2026-09-13 05:06 م

الانتخابات الرئاسية في سورية بين الحق والواجب

2014-04-28
بقلم: الدكتور يحيى محمد ركاج
تأتي الانتخابات الرئاسية في سورية هذا العام على غير عادتها منذ نيلها الاستقلال عن المحتل الفرنسي، فالانتخابات الرئاسية بعد الاستقلال مباشرة كانت تحكمها الانقلابات التي كانت تميز تلك المرحلة، ثم التحالفات الدولية باعتبار أن سورية كانت ساحة صراع دولي للدول والأمم المتصارعة، وأصبحت منذ الاستقرار الذي حققته سورية في ستينيات القرن الماضي عبارة عن انعكاس للاستقرار الداخل والوضع المعاشي للمواطن، ولم يعد بعد ذلك تأثير القوى والصراعات الدولية ذا أهمية كبيرة أو عاملاً حاسماً في سير الانتخابات، كما لم يكن أحد من السوريين يعير الخارج أي اهتمام خاصة في مجال الانتخابات الرئاسية حتى العام 2000. وفي عام 2000 وقبل انتخاب الدكتور بشار الأسد رئيساً للجمهورية برزت بعض الفقاعات الخفيفة التي تتناول الانتخابات الرئاسية ولكنها لم تكن محط اهتمام أحد من الداخل السوري، كما أنها لم تكن ذات أهمية بالغة بالنسبة للتحالفات والصراعات الدولية، رغم موقع سورية اللوجستي الهام، ومكانتها في التسويات الدولية بالنسبة لمصممي الاستراتيجيات في مراكز الدراسات الغربية، وذلك لعدم مقدرة الأطراف المتصارعة والطامعة بالسيطرة على المنطقة على التنبؤ بسلوك القائد في شخصية الرئيس المنتخب آنذاك، والذي ارتبط اسمه بنشر التقانة والثقافة المعلوماتية في سورية بالإضافة إلى كونه طبيب وضابط عسكري، ولأنهم كانوا يرون في المحيطين به مادة سياسية مستهلكة وفقاً للمفاصل السياسية والتاريخية الهامة التي ساهموا في صناعتها مع خلفه الراحل القائد والحكيم. وتنبع أهمية الانتخابات السورية هذا العام، من اعتبارها ولأول مرة في تاريخها المدون منذ استقلالها عن المستعمر الفرنسي، أو حتى منذ نيلها حريتها من الاستبداد والنير العثماني المتجدد الأطماع هذه الأيام، محط أنظار العالم أجمع، واعتبارها ساحة الحرب الرئيسة بين الأمم والدول المتحاربة في ميزان القرارات الدولية عامة، وفي ميزان السيطرة على شرق المتوسط بصورة خاصة، وليس المهم في هذه المرحلة من الصراع شخصية الرئيس القادم لسورية والتي باتت محسومة لجميع الشرفاء والتقدميين في العالم، وهي لصالح الكرامة والسيادة والمقاومة واستقلال القرار، بقدر أهمية إفشالها أو عدم السماح لها بالتحقق أو النجاح من قبل القوى المساهمة في تطبيق مخطط تدمير سورية، في تحدٍ سافر ووقح لإرادة الشعوب وحقوقها في تقرير مصيرها ومسار حياتها بما لا يضر بمصالح أحد، ولعل الأهمية الكبرى التي تحظى بها هذه الانتخابات هي بسبب ارتهان الإرادة المستترة تحت ستار الوطن لفئات قليلة من الشعب بخدمة الدول المشاركة بمخطط تدمير الدولة السورية، مستغلة المقارنة بين فتات الخارج ونعيم السيادة، وهي الفئات نفسها التي استثمرت المخطط المعد لتدمير سورية وإيصالها إلى مصاف الدول الفاشلة، لتبرز كأصوات إعلامية وسياسية، وتحقق لها حضور جماهيري على الأرض إن افترضنا أن لها ثقل. إن الأحداث التي تمر بها سورية في هذه الأيام رغم جسارتها وخطورتها على الفكر البشري والاجيال القادمة، كرست لدى فئة ليست بالقليلة مفهوم المواطنة الحقة، بما تحمله ثنياها من حقوق وواجبات، فإذا كان البعض يحاول التملص من التزاماته تجاه وطنه في إظهار تآمرٍ واضحٍ على مفهوم الحق في التعبير وإبداء الرأي والحق في الحياة والتعددية والتشاركية، فإن تلازم الحقوق والواجبات هو الأساس الذي ترتكز عليه حضارة المجتمعات، والحق ليس منحة تعطى لمن نحب، وهو في ممارسة الانتخابات ليس قيمة يحصل عليها عنوة من يريدها، ولا يمكن تأويله وإن أقرت الأعراف والتشريعات الاجتماعية بذلك، وهي لا ترتبط هنا بمفهوم المواطنة فقط، خاصة تلك التي تنشأ بين الفرد والدولة التي تكتنفه برعايتها، أو بين الفرد والتجمع الذي يربطه معه عقد اجتماعي، إنها تدخل في مفهوم الوطنية التي تنشأ من تلازم الحقوق والواجبات في إطار المصلحة الاجتماعية العامة وما يرتبط بهما من بعد اجتماعي وإنساني. فإذا كان البعض يغالي ويطالب بأن يكون حق الفرد غاية في ذاته، فإننا اليوم في سورية نقف أمام إثبات متين يلغي هذه الفكرة، ويشير إلى أن حق الفرد يندرج في إطار الحقوق الإنسانية العامة، وهو يندرج في إطار الواجب تجاه بناء الدولة والحضارة والإنسانية. إن حق الانتخاب والاختيار والترشح هي بمثابة حق الحياة والحرية في الحياة السياسة، فقد أقرت الشرائع السماوية بحق الإنسان بالحياة لمجرد إكماله طور المرحلة الأولى في تشكيل الجنين، والتي يحرم معها قتله باعتباره كائنٍ حي، وجعلت من أولِّ الواجبات رعايته وتنشئته تنشئة صحيحة خالية من العيوب والشوائب الأخلاقية، وألزمت من حوله واجب تقديم الرعاية له حتى يزيل أي تشوه خلقي أو مرض يصيب طوره ونموه، فإننا اليوم أمام مولود جديد في كنف رعاية أبوية جديدة. إننا أمام استحقاق رئاسي يتمتع كل منا بحق الحياة والحرية فيه، وهو حق الانتخاب والاختيار والمشاركة، ومن الواجب علينا أن نحمي هذا الحق ونصونه ونرعاه حتى يكبر. إن من ينادي اليوم بمقاطعة الانتخابات الرئاسية، سواء أكان ذلك عن نيةٍ مبيتةٍ لمكاسب شخصية أو فئوية، أو عن جهلٍ وعدم إدراك لما يعتري الأمة من أخطار، كمن يطالب بقتل أخيه الذي لا يرضى عن ولادته، فلا هو مد له يد العون ليحيا كما يليق به أن يحيا، ولا قدم له الرعاية حتى يصبح كما يحبه هو أن يكون. بل وتفوق جريمته في الخيانة المبطنة والصريحة جريمة قتل الفرد بغير حق. إنها مشيئة المولى أن تسير القافلة مهما ارتفع العويل من حولها، والبشرية قد خطت قروناً من الحضارات دون الاكتراث لموت عظماء وحكماء، وهنا ينطبق علينا المقولة الشامية: "مات الأنبياء والرسل لكن رسالتهم مستمرة".