2026-09-13 09:53 م

مهد الارهاب ومصنعيه الأصليين (2)

2014-04-03
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
في هذا الجزء نستكمل المحاور التي عملت بها السعودية لنشر الفكر التكفيري الوهابي. 3. تقديم الدعم المادي والإعلامي والسياسي للمجموعات الإرهابية شكلت فترة الثمانينات نقلة نوعية في تصنيع الارهاب التي رعته السعودية، وذلك عندما قامت المخابرات المركزية الامريكية بالتعاون مع المخابرات السعودية ومخابرات الجيش الباكستاني في رعاية نشؤ ما سمي لاحقا بتنظيم القاعدة الذي ترأسه أسامة بن لادن السعودي الى حين اغتياله على الأراضي الباكستانية على ايدي فرقة خاصة من الجيش الأمريكي، كما روي حين ذاك. أسس بن لادن ما سمي "مكتب الخدمات" عام 1984 ، الذي قام بتجنيد الالاف من المجاهدين من الدول العربية، ومول قدومهم الى أفغانستان وتدريبهم على حرب العصابات. ولقد كان الممولين الأساسيين لهذا المكتب وعملياته المخابرات السعودية، والهلال الأحمر السعودي ورابطة العالم الإسلامي التي أسستها السعودية. وقامت الولايات المتحدة بتمويل "المجاهدين" في أفغانستان بالأسلحة الضرورية لقتال الجيش السوفياتي في أفغانستان، أما السعودية فقد قامت بدفع الفاتورة كاملة لذلك. وقدر عدد "المجاهدين" الذين حاربوا في أفغانستان آنذاك بين 175 الى 250 الف، وكان بينهم اعداد كبيرة نسبيا من الدول العربية والذين كان يطلق عليهم "العرب الأفغان". وكانت الكتيبة العربية تحت امرة بن لادن تتألف مما يقارب من 5000 سعودي، 3000 جزائري و 3000 يمني و 2000 مصري، بالإضافة الى اعداد أقل من دول أخرى مثل تونس والعراق والأردن. وبعد خروج القوات السوفياتية غادر بن لادن أفغانستان ولكنه عاد اليها عام 1996. وقد تم بناء القاعدة في أفغانستان وفي معسكراتها تدرب العديد ممن أصبحوا رسلا للقاعدة والفكر الوهابي في بلدانهم. وما نراه اليوم من تفرعات وأسماء مختلفة لمجموعات إرهابية ما هي الا تجليات بشكل أو بآخر للقاعدة بفكرها وثقافتها وايدولوجيتها والمرتكزة على الايدولوجية الوهابية، سواء خضعت للتنظيم العالمي ومركزه في أفغانستان بإعلانها الولاء للشيخ الظواهري ام انها تتصرف بشكل مستقل الى حد كبير في دولها. ولا شك ان تشتت وعودة الكثيرون من الأفغان العرب الى ديارهم أوجد بؤر وتنظيمات قاعدية محلية، او على مستوى الإقليم. فهنالك تنظيم القاعدة في الشمال الافريقي أو ما يسمى بالمغرب العربي وتنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وهكذا. والكثير من هذه التنظيمات تمول بشكل أو بآخر وبشكل مباشر او غير مباشر من السعودية. ولقد استغلت السعودية علاقاتها المميزة في بعض الأحيان مع هذه المجموعات الإرهابية لتجنيدها للقتال على الساحة السورية، حيث تم جلب العديد من الشيشان والافغان الى ساحة القتال في سوريا. بالإضافة فان كثير من عناصر القاعدة في المغرب العربي ذهبت للقتال الى هناك وبعضهم حاملا للخبرات التي اكتسبها اثناء التواجد في أفغانستان. ولقد وصل الدعم المالي السعودي للحركات الإرهابية في القوقاز وعلى الأخص "للمجاهدين" الشيشان بشكل مباشر وغير مباشر. فقد اشارت احدى الدراسات الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية الأمريكي (اكتوبر 2012) عن إيصال الملايين من الدولارات الى المجاهدين الشيشان عن طريق مكتب المؤسسة الخيرية العالمية السعودي في غروزني الذي كان يديره أبو سياف. وقد تبين لاحقا من الوثائق التي حصل عليها من هذه المكاتب علاقة هذه المؤسسة بالمجاهدين الشيشان وكذلك حزب التحرير الإسلامي في أفغانستان وأذربيجان. بالإضافة الى تلك كانت