2026-09-13 04:19 م

الأزمة الأوكرانية وأمن الطاقة (2)

2014-05-03
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
لقد شكلت أحداث 2006 و 2009 عندما تعرض أمن الطاقة الأوروبي الآتي من روسيا عبر الأراضي الاوكرانية وذلك للخلافات بين أوكرانيا وروسيا حول تسعيرة الغاز الذي تمد به روسيا أوكرانيا وعدم مقدرة أوكرانيا على دفع الفواتير، والذي استدعى شركة غازبروم الروسية قطع امدادات الغاز عن الدول الأوروبية، نقول شكلت هذه الاحداث محطات مفصلية في تنبيه الدول الأوروبية الى الاخطار المحدقة بأمنها في مجال مصادر الطاقة، مما استدعى بعضها على الأقل في اتخاذ بعض الإجراءات التي ذكرنا بعضها في الجزء الأول من هذا المقال وذلك في محاولة للتخفيف من الاضرار التي قد تنجم فيما اذا تكررت مثل هذه الاحداث. وتأتي المشاهد والاحداث في أوكرانيا الان لتعود وتدق ناقوس الخطر مرة أخرى في هذا المجال، وربما على نطاق أوسع وأكثر خطورة، وخاصة مع سياسة العداء التي تنتهجها حكومة الانقلاب اليمينية المتطرفة في كييف، بتشجيع ودعم كامل من إدارة أوباما التي تحاول من خلال حلف الناتو وفرض العقوبات، أن تورط دول الاتحاد الأوروبي في عمليات تصعيدية وتصادمية مع روسيا، والتي ربما بسببها ستدفع أوروبا ثمنا غاليا في اقتصاديات دولها إذا ما قررت روسيا المجابهة، بدلا من السياسة الهادئة والحكيمة التي تنتهجها لغاية الان. ان الاحداث التي بدأت منذ 2006 وامتداداتها في الفترة الحالية ولو لأسباب قد تكون مغايرة من حيث مضمونها او تجلياتها، لم تفرض فقط على الدول الأوروبية محاولة التغيير في استراتيجيتها في التعامل مع أمن الطاقة وخاصة بعد ان كشفت الاحداث مدى ارتهانها على امدادات الغاز الروسي، بل فرضت أيضا على روسيا أيضا التفكير الجدي لتغيير استراتيجيتها في مجال الطاقة وتصدير الغاز والبترول، بحيث لا تعود أو تبقى رهينة السوق الأوروبية التي تستهلك الجزء الأكبر من صادرات غازها الطبيعي، والتي تشكل جزءا أساسيا من دخلها القومي، والذي قد يتعرض الى ضربة موجعة ومؤلمة تهدد المكانة التي وصلت اليها روسيا إقليميا وعالميا كلاعب أساسي على الساحة الدولية، بعد انكفاء للعديد من السنوات على اثر تحلل وتفكك الاتحاد السوفياتي التي وصفه الرئيس بوتين بانه اكبر كارثة حصلت في القرن العشرين. ,هنالك عدة عوامل تفاعلت مع بعضها وشكلت روافع أساسية لتغيير السياسة والاستراتيجية الروسية في تعاملها مع مصادر الطاقة التي تستخرجها وتصديرها الى الأسواق العالمية. وسنستعرض بعض هذه العوامل هنا وكيفية تفاعل روسيا مع هذه العوامل. مما لا شك فيه أن أزمة العلاقات الروسية مع أوكرانيا التي تراكمت منذ 2006 التي تمثلت سابقا بعدم قدرة أوكرانيا لسداد فاتورة الغاز الروسي المستورد والتي وصلت الى ما يقارب الثلاثة مليارات دولار ان لم تكن أكثر من هذا، بالإضافة الى العلاقات السياسية المتذبذبة والغير مستقرة حتى قبل الاحداث الأخيرة، وذلك من حيث احتمال انضمام أوكرانيا الى الشراكة الاقتصادية الأوروبية، وفتح الأبواب على الانضمام الى حلف الناتو والتي كانت الولايات المتحدة تشجع