2026-09-13 02:29 م

الانتخابات العربية المتحدة

2014-05-20
بقلم :  الدكتور يحيى محمد ركاج
إن وحدة الشعوب والدول تحت راية واحدة هو الحلم الأغلى الذي تسعى إليه هذه الشعوب وهذه الدول، مع اختلاف بسيط في مضمون هذا الحلم، فالشعوب تحلم بأن تجمعها وحدة تقوم على العدالة والمساواة تحت كلمة واحدة ومصير مشترك تحقق منها فوائد مشتركة ومكاسب آنية أو مستقبلية كما في حلم الشعوب العربية في تحقيق الوحدة العربية بين الدول، في حين تسعى الدول والأمم لتحقيق هدف الوحدة الذي يخدم غالباً سيطرتها على أكبر رقعة جغرافية من الأرض وعدد ديموغرافي من البشر، أو على مزيد من الجغرافيا السياسية التي تجعل قراراتها أقوى على المستوى الدولي والعالمي، الأمر الذي يجعلها تشرع لنفسها احتلال الدول الأخرى أو استعمارها وسلب سيادتها. وهو ما يناقض المفهوم الإيجابي للوحدة كما رسمه الفلاسفة والأدباء والمفكرون. فالوحدة في نظر بعض المفكرين كالكواكبي هي تجمع الناس على أساس قومي بغض النظر عن الاختلاف في العقائد والمذاهب الدينية، أو هي وفق الفكر السياسي المعاصر عبارة عن اتحاد اختياري بين التجمعات التي تدرك أن وحدتها تحقق لها نمواً زائداً، وميزات اقتصادية وسياسية، وتعزز مكانتها العالمية. فإذا انطلقنا مما يقوله البعض من أن الوحدة هي تعدد مُختلِف، يجتمع ليحقق التكامل فيما بين المختلفين من أجل بناء نسيجٍ واحدٍ متناغمٍ، فإننا نجد أنفسنا أمام أمر نسبي يشير إلى عدم وجود الوحدة دون تعدد وتنوع، أو دون اختلاف. كما نجد أنفسنا مضطرين للبحث عن أسباب أخرى قادت في الماضي إلى توحيد الأمم تحت لواء واحد غير الأسباب التي نقلتها لنا الوثائق. أو أن نعطي لأسباب ثانوية الأهمية الكبرى في ذلك، حيث لا يمكننا تفسير توحد شبه الجزيرة العربية على راية الإسلام وهي التي كانت تجمعها عصبية اللغة والأرض والتاريخ المشترك. وإذا انطلقنا من أن الوحدة تقوم على عوامل مشتركة بين الشعوب فإننا نواجه مشكلة تفسير الانفصال بين الشعوب التي جمعتها الوحدة، خاصة فيما يتعلق بمعرفة جدواها والأسباب التي تجعل هذه الشعوب ترفضها بعد نضالها من أجلها. إن اختلاف البشر هو أمر حتمي تفرضه طبيعة الكون الذي خلقه رب العزة عندما قال "وجعلناكم شعوباً وقبائل" كما أوجد رب العزة سبحانه وتعالى لهذا التنوع طرقاً للالتقاء عندما أتم قوله السابق بكلمة " لتعارفوا"، لذلك لم نجد حالات سلمية لإقامة الوحدة بين الدول إلا ما قد ندر، وكان خير نموذج لها في العصر الحديث ألمانيا والاتحاد الأوروبي (باعتباره حالة خاصة) بعد الدماء التي سالت بين شعوبهم وما أعقبها من حروب اقتصادية وما أتبعها من حروب ثنائية أو ثلاثية بين الدول بعد الحربين العالميتين اللتين غيرتا جغرافية العديد من دول العالم، وشكلت الأساس الذي ترتكز عليه الرأسمالية التي تحكم الأنظمة الأوروبية، أو ما يمكننا أن نطلق عليه مرحلة متقدمة من الأنانية أو الأنا الجمعية. ومن النماذج التي تعتبر أكثر نجاحاً في القرن الماضي قيام دولة الوحدة بين سورية ومصر في منتصف القرن الماضي في المنطقة العربية وتشكيل ما يسمى الجمهورية العربية المتحدة. والتي تعتبر تجربة رائدة على مستوى العالم عامة، وعلى مستوى شرق المتوسط والبلاد العربية على وجه الخصوص. لما مثلته من اجتماع قواسم مشتركة جسدت إرادة الشعب العربي في إعادة تكوين دولته القوية، ولا يمكننا اعتبار عدم استمراريتها فشل كامل، إنما فشل مرحلي في مرحلة كانت فيه المواجهة مع المطامع الاستعمارية تفوق المقدرة المتاحة لشعوب الإقليمين الجنوبي والشمالي (مصر وسورية) على مواجهتها لما تتطلبه المواجهة من موارد مادية وتقنية ودعم لوجستي لم تقدمه لهم أياً من الدول العربية أو الحليفة الأخرى. إن هذه التجربة تثبت في كل مرة يُعاد استذكارها واستحضارها نجاح مرحلي في وعي الشعوب ونضالها لتحقيق أهدافها، فلم تفلح معها كل المحاولات الغربية والمعادية لمحوها من ذاكرة وإرادة الشعوب العربية، بل إن هذه التجربة يتم الدعوة إليها بين الحين والآخر مع كل تحد جديد يواجه الأمة العربية ومستقبل شعوبها، ولعل الأحداث التي نشهدها حالياً في بعض الدول العربية، خاصة في الإقليمين الشمالي والجنوبي للجمهورية العربية المتحدة تستدعي الوقوف على مآثر دولة الوحدة مطولاً. فالاستحقاق الرئاسي الذي يشهده كلا الإقليمين (سورية ومصر) يستحضران مجدداً الهدف الواحد، والأمل الواحد، والمصير الواحد، والمستقبل الواحد، ويعيدان إلى ذاكرة الشعبين وحدة التاريخ والجغرافيا، ووحدة الإرادة والمطلب. إن الشعب العربي في كلا الإقليمين (سورية ومصر) يتوجه إلى صناديق الانتخاب ليعلن كلمته صادقة قوية صريحة في مواجهة ما تتعرض له أمتنا العربية عموماً، وبلديهما على وجه الخصوص من تحديات وأخطار، فلتكن كلمةً مقاومةً مساندةً لتحرير الأراضي العربية كاملة من محيطها إلى خليجها العربي وجزره المنسية، لاختيار قائد مقاوم صامد يحقق الإجماع الجماهيري، ويرى أن إرادة الشعوب العربية في النصر تقوم على اتحاد هذه الشعوب وتجميع أهدافها وتجسيدها في ساحات القتال. إننا الآن أمام انتخابات عربية موحدة في تحدياتها وأهدافها، فهل تقودنا نتائجها إلى الدولة العربية المتحدة؟