2026-09-13 11:52 ص

قراءة في المشهد العراقي...العراق الى أين؟

2014-06-13
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
ما يحدث الان على الأرض العراقية من اجتياحات على أراضي واسعة لتنظيم "داعش" واستيلاء عناصر التنظيم على مدن رئيسية كالموصل، وتكريت، وكركوك، ذات الطابع الاستراتيجي الهام من الناحية الجغرافية بالإضافة الى أنها مناطق غنية بالبترول، يثير الكثير من التساؤلات المحقة، والتي ربما يكون من أهمها كيف تمكن التنظيم من تحقيق كل هذا الامتداد الجغرافي، وبهذه السرعة المذهلة والجرأة في تنفيذ مثل هذه العمليات التي تم بها السيطرة على هذه المناطق الحيوية والاستراتيجية التي كان من المفترض أن تكون مؤمنة من النواحي الأمنية، أو على الأقل أن يتواجد فيها وحدات من الجيش العراقي للدفاع عنها في حالة تعرضها لهجمات من عناصر داعش، وليس ترك المنطقة والانسحاب منها أو الهروب كما يقول البعض . لقد عشش هذا التنظيم الإرهابي في العراق طيلة السنوات الماضية ولم يكن هذا ممكنا دون وجود حواضن شعبية وسياسية سواء على النطاق المحلي العراقي أو الإقليمي أو حتى الدولي. الإرهاب لا يستطيع أن يعيش دون تمويل وتوفير العتاد والسلاح الى جانب الدعم السياسي. ولقد اجمع العديد من المحللين من ان مصدر الإرهاب في المنطقة يتمثل بالعائلة المالكة في السعودية وتصدير الفكر التكفيري الوهابي، فالسعودية وعلى ممر السنوات لا بل والعقود لعبت دورا أساسيا في تصدير هذا الفكر المتطرف الى جميع بقاع الأرض. ومما لا شك فيه أن النظام السياسي الطائفي في الحكم الذي كرسه وزرعه الغزو والاحتلال الأمريكي في العراق لعب دورا كبيرا لوصول العراق الى ما هو عليه الان. فنظام حكم من هذا القبيل يلغي بالأساس فكرة المواطنة ويكرس الانتماء للطائفة، الى جانب ما يخلفه من حالات شلل الحكومات والتشنجات السياسية كما هو الحال في لبنان، مما يخلق التربة والبيئة المناسبة لصراعات وتدخلات محلية وإقليمية لا اول لها ولا آخر. ومن الواضح أن هذه العناصر الإرهابية قد استخدمت في العراق واعطيت غطاء سياسيا بالإضافة الى توفير حواضن شعبية لها على امل استغلالها وتوظيفها من قبل هذه الأطراف الحاضنة لتحقيق مآرب سياسية، وذلك باستخدامها كورقة ضغط على الفريق الاخر. الا ان اللعب بالأوراق الطائفية انقلب بشكل كارثيا على العراق ونسيجه ومكوناته الاجتماعية وأدى الى تصعيد وتأجيج صراع مذهبي وطائفي لم يسبق له مثيل في العراق، والى أوضاع امنية متردية للغاية. يكفي أن نرى مسلسل الدم الذي لم ينقطع يوما واحدا على مدى السنوات الماضية وخاصة في التفجيرات بالسيارات المفخخة التي طالت كل الجغرافية العراقية. أن التصعيد الإرهابي لتنظيم "داعش" الذي تشهده الساحة العراقية لا يرتبط فقط بما يدور في العراق من تجاذبات سياسية بين الأطراف والمكونات السياسية والطائفية، بل له ارتباطاته الوثيقة لا بل والعضوية على ما يدور على الساحة السورية. فالإرهاب الذي يدور على الساحتين هو إرهاب واحد والمحرك والممول والداعم له هو واحد ويتمثل بالأخص بالنظام السعودي الوهابي التكفيري، الذي أخذ على عاتقه اشعال الحرب الطائفية والمذهبية في المنطقة، ليبقي ويمد من عمره المتهالك ونفوذه المتهاوي في المنطقة ودوره المتراجع على الساحة الإسلامية العالمية، وتقديم خدمة مجانية للكيان الصهيوني الغاصب. لا يغرن أحد من أن المراسيم الملكية السعودية قد وضعت التنظيم على لائحة الإرهاب فازدواجية المعايير واضحة للعيان إذا ما أخذنا الإرهاب الذي يضرب على الأرض السورية المدعوم بكل الوسائل والامكانيات من قبل عائلة ال سعود مهما حاولوا التغطية على جرائمهم. والذي يبدو ان جانب من تحريك الاوضاع بهذه الضخامة في العراق تتأتى بعد الضربات المتلاحقة التي تتلقاها المجموعات الإرهابية في سوريا على أيدي الجيش العربي السوري وفقدان هذه المجموعات ومن يدعمها الامل في تحقيق أي تغير على الأرض على الرغم من كل الحشد الإرهابي الذي فاق كل التصورات. وتشير