2026-09-13 10:41 م

المصالحة الفلسطينية وماذا بعد؟!

2014-04-25
بقلم:الدكتور بهيج سكاكيني
المتتبع للأحداث في منطقتنا يدرك تماما مدى التشابك والترابط الوثيق والعضوي بين كافة الملفات والتي تبدو أنها ساخنة بكل المقاييس والتي يترتب على ماهية حلها مستقبل المنطقة برمتها، الى جانب ارتداداتها على الساحة الدولية وتفاعلها في الصراعات على هذه الساحة التي لم تعد حكرا على الولايات المتحدة. ولعل هذا بمجمله بالإضافة الى تعدد الأطراف ذات المصالح الإقليمية والدولية والتي ليست بالضرورة متطابقة تماما، لا بل قد تجد هنالك تضارب في بعض المصالح الآنية، حتى فيما من هم في الخندق الواحد، يزيد من تعقيد هذه الملفات وينعكس بالضرورة على سبل وطبيعة حلها. ومما لا شك فيه ان الملف الفلسطيني من أكثر الملفات تأثرا بما يدور في الساحة الإقليمية نظرا لانشغال العديد من الأطراف في الملفات التي تصدرت الأولويات في المرحلة الأخيرة وخاصة الملف السوري والملف الإيراني. ومما لا شك فيه أن ما ستؤول اليه الاحوال في هذين الملفين سيلقي بظلاله على الملف الفلسطيني. وكان لانشغال الأطراف الإقليمية والدولية بهذه الملفات، والتشرذم العربي والاستقطاب السياسي العلني الغير معهود على الساحة العربية بالإضافة الى الانقسام في الساحة الفلسطينية أثر كبير في اضعاف الطرف الفلسطيني، الذي أصبح أكثر من أي فترة مضت عرضة للضغوطات وعمليات الابتزاز السياسي من قبل الولايات المتحدة والكيان العنصري الصهيوني بالإضافة الى بعض الدول العربية. ومن هنا يكتسب التوقيع على الاتفاق على انهاء الانقسام على الساحة الفلسطينية بين تنظيم فتح وحماس تحت رعاية وفد منظمة التحرير الفلسطينية في غزة أهمية كبيرة، يعول عليها شعبنا في الداخل والخارج أن تحدث تغيرا ملموسا على الواقع الذي نحياه على المستويات كافة، مع ادراكنا الشديد أن هنالك الكثير من العقبات على هذا الطريق التي يجب تذليلها وخاصة بعد السنوات الطويلة من حالة الانقسام، بالإضافة الى أن التوقيع لن يكون البلسم الشافي للعديد من المصائب والمصاعب التي يوجهها أهلنا سواء في الداخل او الخارج في الشتات. هنالك العديد من المهام التي يجب إنجازها ومن المؤكد ان انهاء حالة الانقسام ستساعد بالتأكيد على ذلك. وسنستعرض البعض منها هنا. ان تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وكافة مؤسساتها في الداخل والخارج أصبح مطلبا ملحا ضمن الظروف التي نحياها الان. هذه المنظمة التي غيبت من قبل الأطراف المتنفذة على الساحة الفلسطينية، والتي استأثرت واحتكرت اتخاذ العديد من القرارات المصيرية ليس هذا وفقط، بل وقامت بالخروج على الاجماع الوطني للفصائل المنضوية تحت هذه المنظمة وخارجها، وخاصة فيما يتعلق بما يسمى بمفاوضات السلام، التي يوما بعد يوم تثبت الوقائع على الأرض انها لم تكن الا سرابا لهث البعض وراءه دون جدوى، وقام بتقديم التنازلات المجانية منذ أن بدأت باتفاقيات أوسلو المشؤومة في بداية التسعينات من القرن المنصرم، والتي حيكت فيه