2026-09-13 04:20 م

حق الانتخاب.......والاختيار بالدم

2014-05-06
بقلم: الدكتور يحيى محمد ركاج
إن الوصول إلى نهاية التاريخ يتطلب محو الإرث الثقافي والحضاري للأمم المتجذرة في هذه الأرض، والأمم التي تسبق نشأة الأمم الأخرى حضارياً وثقافياً، وحتى التي تسبق الأمم الأخرى وجودياً، على اعتبار أن وجود الإنسان على سطح المعمورة هو حضارة. وأنا هنا لا أخوض بتفاصيل المؤلفات التي استحوذت على اهتمام العالم من نهاية التاريخ وصراع الحضارة وانقراض العالم الثالث والحرب الكبرى تحت ذريعة الحضارة أو ما تم الاصطلاح على تسميته الإبادة، إنما أقدم وجدان الأمم المتصارعة والمتكالبة على بلداننا في هذه الأيام، في محاولة لطمس معالم الحضارة التي ترمز لها بلداننا خاصة، وبلدان شرق المتوسط على وجه العموم. لقد كانت العولمة إحدى أبرز أدوات هذا الصراع التي أدت إلى ذوبان الفوارق في تكوين الأوطان، من خلال ما قامت به من طمس للثقافات الوطنية وركائز الشعوب بالاعتماد على ما أفرزته من صراعات وخلافات سياسية استعملت معها كل أدواتها القذرة من جاسوسية وطائفية ومذهبية وفئوية وغيرها. وبعض الأدوات التي لم تحسن إلى الآن السيطرة عليها والتي يندرج صندوق الانتخاب من ضمنها. وبرزت في مواجهة العولمة قيم المواطنة بما تحمله من تحالف وتضامن بين الناس المتكافئين بالقرار والحقوق والمسؤوليات من أجل بناء مواطن قادر على صون أرضه وعرضه وبلده وصولاً إلى بناء وطن قوي قادر على الصمود والاستمرار وتحقيق مراحل نوعية من التنمية المستدامة. فنشأ صراع جديد بين الأمم المتكالبة علينا ارتكز في الصراع من أجل نختار نحن بين المواطنة المبنية على الفكر الإسلامي المخترق أصلاً بعباءة المذاهب والطوائف والتطرف، والمواطنة المستقاة من الغرب الذي يسعى إلى تدميرنا أو السيطرة علينا من خلال العولمة. الأمر الذي يفسر ما تشهده بلداننا في هذه الأيام من تفجيرات ومحاولات تدمير وتخريب، خاصة من اجتازت مرحلة التدمير والاستعباد، ووصلت إلى تقرير مصيرها بالاعتماد على حق أبنائها في تقرير مصيرهم عبر صناديق الانتخاب. ولنا بذلك مثلاً في العراق التي شهدت ساحاتها سيولاً من الدماء قبل الوصول إلى حرية تقرير المصير وإخراج المحتل الأمريكي مهزوماً من أراضيها. ثم الجزائر التي كانت تتعرض بين الحين والآخر إلى محاولات لزعزعة استقرارها وبناء حاجز من الدم بين أبنائها، بوتيرة متصاعدة كلما اقترب الجزائريون من ممارسة حقهم في الانتخاب، حتى أن هذه المحاولات لم تهدأ رغم اختيار الجزائريين لرئيسهم الذين رأوا فيه استمرار للاستقرار والبناء. ثم مصر التي تتصاعد فيها الهجمات الإرهابية على الجيش والشعب المصري، وعلى المرشح الأكثر تجسيداً لتطلعات الشعب في التشارك والحفاظ على السيادة، وتترافق هذه الهجمات مع اغتيال الضباط وحرق الجامعات، وتدمير المساجد والكنائس والمتاحف، كلما اقترب شعبها من اختيار من يمثلهم ويعبر عن خياراتهم في السيادة والاستقلال. أما سورية التي تكتب التاريخ الجديد للعرب والمسلمين بدماء أبنائها البررة، فإن عمليات القتل والتدمير تزداد مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، وتزداد معها الشائعات وتصريحات المقاطعة والاستهجان تحت شعارات المواطنة نفسها، بدواعي الانتهاء من مكافحة الإرهاب أو الوقت الكافي للتشارك وبناء العلاقة المتجددة بين الدولة والمواطن، في رسم منقوص مشوه لمفهوم المواطنة والانتماء، فمن يرى الحقوق تتمثل في التعددية الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية بعيداً عن تقديم التضحيات في سبيل بلده التي تتعرض للحرب، ويتعرض فيها أخوته لهدر دمائهم وهم في بيوتهم آمنين، كمن يعطي الميت عند إنزاله في لحده نصائح لحمية طبية أو لوصفة غذائية، أو يقدم لع الدواء لمرض دنيوي عضال كان السبب في موته. على الجميع أن يدرك أن القيام بالاستحقاق الرئاسي السوري في موعده هو أحد الانتصارات المرحلية لسورية في مواجهة الإرهاب الذي تتعرض له، والمخطط الطويل الذي يستهدف بنيتها القوية، أو في حده الأدنى هو التفويض العملي المتجدد للمضي قدماً في مكافحة الإرهاب، الأمر الذي يدركه أعداؤنا في الداخل والخارج، فتراهم يزيدون حقدهم وقتلهم وقذائفهم عشوائياً مع كل دقيقة يتابع السوريون فيها إصرارهم على ممارسة حقهم في المواطنة والانتماء إلى الجمهورية العربية السورية من خلال الانتخاب، أملاً منهم في أن تخاف الناس فتؤجَّل الانتخابات. ويرافقهم بعض العملاء في الداخل بتجييشهم لبعض البسطاء أو لبعض مدعي السياسة، أو باستخدامهم لبعض المغرر بهم، في الترويج للمقاطعة أو إلغاء للانتخابات، والاعتماد على التمديد للرئيس السوري، تحت ذرائع التسويات المطلوبة وإفساح الوقت الكافي للتشارك في صياغة الاستحقاق الوطني السوري وغيرها. وفي الجهة الأخرى يدرك السوريون أن عليهم المضي قدماً في بناء سورية المتجددة القائمة على التشاركية، والخالية من الإرهاب بكافة أشكاله، خاصة أننا نشهد في هذه الأيام إرهاب القتل والتدمير الممنهج، إضافة إلى الإرهاب الأخلاقي المتمثل بالفساد الذي يسير أعداؤنا به بالتوازي مع التفجير والتدمير بغية حرفنا عن المضي قدماً في طريق النصر. فالمعركة في هذه المرحلة هي مساندة جيشنا وقواته المسلحة ووقوفنا خلفهم صفاً واحداً في مواجهة الإرهاب، والمضي قدماً نحو صناديق الانتخاب لإعادة بناء سورية المتجددة. إن العالم سوف يشهد في سورية انتخابا معمداً بالدم الطاهر من أبناء الشعب العربي السوري البررة، دماء سالت بقذائف الغدر لوقف العملية الانتخابية قتلا وتدميراً وترويعاً، ودماء أشبعت باطن الأرض دفاعاً عن العزة والشرف والكرامة والإباء حتى ظهرت آثار هذه الدماء في سطح الكرة الأرضية من الجانب الأخر للأرض، إنه الاختيار بالدم في صندوق الانتخاب، قد سبقنا إليه شهداؤنا من الجيش والقوات المسلحة والمدنيين الذي قضوا على يد الإرهاب الغادر، فلا يحق لنا ولا لمن بقي أن يوقف هذا الصندوق.

الملفات