2026-09-13 06:59 م

حروب الأزقة العربية.

2014-05-09
بقلم: محمد حسن مرين
ماذا يحدث في هذا الوطن العربي؟ حتى ينحدر إلى هذا التناحر العصبي، إلى حدّ لا يُصدّق، فمن التقاتل القبلي، من أجل قطعة أرض أو شجار طفلين أو معزة، قد يموت العشرات كما يُصاب المئات، في معارك الأزقة العربية، في غرداية الجزائر لم تجد السلطة لحفظ الأمن سوى أن تُضاعف عدد رجال الأمن، وفي أسوان مصر مات العشرات، بين قبيلتين، وفي ليبيا قبائل برقة تريد أن تحل محل السلطة في تصدير البترول، وفي العراق عشائر العراق تتحدى الدولة، وفي اليمن قبائل تُنافس الدولة في امتلاك الأسلحة وخوض الحروب... وعدنا إلى حديث القبائل والعشائر بجاهلية غريبة، وبدل أن نحلم باتحاد عربي أصبحنا نخاف على وحدة وطن، وإذا لم يكن التناحر قبليا يكون التناحر طائفيا ومذهبيا، تُسفك الدماء بتكبيرات المكبّرين، وتهويل المهوّلين، ولا زال فينا من يرى أن من أولويات الأمّة أن تهدم ضريحا أو تعتكف حوله، وليس شد الرحال إلى فلسطين، أو أن مليار مسلم الذي لم يثر من أجل القدس قد يثور من أجل قتل العلويين، وأن الجهاد بدل أن يجمع الأمّة لتحرير فلسطين لا بد أن يُقسّم الأمّة إلى ألوية وكتائب ينحر بعضها بعضا، بعد أن أخرج الأمّة من مللها، وحرّم عليها جنة الله، لماذا يا تُرى وصلنا إلى هذا الحضيض من التكفير والتفكير؟ وهذا القاع من تزييف الوعي؟ - هل أتهم منظومات التعليم في أوطاننا التي تُخرّج الآلاف المؤلفة من أنصاف المتعلمين، يُضافون إلى آلاف مؤلفة من الأميين السابقين، الذين شابوا على أميّتهم، يرون أن الإساءة إلى قبيلتهم بنصف كلمة أكثر هوانا من حفريات بيت المقدس في فلسطين، أو سخرية وزير إسرائيلي على العرب مجتمعين. - هل أتهم وسائل الإعلام العربية التي أصبح تغطية شجار بين حيّين في دولة عربية على مدار الساعة أهم من عدوان إسرائيلي يوميا هنا وهناك، وعشرات الفضائيات الدينية التافهة التي تُبشّرنا أن الجنة هي شقة ثلاث غرف لا يدخلها إلا فصيلهم وأميرهم، وتُوزّع صكوك التكفير على خلق الله، وعوض أن يصنع هذا الإعلام رأيا عاما عربيا مرتبطا بقضاياه الكبرى يُكوّن قطعانا من المتعصّبين والقتلة. - هل أتهم جماعات دينية تُصرّ على جهادها البديل في وجه مجتمعاتنا، من جهاد حقيقي ساحته بيت المقدس وأكناف بيت المقدس لا يضرّهم من خالفهم، ولم يكلمنا الرسول عليه السلام عن هؤلاء المرابطين في أكناف الصومال والجزائر وتونس ومصر وسوريا... تُحاصر مجتمعاتها، هذه الجماعات التي تريد أن تحوّل السيارات المفخخة من تراث السلف الصالح، وأعمال البر العظمى! - هل أتهم نظامنا الثقافي الذي أصبح لا يُنتج لنا إلا ثقافة هزيلة مستهلكة، في مجتمعات لا تقرأ، وعجزت هذه المنظومات الثقافية عن التعريف بتنوّعنا، وسقطت في تسطيح الفكر والذوق، كما حوّلت ثقافتنا الدينية الجماعاتية توجيه الوحي الإلهي اقرأ باسم ربك، إلى اقتل باسم ربك. _ هل أتهم قطاعا من الحكومات العربية، فضّلت بأموالها القارونية أن تستثمر في ربيع عربي فيه من الأشواك والعواصف والزلازل أكثر مما فيه من الزهور والحب والهناء والأحلام، وبدل أن تنشر العلم والثقافة والإبداع والحضارة في وطننا العربي، نشرت فقه العصبيات، وأرادت أن تُصفّي حساباتها السياسية بأحسابها الدينية. إن هؤلاء جميعا ضيّعوا لبنهم في حساباتهم الخاطئة في هذا الربيع، وبعد الربيع سيأتي الصيف، وعند الصيف تكون الشعوب العربية في فصل جديد، هو فصل لعودة منطق الدولة، بعد الاستحقاقات الانتخابية في كذا قطر