المفاوضات بشكل سري ومن وراء ظهر المنظمة التي من المفترض أن تكون الحاضنة والممثلة للشعب الفلسطيني بكل مكوناته الاجتماعية والسياسية بكل أماكن توجده، والتي من خلالها تقر القرارات المصيرية المرتبطة بالقضية الفلسطينية. ان ردود الفعل الاسرائيلية والأمريكية على التوقيع على اتفاق المصالحة بين فتح وحماس في غزة، يدلل بشكل واضح وفاضح الى أي مدى كانت هذه الأطراف تراهن على إبقاء الطرف الفلسطيني منقسما وضعيفا لتسهيل عملية ابتزازه للحصول على مزيد من التنازلات السياسية والأمنية. ليس هذا فحسب بل وتجيير حالة التشرذم والانقسام في الإبقاء على حالة من الارتخاء والوهن للحراك الشعبي المناهض للاحتلال الصهيوني بكافة اشكاله، حيث لم نعد نرى التحركات الشعبية الواسعة الزخمة التي كنا نعهدها منذ سنوات للتصدي للممارسات الصهيونية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وردود الفعل الإسرائيلية بدأت بالتصريح الناري الذي أطلقه وزير الجبهة الداخلية الإسرائيلية غلعاد أرادان الذي قال فيه بانه " ليس هناك ما نتحدث بشأنه مع أبو مازن، ولن نفرج عن "قتلة". واتبع هذا الموقف بمزيد من التصعيد حيث اتخذ مجلس الوزراء الاسرائيلي المصغر بوقف المفاوضات مع الجانب الفلسطيني المفاوض واتبعها باتخاذ عقوبات اقتصادية صارمة ومؤلمة مما يعكس حالة هستيرية واضحة. وبعدها هددت إسرائيل بعرقلة ومنع اجراء انتخابات المجلس التشربعي الفلسطيني في الضفة الغربية. اما الخارجية الامريكية فقد "عبرت عن خيبة أملها في الاتفاق وتعتقد ان ذلك قد يعقد جهد السلام بشكل خطير". وإذا كان الامر قد خيب آمال الأمريكي فمعناه أنه خير لنا، وندعو الله ان تخيب آمالهم بشكل مستمر، وأن تستمر الحالة الهستيرية الإسرائيلية لان بهذا فوائد جمة للشعب الفلسطيني ونضاله. الجميع يدرك ان "التنسيق" الأمني ما بين الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية والمخابرات الاسرائيلية لعبت دورا أساسيا في خفض منسوب مقاومة الاحتلال، وهي ما نعمت به إسرائيل لسنوات طويلة وما زالت للآن مع الأسف الشديد. فقوات الاحتلال وأجهزة الامن الإسرائيلية كانت وما زالت تسرح، وتمرح، وتقتحم وقتما تشاء في المكان والزمان المناطق التي من الناحية النظرية المفترض ان تكون تحت سلطة السلطة الفلسطينية، وتعتقل من تريد وتصفي جسديا من تريد دون ان تجد اية محاولة ولو مستكينة للاحتجاج ناهيك عن التصدي لمثل هذه المحاولات. وها هم قطعان المستوطنين يعيثون في الأرض فسادا يدمرون المحاصيل أو يقومون على سرقتها أو يقومون بتسليط الخنازير البرية عليها، ويقطعون الطرق ويعتدون على سكان القرى الآمنة. ان المصالحة والوفاق لا يعني الشيء الكثير ان لم يقطع دابر "التنسيق" الأمني. ويكفي ان نعي انه عندما هددت السلطة بالإنسحاب من المفاوضات كان التركيز من الطرف الأمريكي والاسرائيلي على انه إذا تم ذلك لفترة يجب أن لا يقف "التنسيق" الامني وهذا يدلل الى أي مدى تعير إسرائيل هذا الجانب من أهمية ومدى استفادتها من هكذا وضع. ان