أوكرانيا عليه، وتدفع بالاتحاد الأوروبي الى قبولها كعضو فيه، شكلت عوامل أساسية لمراجعة للاستراتيجية الروسية فيما يختص بطرق الامداد ونقل الغاز والبترول الروسي الى الدول الأوروبية عبر الأراضي الأوكرانية. فروسيا تدرك جيدا ان من يسيطر على طرق امدادات الطاقة يستطيع ان يتحكم بها وبتسويقها. ولا شك ان التخوف من عدم الاستقرار في أوكرانيا واحتمال انضمامها الى حلف الناتو كانت العوامل التي دفعت روسيا الى إعطاء أولويات للعمل على تغيير طرق امداد الغاز والبترول وذلك باستخدام خطوط أنابيب تتجاوز الأراضي الأوكرانية وبالتالي عدم وقوعها تحت رحمة أوكرانيا او الابتزازات الامريكية لاحقا في حالة انضمام أوكرانيا الى حلف الناتو. وتأتي الاحداث الأخيرة وما تمخض من ردود فعل غربية غير مبررة عن انفصال شبه جزيرة القرم وانضمامها الى روسيا بعد اجراء عملية الاستفتاء العامة فيها، لتدعم هذا التوجه والبعد الاستراتيجي فيما يختص بمصادر الطاقة الروسية وطرق امدادها. وقد اجرت روسيا تغير في البنى التحتية لنقل الغاز عندما قامت شركة غازبروم الروسية ببناء خطوط انابيب عبر بيلاروس وبحر البلطيق الى المانيا وهو الخط المسمى Nord Stream ،بالإضافة الى العمل على بناء خط انابيب اخر على البحر الأسود (South Stream ) الذي سيتم تشغيله عام 2015 ، وهو ما سيتيح لروسيا نقل الغاز والبترول الى جميع انحاء اوروبا وذلك بتجاوز الأراضي الأوكرانية بالكامل. هنالك أيضا عاملا آخر وهو خاص بدول الاتحاد الأوربي والتي استوردت فيما بينها ما يقرب من 155 بليون متر مكعب من الغاز الطبيعي الروسي بحسب احصائيات 2012 . كنا قد أشرنا سابقا بأن هنالك جدل واسع دائر في دوائر مراكز القرار الأوروبي حول ضرورة تخفيض الاعتماد الأوروبي على الغاز القادم من روسيا، وقد قامت بعض الدول الأوروبية بإتخاذ خطوات فعلية في هذا الاتجاه وذلك في مجال تنويع مصادر الطاقة المستوردة وزيادة الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة كذلك في مجال استخراج الغاز الصخري لديها، والتي من الممكن أن تبدأ اثارها بعد عدة سنوات من الان. ومن الجانب الآخر فان روسيا تدرك جيدا ان الاعتماد على السوق الأوروبية في صادراتها من الغاز الى حد كبير قد يكون له اضرار مستقبلية على اقتصادها، وذلك في حالة حصول انكماش في الكميات المصدرة الى الدول الأوروبية لأي سبب من الأسباب سياسية كانت أم اقتصادية. وبقدر ما تتطلع الدول الاوروبية على ضمان تزويدها من مصدر يعتمد عليه وعدم الارتهان لطرف معين، فان روسيا بحاجة الى ضمان الطلب الثابت والمستمر على غازها، لما يشكله هذا من أهمية لدخلها القومي. ومن هنا عملت روسيا وما زالت تعمل بنشاط في تأمين أسواق أخرى لهذه السلعة الاستراتيجية في الأسواق الاسيوية وخاصة الصين المتعطشة للغاز والبترول لإبقاء معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة لها والتي من المرجح ان تجعلها أكبر قوة اقتصادية في العالم قريبا جدا. ولقد قامت شركة غازبروم الروسية بتوقيع مذكرة تفاهم مع الصين عام 2006 ، والتي بموجبها سيتم تزويد الصين بالغاز الروسي عبر