2026-09-13 05:59 م

الجاسوس بولارد والمفاوضات

2014-04-05
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
تناقلت الكثير من وسائل الاعلام الامريكية ان الإدارة الامريكية تدرس إمكانية إطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي بولارد، وذلك في محاولة لدفع "المفاوضات" التي تعثرت من جديد. ولا بد أن نؤكد أولا هنا أن اطلاق الجاسوس من عدمه، هو شأن امريكي صرف ويجب عدم إدراجه وربطه بشكل أو بآخر بما يسمى زورا "بالمفاوضات" بين الجانب الفلسطيني والإسرائيلي فهي لم تكن يوما من الأيام سوى املاءات من الطرف الإسرائيلي وعند الفشل، يلجأ الاسرائيلي للطرف الأمريكي وعند تعثر المحاولات الامريكية يدخل المستعربين على الخط بهدوء ملوحين بدولارات البترول واقفال الحنفية إذا لم يقوم الطرف الفلسطيني بتليين مواقفه. بقينا على هذا المنوال أكثر من عشرون عاما منذ بدء سيء الصيت اوسلوا، دون ان يتعظ الطرف الفلسطيني الذي حدد موقفه من هذه المفاوضات بأنها الخيار الاستراتيجي وهو ماض فيها حتى النهاية حتى هرم من بدأها وترهل، وفقدنا مساحات من الأراضي التي احتلت عام 1967 تحت مظلة المفاوضات تفق عشرات المرات التي تم مصادرتها طيلة سنوات الاحتلال المباشر قبل البدء في المفاوضات، وهذا ما يدركه كل انسان متابع لما يجري على الأرض الفلسطينية. ونؤكد أيضا ان فقدان مساحات من الأرضي لم يقتصر على أراضي 1967، بل تعداها الى أراضي 1948، من عمليات تهويد الجليل ومصادرة أراضي النقب والمحاولات المستمرة للتهجير القسري لبدو النقب تحت حجج واهية بمشروع برافر العنصري للتطهير العرقي بامتياز، ومحاولات تدمير ارث التجمع العربي الفلسطيني في مدينة عكا وهكذا دواليك.. واليوم تعود إسرائيل لتحرف الأنظار كالعادة بأشياء جانبية حتى تلهي العالم وتحرف الأنظار عن جوهر القضية، الأرض والشعب الذي سلبت أرضه وهجر منها قسريا، فهي لم تكن في يوما من الأيام تسعى للسلام، بل سعت على الدوام لتحين الفرص المحلية والإقليمية والدولية لقضم مزيد من الأراضي وفرض حقائق جديدة على الأرض. واليوم تعود إسرائيل لتشغلنا في قضية إطلاق سراح بعض الاسرى الفلسطينيين، والكم والنوعية المسموح بها، ومتى وأين يطلق سراحهم، والشروط التعجيزية التي تضعها وخاصة الاعتراف بيهودية الكيان الغاصب والتي على الجانب الفلسطيني أن يقبل بها لتشريع اغتصاب الأرض وممارسة التهجير القسري لفلسطيني داخل الخط الأخضر لضمان النقاء العرقي للكيان الصهيوني، والا فلن يكون هنالك إطلاق سراح أحد. ومع كل عملية إطلاق سراح أسرى نجد في المقابل وبالتزامن، مزيد من العطاءات الحكومية لبناء وتوسيع المستوطنات السرطانية اليهودية في الأراضي التي احتلت عام 1967، ومزيد من مصادرة الأراضي ومزيد من التغيير في الواقع الجغرافي والديموغرافي لما تبقى من فلسطين التاريخية. وتقوم إسرائيل أيضا كعادتها بعملية ابتزاز للحليف الأمريكي بين الحين والأخر، وتؤلب على ادارته أعضاء الكونغرس المتصهينين. وتتغير وتتلون أساليب الابتزاز وماهيتها تبعا للظروف والاحتياجات الإسرائيلية. وهذه المرة تصر الدولة العنصرية على أن تطلق الإدارة الامريكية الجاسوس بولارد القابع في السجون الامريكية منذ ثمانينات القرن الماضي وذلك للتجسس لصالح إسرائيل وتمريره معلومات سرية للغاية والتي أضرت بالأمن القومي الأمريكي، وذلك في مقابل إطلاق سراح 15 أسيرا فلسطينيا من أراضي 1948 والسبب تحسين وضع نتانياهو الداخلي وارضاء لليمين في حكومته الذي يهدد بإسقاط الحومة بالانسحاب منها، فنتنياهو أصبح يساريا ما شاء الله ضمن الطيف السياسي في هذا الكيان العنصري من رأسه الى أخمص قدميه. والادارة الامريكية وخاصة وزير خارجيتها السيد كيري في وضع سيء وهو الذي استثمر الكثير من الوقت والجهد في سبيل إنجاح مهمته، وبالتالي فانه بحاجة ماسة ليبدي أن “عملية السلام” لم تمت وبأن الجانين ما زالا يتفاوضان. ولهذا فمن المحتمل أن تطلق الإدارة الامريكية سراح الجاسوس بولارد، لكي يتسنى للإدارة الامريكية العمل على تمديد "المفاوضات" تسعة أشهر أخرى لإعطاء المزيد من الوقت لإسرائيل للاستيلاء على مزيد من الأراضي وإتمام تهويد القدس بالكامل.. ولكن إطلاق سراح بولارد أم عدمه لن يؤخر ولن يقدم فيما يسمي زورا "بالمفاوضات"، التي وقفت كافة الفصائل الفلسطينية المنضوية تحت منظمة التحرير الفلسطينية (التي لم يتبقى منها سوى الاسم) وكذلك خارجها ضد احيائها. الا ان السلطة الفلسطينية لم تلتزم بهذا التوجه، وتراجعت حتى عن الشروط التي كانت أن وضعتها لاستئناف المفاوضات من وقف كامل للنشاطات الاستيطانية اليهودية على الأراضي التي احتلت عام 1967، وعلى أن الأسس التي يجب ان تقوم عليها هي إقامة الدولة الفلسطينية على أراضي 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وحل عادل متفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين. ومع وصول "المفاوضات" الى الطريق المسدود وإظهار عبثيتها مرة تلو الاخرى، ها نحن امام لائحة جديدة من المطالب والشروط الفلسطينية لاستئناف المفاوضات. وتتضمن هذه الشروط كما نشرت في بعض وسائل الاعلام الفلسطينية المقربة من السلطة (معا 03-04-2014)، تقديم رسالة مكتوبة من نتنياهو يعترف فيها بحدود فلسطين على أراضي عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والقيام باطلاق سراح 1200 أسير فلسطيني ممن وافق أولمرت على اطلاق سراحهم على أن يضاف اليهم مروان برغوثي واحمد سعادات وفؤاد الشوبكي، بالإضافة الى عودة مبعدي كنيسة المهد، إيقاف الاستيطان في القدس وغيرها وفتح مؤسسات القدس التي أغلقتها إسرائيل، بجانب السماح بلم شمل 15000 فلسطيني بمواطنة كاملة، وأخيرا عدم انتهاك دخول مناطق السلطة وتنفيذ الاعتقالات ومنح سيطرة للسلطة على مناطق "سي". ومما يجدر ذكره هنا ان السلطة قد أقدمت الى التوجه للانضمام الى 15 منظمة دولية. ونتساءل ما هو المقصود السماح بلم شمل 15000 فلسطيني بمواطنة كاملة وفيما إذا كان هذا هو مفهوم تطبيق حق العودة الذي اتفق مع أولمرت وكأن بقية اللاجئين الفلسطينيين قد ادلوا بأصواتهم وقرروا عدم العودة. ونتساءل أيضا ويحق فلسطيني ان يتساءل هل قررت السلطة الفلسطينية أخيرا التوجه الى منظمات الأمم المتحدة والى مجلس أمنها والى محكمة الجنايات الدولية؟ وهل هي جادة في ذلك أم انها مجرد تكتيك سينتهي قريبا وستعود الى الطاولة مجددا كما كنا سابقا؟ وهل ستوقف التعاون الأمني فعليا؟ إسرائيل تهدد وتعربد وتتوعد ويجدر على السلطة العمل على إيقاف التعاون الأمني الذي لم ينقطع على الاطلاق طيلة سنوات طويلة، مما أدى الى تمزيق النسيج الفلسطيني المقاوم بكل اشكاله وخلق الفرقة بين الفصائل الفلسطينية وساهم الى حد كبير في منع أو فرملة التحركات الشعبية الفاعلة والوازنة بحجمها وتأثيرها في مسار النضال الفلسطيني. الخيار الاستراتيجي يجب ان يكون خيار الشعب والمقاومة. ان الكيان الصهيوني يريد تمديد المفاوضات لكي يتسنى له اجراء مزيد من ضم الأراضي ومزيد من عمليات التهويد وخاصة في القدس، بالإضافة الى منع السلطة من التوجه الى المجتمع الدولي والاستفادة من قبول فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة. لقد آن الأوان لتقوم السلطة بتصحيح الخطأ الذي ارتكبته كما اعترف كبير المفاوضين الدكتور صائب عريقات بعدم التوجه الى المؤسسات الدولية، والقبول بهذا كشرط من الشروط الإسرائيلية والأمريكية طيلة فترة المفاوضات، بينما إسرائيل كانت تنسف كل ما اتفق عليه دون ان تتخذ السلطة الفلسطينية مواقف حازمة من الخروقات الإسرائيلية خوفا من ان تتهم بفشل المفاوضات. ان التعويل على شعبنا ومقاومته للاحتلال بكل الوسائل المتاحة له دون وضع وتحديد سقف للمقاومة المشروعة يستدعي أيضا وحدة الصف الفلسطيني وانهاء حالة الانقسام والتشرذم التي ما زال تأثيرها الكارثي ينعكس على الشارع الفلسطيني وحالة الإحتراب ، وعلى مقاومة الاحتلال، والرضوخ الى الابتزازات الإسرائيلية والأمريكية والأوروبية والعربية على حد سواء. من الخطأ ان نقول ان الحل بيد الإدارة الامريكية ونغيب بوعي او دون وعي أطراف دولية وإقليمية فاعلة ووازنة، وحان وقت كسر الاحتكار الأمريكي في تولي الملف الفلسطيني فالإدارة الامريكية لم تكن ولن تكون الا منحازة الى إسرائيل ومطالبها، والولايات المتحدة لم تعد تتحكم في الساحة الدولية وتفعل بها ما تشاء، لقد انتهى عهد القطب الواحد ويجب ان تستفيد السلطة الفلسطينية من الواقع الإقليمي والدولي الجديد وتجيير هذا لصالح القضية الفلسطينية.

الملفات