2026-09-13 04:20 م

حتى نبقى في مكاننا

2014-05-09
بقلم عبد الحكيم مرزوق*
الزمن تغير ، ومعه تغيرت الكثير من المفاهيم والمعطيات بسبب التطور التقني والتكنولوجي ، فقد أصبحنا اليوم في عصر المعلوماتية والأقمار الصناعية والفضائيات الرقمية التي نمت في محيطنا مثل الفطور حيث لم يعد بإمكان المواطن العربي أن يتابع ذلك الكم الهائل من الفضائيات بسبب ملايين الرسائل التي تبثها عبر الشاشة الصغيرة مستهدفة بذلك عقل المواطن العربي الذي يتسمر أمام الشاشة متابعاً نشرات الأخبار أو المباريات الرياضية أو الأفلام السينمائية أو الأغاني أو المسلسلات الدرامية التي وجدت لها محطات متخصصة بذلك .‏ مع تغير الزمن كان لابد من إشغال العقل العربي وتجميده ومنعه من التفكير، والترجمة العملية لذلك كانت عبر المحطات الفضائية التي جعلت المواطن العربي يجلس ساعات طوال أمام شاشة التلفاز دون أن يعمل عقله بقضية مفيدة أو بحل مشكلة مستعصية تفيد أسرته أو بلدته ، والمشكلة لم تتوقف على تعطيل عقول الرجال والسيدات عن التفكير بل إن الأمر يكاد يشمل كافة أفراد الأسرة حتى الأطفال والشباب الذين هم أمل المستقبل الواعد .‏ هل نحن أمام مؤامرة ؟‏ أكاد أجزم بالقول إننا أمام مؤامرة تم التخطيط لها منذ زمن طويل .‏ كيف ذلك ؟‏ إذا نظرنا إلى الدول الأوربية فإننا لا نجد كل شقة فيها تمتلك جهاز استقبال فضائي ، ومعظم السكان مشتركون بما يسمى بخدمة الحزم الفضائية التي توفرها بعض الشركات مقابل رسوم شهرية لا تتجاوز الدولارين ، حيث يقوم المشترك باختيار مجموعة من المحطات التي تهمه كي تصله عبر الكابل الذي يشترك فيه لأنه ليس لديه وقت طويل لمشاهدة التلفاز بسبب عمله الذي يستغرق جل وقته .‏ أما عندنا فإننا نكون أمام منظر مذهل حين نرى أسطحة البنايات عامرة بالصحون اللاقطة للبث الفضائي ، وذلك لأن مواطننا يراد له أن يغرق ببرامج التلفاز ويتوقف عقله عن التفكير ، أما مواطنهم فهو حريص أن لا يضيع وقته بالترهات وبإشغال وقته بأمور يستطيع أن يتابعها في وقت استراحته فقط .‏ الأذكياء عندنا يديرون ظهورهم للتلفاز وللمحطات الفضائية التي أصبحت أكثر من الهم على القلب ، ولا يأخذون إلا قدر حاجتهم منه ، لأنهم أدركوا حجم الوقت الكبير الذي يضيع هباءً منثوراً دون أن يحققوا أية نتيجة منه سوى هدر الوقت الذي لا طائل منه فيمضون بمتابعة أعمالهم وانجازاتهم العملية ، وقد أكدت دراسة نشرت منذ سنوات التأثير السلبي الذي يتركه جلوس الأطفال أمام التلفاز لعدة ساعات في اليوم الواحد ومن هذه التأثيرات أذكر ميل الطفل نحو الانطوائية والخمول والكسل وعدم اللعب بسبب الجمود الذي يصيب عقله الذي يبقى متلقيا سلبياً لفترة طويلة دون استخدامه في التفكير واللعب والابتكار .‏ إذاً المطلوب من أطفالنا تجميد تفكيرهم وتسطيح عقولهم من خلال جلوسهم الطويل أمام التلفاز، حتى يكونوا في المستقبل أناسا اتكاليين ، ومتلقين غير فاعلين ، ومطلوب منا أن نغرق بالمسلسلات والأفلام والمباريات وبالبرامج التافهة التي تبثها بعض الفضائيات الهابطة حتى ننشغل عن القضايا الهامة التي تفيد بلدنا ولا يكون لدينا الوقت لننجز أعمالنا ونطوّر ذواتنا، وحتى نبقى في مكاننا مراوحين دون أن نحقق نتائج تذكر .‏ هل نحن أمام مؤامرة ؟‏ نعم نحن أمام مؤامرات وليست مؤامرة واحدة فقط وكلها تريدنا وبلدنا أن نكون تابعين وخانعين ولا حول لنا ولا قوة .‏ ولذلك يبدو من البدهي القول إن نغمة الصحون اللاقطة لم تورد لنا حباً بنا وبالكحل الذي في عيوننا بل من أجل أن تتم السيطرة علينا وعلى عقولنا ، ولعلنا نجد في بعض القنوات الفضائية اليوم ترجمة لذلك وترجمة للغزو الذي كان يتم التحضير له منذ زمن طويل ولعل ذلك يوضح سبب وجود فوضى الصحون اللاقطة على أسطح أبنيتنا في الوقت الذي تغيب عن أسطح أبنيتهم.‏
 *كاتب وصحفي سوري 
Marzok.ab@gmail.com