الاموال تصل عن طريق مؤسسة آل الحرمين السعودية التي كان من المفترض أن تكون مؤسسة خيرية تعنى بتقديم بالمعونات الإنسانية. والذي يبدو ان هذا ما يفسر الحديث الذي تسرب من الاجتماع الأول بين الأمير بندر بن سلطان الذي كان مسؤولا عن الملف السوري قبل ازاحته بدعوة مرضه، والرئيس بوتين في روسيا. فقد ذكرت وسائل الاعلام عندها أن من ضمن المغريات التي حاول الأمير تقديمها لبوتين في محاولة لثني روسيا عن دعم الدولة السورية والرئيس الدكتور بشار الأسد تحديدا، هو ضمان الامن للألعاب الأولمبية الشتوية المزمع اقامتها في روسيا من هجمات "المجاهدين" الشيشان نظرا للعلاقات الطيبة التي تتمتع بها السعودية وخاصة الأمير بندر بقياداتهم ( السفير اللبنانية 6 ديسمبر 2013). وذكر ان ذهاب البعض منهم للقتال في سوريا تم باستشارة السعودية. ومما يجب ذكره هنا أيضا أن عشرات الملايين كانت تذهب الى زعيم القاعدة أسامة بن لادن في أفغانستان سنويا، حتى بعد تجريده من الجنسية السعودية عام 1994 وذلك ضمن صفقة ابرمت مع الأمير تركي بن فيصل والذي كان يترأس جهاز المخابرات السعودي آنذاك، التي اشترطت ان لا تقوم عناصر من القاعدة بأي عملية إرهابية داخل أراضي المملكة او تقوم بتهديد أمن المملكة ( يو أس نيوز ديسمبر 2003). وهناك عدد كبير من المقالات التي نشرت في الصحف العالمية خاصة بعد احداث 11/9 حول ارتباط السعودية بتمويل عدد من المجموعات المرتبطة بالقاعدة. فقد أشار الصحفي الأمريكي سيمور هيرش المشهور بتحقيقاته ( نيو يوركر 22 أكتوبر 2001)، بان الأموال السعودية عملت على دعم أسامة بن لادن والقاعدة منذ 1996 الى جانب العديد من القوى المتطرفة في أفغانستان، ولبنان، واليمن، ودول آسيا الوسطى ومنطقة الخليج العربي. 4. بناء منظومة مناهج دراسية تعليمية وفكرية وثقافية داخل المملكة تولد الارهاب وتؤطره لقد استخلصت عدة دراسات أمريكية قامت بها مراكز بحثية بان المناهج التعليمية المتبعة في المملكة العربية السعودية لعبت وتلعب دورا على جانب كبير من الأهمية في نشر ثقافة العنف وعدم تقبل الاخر. ولقد قامت مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" الامريكية مؤخرا بنشر تقريرا بعنوان " دبلوماسية الكتب الدراسية: لماذا أخفت وزارة الخارجية الدراسة الخاصة عن التحريض في المواد التعليمية للسعودية" ( ديفيد اندرو وينبيرغ، مارس 2014). ولقد أوضح التقرير أن السبب الرئيسي في إخفاء البيانات التي توصلت اليها الدراسة المستفيضة التي أجراها المركز العالمي للديانة والدبلوماسية (2011-2012) للكتب الدراسية المقررة التي تصدرها الحكومة السعودية، يعود الى احتوائها على الكثير من "التعاليم الدينية المتشددة" التي من الممكن ان تحرج الإدارة الامريكية. هذه الإدارة التي تتشدق بالتصريحات المتكررة بأن دعم الحريات الدينية في العالم يشكل حجر زاوية أساسي في سياستها الخارجية، رأت ان نشر ما توصلت له الدراسة سيضع علامات استفهام كبيرة حول حليف رئيسي للولايات المتحدة في المنطقة، تعتمد عليه لتأمين الامدادات النفطية وأمن الكيان الصهيوني، بالإضافة الى وزن السعودية في العالم الإسلامي والتي من خلالها تستطيع أن تؤمن غطاء للسياسات الامريكية. والدراسة تبين أن الكتب المستخدمة في التعليم تحتوي على مواد " تحض على عدم تقبل الاخر أو التسامح معه، كما تحض على العنف بشكل يمكن ان يهدد الأقليات الدينية والعرقية". وبينت الدراسة وجود مواد " تقلل من إنسانية المسيحيين واليهود" باللإضافة الى التحريض على العنف واباحته تجاه المسلمين الذين لا يتبعون المذهب الوهابي وهو المذهب الإسلامي المتشدد الذي