وأذكره أنني كتبت في مقالات سابقة أن الإرهاب مشروع تدميري فاشل، ولكنه حريق متنقل ينطفئ في مكان ليحل في مكان آخر، وتوقعت تلاشي هذا التسونامي الإيديولوجي المتدين تدريجيا، ولكن خطورته في تجدد حرائقه، كما أنني توقعت تغيّرا تدريجيا في تعامل السعودية مع ملف الجماعات الدينية لأنها إذا اعتقدت في مرحلة ما أنها أداة لتصفية حسابات سياسية، وتحقيق نقاط طائفية لمصلحة نفوذ سياسي، وسخّرت لذلك امكانياتها المالية و الإعلامية والدينية، فإن هذا المشروع لن يستقر له أمر دون العمل على الهيمنة على المركز الديني المقدس، بسبب طبيعة مشروعه الإيديولوجي الذي يستند إلى تصور ديني، بما في ذلك تصوره لنبوءات آخر الزمان، ولذلك لن يرتاح أتباعه ومريدوه دون غزوة أرض الحجاز والحلم بالوصول إلى مكة. إن هذا التصور لن يكون غدا ولكن سيكون موجة الإرهاب القادمة، بعد موجة العراق والشام التي تستند إلى ذات منهجية التفكير، وهذه المرحلة من موجات الإرهاب الحارقة تفرضها رصد حركة العواصف الإرهابية ومناخاتها، تماما مثل رصد وتوقعات حالة الطقس والمناخ، ونتذكر كيف جاءت غزوة نيويورك بعد مرحلة أفغانستان، التي تشارك فيها الأمركيون مع الجهاد الأفغاني! عكس التوقعات السياسية، لأننا في التعامل مع الإرهاب علينا أن لا نتعامل معه بمجرد المنطق السياسي المجرد، ولكن بمعرفة نسقه الفكري والإيديولوجي الحاكم، وطبيعة تفكيره، التي من بديهياتها عدم الوفاء لأولياء نعمته أو أوصيائه أو مشغليه في مرحلة ما، لأنه صاحب مشروع عقائدي يتجاوز حدود المعقولية، مثل أي حركة تحكمها منهجية قولبة إيديولوجية غير منفتحة، مثل الحركة الصهيونية، أو النازية، أو حركة الحروب الصليبية. إن البيئة الإسلامية الناقمة على أنظمة الحكم، والمتخلفة عن أي تنمية بشرية، والخاضعة لضخ فقهي وثقافي طائفي ومذهبي، وأمام تخلخل قيم العدالة الإجتماعية، وأمام تهلهل ثقافة الدولة، وضعف التعليم و ..و ..و..، فإنها تُشكل بيئة حاضنة لمثل تلك الحركات خصوصا مع حالة أغلب الجيوش العربية، لذلك نتوقع معاناة كبيرة مع الإرهاب للدول التي لا تمتلك جيوشا عقائدية قوية، أو تعرّضت جيوشها للتفكيك مثل ليبيا والعراق والصومال، أكثر من دول مثل مصر والجزائر وتونس، كما أن الجيش السوري سيحصر جسم الإرهاب في سورية، الذي سيتدفق نحو العراق بداية، أين يجد بيئة مذهبية ومؤسسة عسكرية أقل صلابة، ثم يتوسع لاحقا نحو السعودية في موجته الحجازية، وقد تساعده بيئة الحجاز المترامية، ووجود جسم سكاني إسلامي مقيم قد يكون فيه قابلية ما، وتواجد أجنبي متنوّع، وسياسة سعودية تستعدي مجوعات دينية معينة، وبلدان مجاورة تضررت من سياستها، تكون عوامل مساعدة على تدفق الإرهاب في موجته القادمة إذا لم تقم السعودية بحرب استباقية لاطفاء الحريق في منابعه المجاورة بالخصوص. إن الدور المصري المرتقب في رسم التوافق العربي حول ماهية الإرهاب، والمصير العربي المشترك أمام تلك الموجات الارتدادية للربيع العربي، الذي تسلمته تلك الجماعات فغيّرت روحه واتجاهه، مع دور جزائري رديف بسبب هاجس الساحل وليبيا المشترك مع مصر، قد يتبلور بفضله منظور عربي جديد يأخذ زمام المبادرة، أمام ارتباك الموقف العربي بسبب تداعيات الربيع العربي، وبسبب اختلاف الأوضاع القطرية العربية، التي تُميّز بين إرهاب و إرهاب، مرة حسب الجماعة الدينية بين إرهاب إخواني وإرهاب سلفي، ومرة حسب البلد المستهدف فهنا إرهاب وهناك ثورة، ومرة بالالتباس الطائفي أو المذهبي، وأحيانا بسياسة الإنكفاء الداخلي وانتظار فلول الإرهاب للوصول إلى الحدود، على أمل النجاة، مثل جيران سوريا أو جيران ليبيا، ومنها بلدي الجزائر، وحزب الله كان الطرف الوحيد الذي تحمل مسؤولية صد الحريق قبل دخول بيته، أما الآخرون فلهم أن ينتظروا حتى يروا النار داخل بيوتهم. أما الذين قد يتعاطفون مع تلك الجماعات في اجتياح البلدان، ويرفعون لواء الجهاد ضد مجتمعاتنا العربية، وليس في فلسطين!!! سأضطر لتكرار بعض ما قلته في مقالاتي السابقة، أن هذا العمل الجهادي البديل عن الجهاد الحقيقي في فلسطين، لن يحقق أي هدف، ولن يصل لأي مبتغى، وهو نقيض صريح لكل مقاصد الشريعة الإسلامية، ونتأمل حالة البلدان التي مرّ بها الإرهاب، لنعلم مآلاته ومدى خطورته على قضايانا الكبرى ومصالحنا العليا، وهو مشروع يتقاطع مع المصالح الإسرائلية فقط، في تحويل العالم العربي إلى حالة رعب لملايين الفقراء الهاربين والمشردين، والذي يعتقد أن المشروع الإرهابي يمس بلدا بعينه أو مذهبا بعينه، أو أنه طريق للإصلاح، ستُعلمه الوقائع أن الإرهاب مشروع لا حدود له، ولا سقف له، ولازمن له، ولا صديق له، ولا ولي له، ولا مروّض له. ما عدا وعي الأمة بأنه مشروع نقيض للإصلاح وللإسلام، وجهاد بديل عن الجهاد لتحرير فلسطين.