2026-09-13 06:59 م

بين قوسين (الحرب الإقتصادية على روسيا)

2014-05-03
بقلم: الدكتور خيام محمد الزعبي*
تهديدات وعقوبات وتوترات في العلاقات الروسية الأمريكية، أجواء تذّكر بالحرب الباردة في القرن الماضي، الذي كانت فيه هي الأخرى قد إنطلقت من عقوبات ضد الإتحاد السوفيتي آنذاك، وعلى الرغم من إيقاف موسكو للمناورات العسكرية قرب الحدود الأوكرانية، إلا أنها لم تنجح في تفادي العقوبات الغربية وهي الآن تهدد بالرد على واشنطن كونها تملك مجموعة كبيرة من الخيارات بهذا الشأن. اليوم يضغط الغرب على الرئيس الروسي بوتين إقتصادياً لكبح جماح تدخله في شؤون أوكرانيا، وفي الوقت نفسه تتباين فيه الآراء حول مدى فاعلية هذه العقوبات وإنعكاساتها على إقتصاد البلاد وعزلة موسكو إقليمياً ودولياً، فرض الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عقوبات إقتصادية على موسكو ولكن وفيما وعدت هذه الدول برد قوي، إلا أنها مدركة تماماً عواقب ذلك، فالولايات المتحدة الأمريكية تتحرك بحذر في فرض عقوبات على روسيا حرصاً منها على إبقاء حلفائها الأوروبيين إلى جانبها وتجنب إخراج التباينات داخل الكتلة الأوروبية إلى العلن، وذلك على الرغم من الجهود المبذولة لتنسيق فرض مثل هذه العقوبات. فبعض مستشاري الرئيس الأمريكي أوباما يحثونه على فرض عقوبات على قطاعات كاملة في الاقتصاد الروسي، وفي المقابل، يفضل أوباما ووزير الخزانة الأمريكي جاكوب ليو التصرف بحذر أكبر، من منطلق مراعاة الحلفاء في أوروبا، حيث يتداخل اقتصادهم بشكل أقوى مع الاقتصاد الروسي، وبالتالي أوباما لا يريد اتخاذ خطوات ضد موسكو بدون الأوروبيين، حتى لا يعطي روسيا فرصة إحداث وقيعة بين بروكسل وواشنطن، وبالمقابل فإن تصريحات الرئيس الروسي بوتين حول الردود المحتملة على العقوبات الغربية تخلق ظروفاً لبدء "حرب اقتصادية" وعواقبها ستكون حساسة بالنسبة للشركات الأمريكية والأوروبية، وقد يفقد المستثمرون الأجانب في مجال النفط مليارات الدولارات بسبب هذه الخطوة. وفي سياق متصل إن حجم التبادل التجاري بين الإتحاد الأوروبي وروسيا في عام 2012 بلغ حوالي 370 مليار دولار، في حين بلغ بين الولايات المتحدة وروسيا خلال نفس الفترة حوالي 26 مليار دولار، وبالتالي فإن المخاطر التي تهدد الولايات المتحدة أقل بكثير من المخاطر التي تهدد الإتحاد الأوروبي في حال فرض عقوبات على روسيا. كما أن توسيع الإجراءات العقابية من دون الدعم الأوروبي سيضر بمصالح رجال الأعمال الأميركيين ولن يكون لهذه الإجراءات التأثير المطلوب على روسيا، ففرض هذه العقوبات على روسيا يمكن أن يضر بلندن وبالتالي ببريطانيا، حيث إن لندن هي القلب النابض للإقتصاد البريطاني، حيث يبلغ عدد الشركات الروسية المدرجة في بورصة لندن نحو 70 شركة، و ذلك فإن تجميد مثل هذه الأرصدة ستختفي أحد العوامل الرئيسة لإرتفاع أسعار العقارات في لندن، هذا ما يهدد أسعار العقارات في هذه المدينة، وبالتالي انتعاش الاقتصاد البريطاني الهش. في إطار ما سبق لا أعتقد أن هناك تداعيات جدية للعقوبات على الإقتصاد الروسي بل على العكس من ذلك قد يدفعها ذلك إلى تطوير صناعتها والتقليل من الإستيراد، لذلك أستبعد إمكانية فرض عقوبات حقيقية على روسيا لأن ذلك سينعكس على الإقتصاد العالمي بشكل عام لما تملكه روسيا من موارد طبيعية ولمساحتها الشاسعة التي تحتل ثمن مساحة الأرض المأهولة، كما إن هناك تكاملاً وثيقاً بين الاقتصاد الأوروبي والإقتصاد الروسي، وفي حال تم فرض عقوبات ضد روسيا يعني ذلك أن الاقتصاد العالمي سوف يتكبد أضراراً جسيمة، وبالتالي فإن تأثير أية عقوبات محتملة سيكون ضئيلاً بالنسبة لها. وأخيراً ربما أستطيع القول إن الولايات المتحدة تعيد إحياء سياسة الستار الحديدي التي مارسها الغرب ضد روسيا إبان الحرب الباردة من خلال فرض عقوبات على نقل التكنولوجيا إلى روسيا، إنتقاماً منها على الدور الذي لعبته في الشرق الأوسط، وبالتالي تقويض روسيا وتحقيق هيمنتها العالمية. 
*صحفي وباحث أكاديمي في العلاقات الدولية 
khaym1979@yahoo.com