يقوم على تكفير الغير ويحلل العنف تجاهه الذي قد يصل الى قتله. وهذه المواد التعليمية والكتب الدراسية لا يقتصر وجودها وتأثيرها على الداخل السعودي بل يتعداه الى دول كثيرة حيث توزع هذه الكتب خارج المملكة وبالمجان للعديد من الدول لاستخدامها في التعاليم الدينية حول الاسلام في المدارس والمركز الإسلامية التي تشرف عليها السعودية، كما أشرنا سابقا وحتى ضمن الولايات المتحدة. وهذا ما أكدته صحيفة الديلي بيست الامريكية مؤخرا ( 25 مارس 2014). ولإعطاء مثال بسيط هنا حول توزيع الكتب فان مؤسسة الحرمين السعودية قامت بطباعة وتوزيع 13 مليون كتاب يختص بالإسلام وأطلقت 6 مواقع انترنت وقامت بتوظيف 3000 شخص ممن اعتنقوا الإسلام. وقد قامت بتوزيع 350000 رسالة دعوة لاعتناق الإسلام، هذا عدا عن بناء العديد من الجوامع والمدارس الدينية ومراكز الثقافة الإسلامية (مجلة فرونت بيج، يوليو 2003). بالإضافة الى ما ذكر هنا فان السعودية تعمل على إعطاء منح دراسية للطلاب الأجانب للالتحاق ببعض المدارس والكليات الدينية داخل المملكة لدراسة الدين الإسلامي والفقه وغيرها من المواد المرتبط بالدين. وهذه أيضا بؤرة من البؤر الخصبة التي تستخدمها السعودية لنشر المذهب الوهابي والتعاليم الدينية المتشددة. وتشير احدى الدراسات الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية الأمريكي (اكتوبر 2012) عن الدور الرئيسي الذي لعبه الدارسين من منطقة القوقاز للثقافة والتعاليم الدينية الإسلامية في الخارج، في نشر الفكر الوهابي السلفي في المنطقة. ولقد تزامنت دراستهم في الخارج بصعود الفكر الوهابي السلفي "الجهادي"، وتأسيس حركة المجاهدين في أفغانستان بدعم سعودي كما أسلفنا سابقا. وبعض الدارسين الذين لعبوا دورا هاما أمثال انزور استيميروف والشيخ سعيد أبو سعد بورياتسكي قد تلقوا دراستهم الدينية في السعودية في فترة التسعينات من القرن الماضي. والشيخ سعيد وهو الاسم الذي تبناه بعد اعتناقه للإسلام قد درس العربية في "مركز الفجر" الذي أنشأته ودعمته السعودية في موطنه الأصلي في احدى الجمهوريات الروسية، أما استيمروف فقد تتلمذ في احدى المدراس في القوقاز المدعومة من السعودية قبل التوجه اليها بمنحة لاستكمال دراساته الدينية. وطالما نحن نتحدث عن التعليم هنا فلا بد لنا أن نذكر السعودية قد قامت بدفع ملايين الدولارات للجامعات الغربية لإنشاء كليات او مركز أبحاث في الاسلام وخاصة بعد 11/9 في محاولة لتحسين صورتها عدما ان اتضح ان معظم المشاركين في التفجيرات كانوا سعوديون. وعل سبيل المثال فلقد قام الأمير الوليد بن طلال ال سعود وهو من أكبر اغنياء العالم بالتبرع بمبلغ 20 مليون دولار لكل من جامعة هارفرد وجورج تاون في أمريكا للقيام بتوسيع قسم الدراسات الإسلامية في كلا الجامعتين (اسلام ديلي 11 مارس 2006). كما قامت السعودية باستحداث مناصب بروفسر Chair في العديد من الجامعات لعمل أبحاث عن الإسلام وكان الغرض من كل هذا كما ذكرنا تحسين وجه السعودية في الغرب واظهارها بمظهر الدولة المعتدلة والمستقرة. واستحداث المنصب يعني أن السعودية تتكفل بدفع الرواتب والمصاريف المصاحبة للمنصب. وقد تم استحداث هذه المناصب في جامعة كاليفورنيا وسانت باربرا و SOAS في لندن . 