كل المعطيات على الأرض السورية على أن القتال الشرس بين تنظيم داعش من جانب والنصرة من الجانب الاخر، تهدف الى محاولة الاستيلاء او المحافظة على مناطق النفوذ وخاصة الحدودية منها والتي تحتوي على المناطق الغنية بالبترول لضمان مداخيل لهذه المجموعات الاجرامية لشراء مزيد من الأسلحة ودفع الرواتب للمأجورين والمرتزقة، وتحقيق نوع من الاستقلالية في اتخاذ القرارات في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة. لقد استطاع تنظيم داعش الحصول على ملايين الدولارات من بيع النفط من ابار النفط التي استولى عليها في الأراضي السورية. وذكرت بعض الصحف العالمية ان التنظيم قام بنهب ما يقارب من 400 مليون دولار من البنك المركزي في الموصل والبنوك الأخرى في المدينة الى جانب بعض السبائك الذهبية. ويصنف التنظيم على انه أكثر التنظيمات الإرهابية ثراء مما يتيح له دفع أجور عالية لمقاتليه الى جانب تجهيزهم بأحدث الأسلحة التي تمكنه الملايين التي يمتلكها من شراءها من السوق السوداء. وبات من الواضح أن الهم الأكبر لتنظيم داعش هذه الأيام أصبح السيطرة على أكبر مساحة ممكنة في العراق والمناطق الحدودية السورية لضمان التواصل وربما إقامة امارة او دولة الشام والعراق على هذه الأراضي فيما إذا تمكنت من بسط سيطرتها على تلك المناطق بشكل كامل. وبغض النظر عن ذلك فإننا نود أن نؤكد ان تحركات داعش في العراق أو في سوريا لا بد ان يكون وراءها أجهزة امنية ومخابراتية إقليمية ودولية التي تسير هذه المجموعات لأجندات باتت معروفة للجميع وهي أبعد ما تكون عن تحقيق الحرية أو الديمقراطية التي يدعون بها. أثارت الاحداث في العراق ردود فعل عالمية وإقليمية متفاوتة. وكانت الولايات المتحدة أول من علق على الاحداث معتبرة أن تنظيم داعش أصبح يهدد منطقة الشرق الأوسط وأبدت من خلال خارجيتها انها على استعداد لمساعدة العراق في مواجهته لهجوم داعش. والذي يبدو أن الولايات المتحدة نسيت أو تناست أنها ومن خلال أدواتها في المنطقة هي من ساعدت على تنامي هذا التنظيم الإرهابي في منطقتنا، وغضت الطرف ولفترة طويلة عن كل عملياته الاجرامية والبربرية على أمل أن يساهم في اسقاط الدولة السورية. ولو ارادت الولايات المتحدة أن تقف ضد الإرهاب، لكان من الواجب ان تقوم بالضغط على ادواتها في المنطقة وخاصة السعودية المصنع والمورد للإرهاب في المنطقة، ولكانت قد منعت من توريد الأسلحة الفتاكة والغير فتاكة للمجموعات الإرهابية العاملة على الاراضي السورية، بدلا من تصريحات الرئيس أوباما الأخيرة حول المساهمة في التدريب المكثف للمسلحين وتزويدهم بأسلحة متطورة، وكأن ادارته ومن خلال مخابراته المركزية لم تكن تقوم بذلك عبر أدواتها في المنطقة التي تقوم بدفع الفاتورة في كل مرة. اما السيد نبيل العربي الأمين العام لما يسمى "جامعة الدول العربية" فقد دعا الى "تضافر جهود جميع القوى والفعاليات السياسية والوطنية العراقية في مواجهة الإرهاب بكافة اشكاله وصوره، درءا للمخاطر وحفاظا على وحدة العراق وأمنه واستقراره". وابدى " تضامن الجامعة العربية الكامل مع العراق وشعبه في مواجهة هذه المحنة، ودعمها للجهود التي تبذلها الحكومة العراقية من أجل محاربة الإرهاب وبسط سلطة الدولة في ربوع البلاد". وهنالك ترتيبات تقوم بها الجامعة العربية على عجل لعقد اجتماع موسع لوزراء الداخلية للدول العربية لمناقشة الأوضاع في العراق وماذا يكمن تقديمه من دعم للحكومة العراقية، ربما استدراكا لما يشكله تنظيم داعش على الدول الخليجية، فيما اذا تمكن من فرض سيطرته على أجزاء واسعة من الدولة العراقية، وخاصة وأن سبق للتنظيم بالتهديد بأنه آت الى السعودية وغيرها من الدول الخليجية، بعد الانتهاء من سوريا. وهنا نريد ان نطرح السؤال على السيد الأمين العام لماذا لم تتخذ الجامعة السعودية حاليا والقطرية سابقا مثل هذه المواقف تجاه ما جرى يجري الان في سوريا، أم انكم ما زلتم لا ترون ان الدولة السورية تحارب الإرهاب الذي يضرب العراق ومصر وليبيا واليمن أيضا؟ الأولى بكم وبجامعتكم التوقف عن الكيل بمكيالين كأسيادكم، تدعمون الإرهاب هنا وتقفون ضده هناك. وها هو وزير خارجية الامارات يعلن " موقف الامارات المبدئي برفض الإرهاب بكل صوره واشكاله ودعمها لاستقرار العراق...". الامارات التي صرفت مليارات الدولارات الى جانب "الأخ الأكبر" السعودية في دعم المجموعات الإرهابية في سوريا، وتمويلها وتسليحها، تتحدث عن " موقف الامارات المبدئي برفض الارهاب..."، فهل اختلطت على سيادته الكلمات أم ان الامارات تمتلك قاموسا عربيا خاصا بها غير الذي نستخدمه ؟. ما يجب ان يدركه الجميع في المنطقة والعالم ان ظاهرة الإرهاب قد تفشت وأصبحت عابرة للحدود والقارات، تتنقل بحرية من منطقة الى أخرى. ومن الواضح أن منطقتنا قد ابتليت بهذه الآفة على أثر الغزو الأمريكي للعراق واحتلاله وتدمير الدولة العراقية وبناها التحتية والمؤسسات ومن ضمنها الجيش العراقي وتكريس نظاما سياسيا طائفيا مقيتا، الى جانب تدمير ليبيا وخلق حالة من التشرذم والفوضى والانفلات الأمني الذي ما زالت تعاني منه للان، وحاولت الولايات المتحدة وادواتها في المنطقة استخدام هذا الارهاب لاسقاط الدولة السورية كمقدمة لإنهاك محور المقاومة وفرض شروط تسويات مجحفة لمشاكل المنطقة. ان محاربة الإرهاب تستدعي عدم الكيل بمكيالين، الى جانب تجفيف مصادر تمويله وتسليحه وتوفير بيئات حاضنة له ورفع الغطاء السياسي عنه، وكذلك محاربته على المستوى الفكري والايديولوجي على مستوى المنطقة. ولكن من المؤكد أن هنالك عدد من الدول التي تتصدرها السعودية لن تكون طرفا في هذا الصف، ومن هنا لا بد من خلق محور أمني استراتيجي على مستوى المنطقة للتصدي لهذه الافة وإنتشارها السرطاني، الى جانب التصدي للجهات الداعمة والممولة والمصدرة للإرهاب. ولا شك أن دول مثل سوريا والعراق ومصر وايران والجزائر لها مصلحة مشتركة في مثل هذا التحالف. أما على المدى العملي المرحلي فانه من الضروري التأكيد على عمليات التنسيق والتعاون الأمني وتبادل المعلومات ما بين العراق وسوريا وايران، لا بل والذهاب الى أبعد من ذلك تبني عمليات مشتركة وخاصة لضبط الحدود ومحاربة المجموعات الإرهابية ومنعها من التنقل بحرية عبر الحدود والقيام بتهريب الأسلحة والمسلحين. ويبقى أن نقول هنالك مسؤولية كبيرة على الأطراف السياسية العراقية أن تتوحد أمام هذا المد المغولي الهمجي الذي بات يضرب بقوة وبعنف العراق كدولة ووطن، ولقد خبر العراق في احدى محطاته التاريخية القديمة ماذا يعني السماح أو تمكين المغول من السيطرة على أجزاء من العراق. ان الحل لا يكمن في السماح للطائرات بدون طيار الامريكية بدخول الأجواء العراقية والقيام بعمليات "جراحية" كتلك التي تقوم بها في اليمن، أو التي استؤنفت حديثا في باكستان بعد انقطاع ما يقرب من الخمسة أشهر. لقد رأينا ان مثل هذه الهجمات لا تشكل فقط اعتداء على سيادة وهيبة الدولة، بل انها تؤدي الى سقوط العشرات او ربما المئات من المدنيين، بالإضافة الى ان هذه لم تحل مشكلة الإرهاب لا في الباكستان ولا في اليمن، لا بل على العكس من ذلك، فقد أدت الى مزيد من تدهور الأوضاع الأمنية في كل من الباكستان، كما أثبتت الاحداث الأخيرة بالهجوم على أكبر مطار مدني في كراتشي، وكذلك اليمن بالهجوم المباشر على المؤسسات الحكومية ومن ضمنها القواعد العسكرية ووزارة الدفاع. الحل يكمن في أن تتوافق المجموعات السياسية في العراق فيما بينها للدفاع عن الوطن، فالوطن للجميع بغض النظر عن الطائفة أو المذهب او العرق، وهذا الوطن أصبح مهددا في كينونته، فهل سيسعى وينجح الحكماء من العراقيين لرأب الصدع والشرخ الذي زرعه وكرسه الأمريكي الذي خرج من الباب وها هو يسعى للدخول من النافذة؟ أم اننا مقبلون على مزيد من الفرقة والتشرذم والتهديد بمزيد من التقسيم الافقي والعامودي للمكونات الاجتماعية الأساسية في العراق الذي بات يهدد الوحدة الجغرافية للأراضي العراقية؟ هذا ما ستجيب عليه ربما الأيام القليلة القادمة.