خط انابيب خاص. ولكن هذا لم يتم لغاية الان بسبب عدم الاتفاق على الأسعار. وتشير التقارير الحالية أن هذه المعضلة تم تسويتها وان الطرفين على قاب قوسين من التوقيع على الاتفاقية في نهاية هذا الشهر، والتي تشمل على بناء خط انابيب قادر على نقل 38 بليون متر مكعب من الغاز سنويا، وهي اتفاقية طويلة الأمد وقد تمتد الى 30 سنة. وهذه الاتفاقية ستخدم كلا البلدين وتعمق أواصر التعاون الاستراتيجي فيما بينهما. فالصين بحاجة الى الغاز الذي يصلها عبر الانابيب الممتدة الى أراضيها وذلك لتفادي التكلفة المصاحبة لعملية تحويل الغاز الى سائل ومن ثم الى الحالة الغازية، بالإضافة أن النقل عبر الانابيب سيحررها من النقل عبر محيط الباسفيك التي تحاول البحرية الامريكية من خلال اساطيلها السيطرة على طرق نقل مصادر الطاقة. هذا بالإضافة الى حاجة الصين الماسة لاستخدام الغاز بدلا من الفحم الحجري الذي تسبب استخدامه كمصدر رئيسي للطاقة الى تلوث الهواء بدرجات عالية في مدنها الكبرى. أما بالنسبة الى روسيا فان الاتفاقية ستحررها من الارتهان الى الأسواق الأوروبية وهبوط الطلب على غازها ضمن الأوضاع الاقتصادية المتردية في اغلب الدول الأوروبية، وضمان تزايد الكميات المصدرة الى الصين، بالإضافة الى تحقيق أسعار أفضل لغازها الطبيعي. ولا تقتصر الاتفاقيات في مجال توريد الغاز والبترول الروسي بين شركة غازبروم والصين بل تتعداها الى اكثر من شركة روسية، حيث وقعت الصين اتفاقية مع شركة روسفيلت الروسية يتم بوجبها توريد 200000 برميل من البترول يوميا الى الصين. ومما لا شك فيه ان مثل هذه الاتفاقيات ستوفر نوع من الاستقرار والامن لروسيا في مجال تصدير الغاز والبترول ضمن مناخات عالمية غير إيجابية، المتمثلة في حالة عدم الاستقرار الذي تشهده الأسواق العالمية للطاقة النابع من الركود الاقتصادي التي تشهده العديد من الدول، مما ينعكس سلبا على مستوى الطلب على الغاز والبترول، هذا بالإضافة الى إمكانية دخول الغاز الصخري الأمريكي الى الأسواق العالمية مما قد يؤدي الى منافسة كبيرة بين شركات البترول والغاز، ومن الطبيعي أن تخسر روسيا بعض من أسواقها. زد على ذلك دخول إيران وليبيا والعراق بقوة بعد حين على الأسواق العالمية للطاقة والذي بالضرورة سيكون له بعض المردودات السلبية على قطاع الطاقة الروسي وقيمة صادراته. في النهاية لا بد ان نؤكد ان ما دار في أوكرانيا وما يدور الان وخاصة مع السياسة التصعيدية التي تنتهجها الولايات المتحدة ودعمها السياسي والإعلامي والعسكري للفئات والمجموعات اليمينية المتطرفة بما فيها المجموعات الفاشية والنازية ومحاولاتها لبعث الحياة للحرب الباردة، وحلف الناتو، وجر دول الاتحاد الأوروبي لاتخاذ مواقف متشددة حيال روسيا، وإدارة الظهر للاتفاقية الأخيرة التي تدعو الى حل الازمة الاوكرانية بالطرق السلمية ونزع الأسلحة من المليشيات والضغط على الحكومة الانقلابية في كييف للتخلي عن هذه الاتفاقية، سيهدد بالضرورة أمن الطاقة والامن والسلام العالمي التي قد يتسبب بكوارث لا يحمد عقباها، وربما ستكون أوروبا هي الخاسر الأكبر من وراء ذلك.