المرحلة المقبلة تتطلب اعادة النظر في مقاومة الاحتلال وعدم الارتهان فقط الى المقاومة السلمية وجعلها المقاومة الوحيدة كما يتبناها البعض كخيار استراتيجي، وكذلك الى ماهية المفاوضات فقد هرم الطاقم المفاوض وهو يفاوض ولم نحصل على شيء يذكر بالرغم من كل التنازلات الجمة التي قدمت من الطرف الفلسطيني. ويكفينا القول نريد ان نعرض وجهة نظرنا او نستمع ماذا لدى الطرف الأمريكي او الإسرائيلي. فصاحب الحق معروف والمعتدي والمحتل معروف والمعتدى عليه معروف، والقوانين الدولية وتعريفها لما هو الاحتلال وما هو شرعي وغير شرعي معروف ولذلك لا نريد ان نبقى في الدوامة والحلقة المفرغة التي ما زلنا ندور بها منذ أكثر من عشرون عاما وآن الأوان لوضع استراتيجية للمقاومة على جميع الجبهات دون استثناء. لقد تجنبت السلطة الانضمام الى العديد من المنظمات والمؤسسات الدولية مع أنها حق من احدى الحقوق الأساسية وخاصة بعد الاعتراف بفلسطين كدولة، ولم تقدم بعض الطلبات الا مؤخرا كردة فعل على التعنت الإسرائيلي في المفاوضات. نحن لا نريد أن تتصرف السلطة كردة فعل بل نريدها أن تتصرف بما يحق لنا، وأن تتصرف كدولة ولا تؤجل ذلك من أجل "مفاوضات" عقيمة مدمرة حتى ترضي إسرائيل والولايات المتحدة وبعض الأطراف العربية. الان هو الوقت الذي يجب أن تتوجه دولة فلسطين الى المحافل الدولية وتنضم الى المنظمات والمؤسسات الدولية الفاعلة والوازنة مثل محكمة الجنايات الدولية التي ترتعب إسرائيل بمجرد سماع اسمها لأنها تدرك ما سيترتب على ذلك من استحقاقات. يجب أن تستخدم مثل هذه المؤسسات كرافعة رئيسية وداعمة لنضال شعبنا ضد الاحتلال. كفانا خنوعا للشروط الامريكية والإسرائيلية، وإعطاء الوعود بعدم تقديم مزيد من طلبات الانضمام الى مزيد من المنظمات الدولية، وذلك حفاظا على استمرار "المفاوضات"، وخاصة وأن إسرائيل تبين يوما بعد يوم أنها غير معنية بالسلام ولا بإرجاع الأرض الى أصحابها. أما الولايات المتحدة فلم تكن يوما من الأيام وسيطا محايدا ونزيها، بل كانت وما زالت صهيونية حتى النخاع. ومن هنا يجب على القيادة الفلسطينية الاستفادة من الأوضاع العالمية والمتغيرات التي طرأت على الساحتين الدولية والإقليمية والاستعانة بالدول الداعمة للحق الفلسطيني ولنضال شعبنا، لمجابهة الصلف الإسرائيلي والانحياز الأمريكي، والدعوة الى عقد اجتماع دولي تحت رعاية الأمم المتحدة لحل القضية الفلسطينية. هنالك الكثيرون الممتعضين من عملية المصالحة التي تمت. ويزيد من امتعاضهم أنها تمت تحت رعاية منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا الامتعاض لا يقتصر على إسرائيل والولايات المتحدة، بل يشمل دول أخرى تلعب في الخفاء لغاية الان بالنسبة للقضية الفلسطينية مع انها كشرت عن انيابها في قضايا إقليمية أخرى. وكلنا امل ان نبقي على حالة الامتعاض وخيبة امل هذه الدول مجتمعة بشكل دائم ومستمر وذلك بالإبقاء على المصالحة ولكن ليس بالشكل والكلمات الرنانة بل بالفعل الوازن والمؤثر على الاحتلال وزبانيته.