2026-09-13 09:56 م

روسيا: تعاون مع الصين وصراع مع أمريكا

2014-05-17
بقلم: الدكتور خيام محمد الزعبي*
إعتاد الغرب بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية طوال فترة الإستعمار على إغتصاب حقوق الشعوب وثرواتها وقتل عشرات الملايين من أهلها، وما المليون شهيد جزائري في حرب تحرير الجرائر وملايين الشهداء في العراق وفلسطين وأفغانستان وغيرها من المجازر والمآسي التي مازالت مستمرة حتى الآن ببعيدة عن فكرنا وأذهاننا، فأمريكا تعلم جيداً أن هناك على الأقل دولة واحدة في العالم تستطيع هزمها وإزالتها من الوجود بما لديها من ترسانة من الصاروخ النووية العابرة للقارات متعددة الرؤوس، رغم إدراكها الكامل بأن مركز الثقل الدولي بدأ ينتقل من الغرب إلى الشرق، لذا فإن أجواء التوتر التي سادت الحرب الباردة في طريقها إلى العودة بسرعة كبيرة، مع فارق أساسي عن نظيرتها السابقة، وهو إن الإمبراطورية الأمريكية تعاني من أعراض الإنكماش والأمراض الداخلية المستعصية على العلاج، بينما روسيا إستطاعت تجديد شبابها، وتعزيز إقتصادها، والخروج من عنق الزجاجة، وتجد الصين والهند إلى جانبها وليس في الخندق الأمريكي، أو حتى المحايدة مثلما كان عليه الحال في السابق. في إطار ذلك فإن الحرب الحتمية بين روسيا وواشنطن سيناريو جديد بدأ الحديث عنه في هذه الفترة حيث أن فصول المواجهة بينهما لم تعد تأخذ شكل الحرب الباردة فقط بل أصبحت تأخذ بعداً أخر بعد أن وصف الرئيس الأمريكي باراك أوباما موسكو صراحة بأنها عدو حقيقي، فالمحاولات الأمريكية المستميتة لوقف وكبح النفوذ الروسي وعزلها عن محيطها فشلت بإمتياز, بل أصبحت أي محاولة لمعاقبة أو فرض عقوبات علي الإقتصاد الروسي هي بمثابة تدمير للإقتصاد الأمريكي نفسه. وفي سياق متصل فإن التهديدات الروسية الأمريكية المتبادلة لم تتوقف عن أوكرانيا وروسيا وفرض العقوبات، وما بين أن على الأسد التنحي أو أن سوريا تتعرض لهجمات إرهابية، بل تمددت التفاعلات الروسية الأمريكية لتصل إلى الحرب الإقتصادية التي تعدها روسيا ضد أمريكا والغرب مستعينة بالصين، رداً على الحملة العدائية المسعورة التي يشنها حلف الناتو بقيادة أمريكا ضد روسيا لقيام الأغلبية الساحقة من شعب جمهورية القرم ذات الحكم الذاتي بالإنفصال عن أوكرانيا والإنضمام لروسيا، وذلك من خلال توجيه ضربة قاضية للولايات المتحدة الأميركية، عندما اتفقت روسيا والصين علي عدم التعامل بالدولار الأميركي في تجارتهما مع البلاد الأخرى، حيث ستتعامل البلدان معاً بالعملات المحلية للبلدان التي يتبادلون التجارة معها، بالإضافة إلى إستعداد الصين لفتح طريق الحرير البرى عبر آسيا كطريق تجارى جديد يربط بين ألمانيا وروسيا والصين، مما سيربط بين هذه الدول والدول الواقعة على الطريق ويطور أسواقاً جديدة على طول الطريق خاصة وسط آسيا، وسيؤدى حتماً هذا المشروع الجديد إلى الإستقرار الإقتصادي والسياسي لهذه الأسواق الجديدة، مما سيشكل هذا أكبر خطر على المصالح الأمريكية لأنه سيؤدى تدريجياً إلى عزل واشنطن ونظامها الإقتصادي الخاضع لسيطرة المجمع العسكري الصناعي وحلف الناتو، وكما إستهدفت روسيا رداً على العقوبات الأمريكية التي فرضتها عليها برامج الفضاء عن طريق توقفها عن توفير محركات الطاقة لصورايخ أطلق التي تستخدم لإطلاق الأقمار الصناعية العسكرية الأمريكية، كما أنها لن تسمح لـ "ناسا" بالعمل في المحطة بعد عام 2020، لا يخفى على أحد أن الحرب الإقتصادية بين الدول هي حرب دائمة تطال كل دول العالم، وصانعوها هي الدول الكبرى، لذا ترى الصين في التعاون مع روسيا باباً لتعزيز نموها الإقتصادي ولإستمراريته، وترى فيه تحقيقاً لمصالحها الذاتية على المدى الطويل، أما من جهة روسيا، فإنها ترى في الصين مخرجاً لغازها ونفطها وخصوصاً مع تزايد المنافسة في السوق الأوروبي من قبل دول أخرى كقطر وغيرها، كل هذا يُثير الحذر لدى الجانب الروسي الذي إذ يرى مصلحة له في التحالف الجيوسياسي لمواجهة الهيمنة الأميركية. من هنا فإن الصدام الأمريكي الروسي الراهن في سوريا وأوكرانيا تحديداً، فالولايات المتحدة تسعى إلى إقناع روسيا بأنها قوة إقليمية كبرى لها مصالح في محيطها وفي مناطق محددة، دون أن يكون لها الحق في التصرف كدولة عظمى على مستوى العالم، أما روسيا فهي تسعى إلى فرض نفسها كقوة مكافئة لها المكانة نفسها التي كانت للإتحاد السوفياتي بعد أن عانت لسنوات طويلة من الإذلال الأمريكي الغربي وأخيراً ربما أستطيع القول إن الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة للتضحية بملايين الأرواح من أجل مصالحها الإستراتيجية عن طريق دفع أوروبا لحرب شاملة مع روسيا، لكي تستمر واشنطن في السيطرة على المحور الأطلسي، كما أن كل وثائق الأمن القومي الأمريكي الصادرة خلال السنوات السابقة، تكرر جميعاً بلا كلل أو ملل أن روسيا لن تكون الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، بل خصمها ومنافسها الأول في المنطقة والبنتاجون نفسه يبني الآن كل خططه العسكرية على هذا الأساس،وبالتالي فإن انتقال القوة من الغرب إلى الشرق، يحث الخطى بشكل سريع وسيغيـّر قريباً على نحو درامي إطار التعاطي مع كافة التحديات الدولية في المنطقة. 
 *صحفي وباحث أكاديمي في العلاقات الدولية 
khaym1979@yahoo.com