عربي، وعودة صورة المرشح الوطني ومرشح الضرورة، وهو وصف مقيت عند قطاع من المواطنين، بسبب كونه وصفا تبريريا، لمرشح الدولة العميقة، ولكن هذه المرة أمام هزات الربيع العربي، يصبح له مصوّغه عند عموم الناس ممن يرون الحالة التي وصلت إليها المجتمعات العربية، والتحديات الجيوسياسية التي تُهدّد الأمن القومي العام، والساذج من لا يرى ذلك أو لا يتوقعه، والذين لا يحبون ذلك عليهم أن يحاسبوا أنفسهم، لأنهم كانوا ضمن من أخطأ الحساب عندما. - اعتقدوا أن الفوضى الخلاقة هي مجرد لعبة دقيقة سترفع فريقهم إلى عليّين، وليست لعبة مركبة ودائرة مفرغة، تهتك بمقدّرات الأوطان، وسلامة المجتمعات، وتأخذ من الأبرياء أكثر مما تأخذ من لاعبيها. - ولمّا اعتقدوا أن أمريكا والغرب والقوى الأجنبية هي جمعيات خيرية تعمل لصالح سعادة المجتمعات ورفاهية الدول، وليست محاور هيمنة تبيع وتشتري، تشتري من أجل مصالحها وتبيع من أجل أهدافها. - ولمّا اعتقدوا أنهم جنابهم قد يكونون محور السياسة الدولية في وجود المحور الثابت فيها وهو إسرائيل، وأمن إسرائيل، وأمن إسرائيل يتطلب أن يكون هذا الوطن العربي غارقا في لعبته الجاهلية، يا قاتل يا مقتول. - وعندما اعتقدوا أن غرائزية الطائفية لوحدها كافية لكل الوقت وعلى كل الناس أن تدفع العقول إلى ذروة الجنون، دون أن يقدّروا خطر ذلك على سلم مجتمعاتهم وأوطانهم، وعلى مفاهيم المواطنة كلها. - وعندما اعتقدوا أن الإرهاب يمكن أن يكون وسيلة للتغيير ونسوا أن عدوا عاقلا خير من صديق جاهل وساذج، وأن وحوش الإرهاب والطائفية لا قيود لها ولا حدود لجنونها، تأكل مروّضيها كما تأكل أصحابها و أعداءها والمتفرجين عليها، في سيرك لعبة العنف. هؤلاء الذين كلما قام لنا حلم بتكوين دولة مدنية تُحقق الحرية والعدالة الاجتماعية ولقمة العيش لملايين الفقراء، وتُحقق السلام لمواطنيها حيث يمكن للناس ممارسة ما يعتقدونه صوابا، في جو من تناسج الأفكار، وتعاون الأشخاص، وتشارك الأشياء، قام هؤلاء فأفسدوا أعراسنا بمزايدات في ديننا وطوائفنا ومذاهبنا وأعراقنا، وحرّفوا وجهة ومسار العمل السياسي من حراسة الدين وإقامة الدنيا إلى احتكار الدين ونكد الدنيا وسفك الدماء، وورّطونا في معادلات صفرية، ولم يصبروا على مسار تدرج التطور الديمقراطي، أمام غواية السلطة وشيخوخة الأنظمة. وأي حسابات سياسية تبنى على أساس تحطيم المؤسسات العسكرية، والفوضى الداخلية بين مكوّنات مجتمع ما هي مشاريع مفلسة، إن خطر الديمقراطية الطائفية والثقافة الطائفية هي مثل خطر الاستبداد، سيترك مجتمعاتنا مكبلة بقيود التخلف، والصراع الدموي، إن ضرورة المرشحين في الاستحقاقات القادمة هي مراجعة تحديات الدولة الوطنية في بناء مجتمعات ذات مناعة أقوى في انسجامها ووعيها بالأولويات، وتجفيف المنابع المتهمة بحرائق الفتنة و خلق الأزمات بما فيها معالجة أخطاء الحكومات الوطنية وبرامجها، لأن حاجتها إلى الإصلاح قضية عادلة مع كل ما قلناه، ولكن الإصلاح مع بقاء الأوطان وسلامة المجتمعات و دعم المواطنة شيء والفوضى الخلاقة ضمن منظورها الأجنبي شيء آخر، ولأجل ذلك فإن الشعب قد يتمنى سقوط نظام الحكومات ولكن يتمنى بقاء نظام الدولة الوطنية في مقابل البدائل الجهنمية التي تقسّم المقسم وتجزّئ المجزّأ وتفكك المجتمعات إلى قبائل وطوائف، والمعارضات العاقلة الوطنية عليها أن تقرأ المشهد قراءة استراتيجية أكبر من حروب الأزقة، وبدل احتجّ واحرق نفسك نحو ربيع وطني شعاره احتجّ وابن وطنك واحفظ سلامة وتماسك مجتمعك.

الملفات