5. استخدام شبكات التواصل الاجتماعي على الانترنت من قبل الدعاة السعوديين والعناصر الجهادية أتاح التقدم التكنولوجي والانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي العديدة مثل التويتر، فيس بوك، واليوتيوب وكذلك ايفون وايباد، فرصة غير مسبوقة للعديد من الدعاة ورجال الدين السعوديين من التواصل مع الداخل السعودي وكذلك مع القاعدة الاوسع ونعني هنا العالم الإسلامي. ولكل داعية متابعين ولقد استخدمت هذه الشبكات الاجتماعية لنشر الفكر الوهابي. وفي دراسة أشرفت عليها مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" (نشرت2012) والتي هدفت الى دراسة كيفية استخدام المؤسسة الدينية الوهابية المتمثلة بالدعاة السعوديين لمواقع التواصل الاجتماعي أقرت احدى نتائجها بان الدعاة المجازين من قبل المملكة وغير المجازين، يتحدثون عن الثقافة الغربية بازدراء، ويظهروا عدم احترام لحقوق المرأة، ويصرحون علانية وبدون حرج بالعداء للأقليات والأديان الأخرى وللمسلمين الذين لا يعتنقون المذهب الوهابي. ومنذ بدء الاحداث في سوريا بدأت خطابات التحريض المذهبي العلنية في خطب الجمعة في بعض المساجد في المدن السعودية وتكفير العلويين والشيعة والدعوات للذهاب الى سوريا للجهاد ضد الكفرة والمجوس والمرتدين وتم تجنيد العديد من الشباب السعودي وارسالهم الى الداخل السوري. كل هذا دون ان تحرك العائلة المالكة ساكنا وكانت الأمور تجري تحت أعين ومراقبة الأجهزة الأمنية والمخابرات السعودية. وقد أشارت احدى الدراسات التي نشرتها صحيفة المنار المقدسية ( 23-03-2014) بان السعودية احتلت المركز الأول بعدد المقاتلين الأجانب الذين يقاتلون في صفوف الجماعات الإرهابية، حيث وصل عددهم الى 19700. وفي مقال للكاتب البريطاني باتريك كوكبرن نشر مؤخرا في صحيفة الاندبندنت اللندنية ( 20 مارس 2014) أشار الكاتب الى استخدام مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الدعاة ورجال الدين السنة في عمليات تجنيد الشباب، وجمع التبرعات وتقديم الدم السياسي والإعلامي "للجهاديين". وأشار الى أن السعودية قامت بدعم قناتين تلفزيونيتين مصريتين هما الوصال والصفا وكلا المحطتين يبثون برامج تظهر عداء واضحا للشيعة. ويشير الكاتب كيف ان الانترنت سمحت "للجهاديين" بالتواصل مع مناصريهم الذين يدعمونهم ماليا وسياسيا حيث يقومون بنشر الفيديوهات والصور والأفلام التي يتم ارسالها لهم، وكيف ان ذلك لعب دورا هاما في تجنيد "الجهاديين" للذهاب الى سوريا للقتال الى جانب المجموعات الإرهابية. وفي معرض المقال يذكر بأن أحد الصحفيين الأجانب رأى أطفال سوريون في احدى المخيمات للاجئين على الأراضي التركية يراقبون فلم يدعي منتجيه انه يبين علويين يقطعون رؤوس سجناء من السنة باستخدام منشار كهربائي. ولكن الصحفي أدرك بان الفلم من المكسيك وهو يري أحد كبار رجال المخدرات وهو يقوم بقطع رؤوس بعض من منافسيه، وقام بتصوير هذا الفلم حتى يخيف الاخرين. وهذا يبين الى أي مدى تلفق الأمور حتى تثير النعرات الطائفية والمذهبية. في نهاية هذا المقال نريد أن نؤكد أنه يجب النظر الى الارهاب على أنه منظومة متكاملة من النواحي الأمنية والعسكرية والثقافية والايدولوجية وانه نتاج فكر متطرف يقوم على اقصاء وإلغاء الغير وعدم القبول به وتكفيره ومن هنا تتأتى خطورة الفكر الوهابي التكفيري الذي تتبناه المجموعات الإرهابية. وبناء على ذلك فان مقاومة الارهاب والتصدي له تستدعي بالضرورة تجفيف منابعه الفكرية والاليات التي تقوم على نشر هذا الفكر التكفيري الإرهابي، بالإضافة الى تجفيف مصادر تمويله والذهاب الى المصنع الرئيسي للإرهاب وإيقافه. نعم ان الناحية الأمنية والتعاون الأمني بين الدول على المستويين الإقليمي والدولي مهم ويجب التصدي للإرهابيين عسكريا والقضاء عليهم. ولكن يجب أن ندرك انه حتى لو تم القضاء على آخر إرهابي من القاعدة أو غيرها، فان بقاء الفكر التكفيري سيعود وينتج إرهابيين جدد وما هي الا سنوات لنعود لتحدي جديد وجولة أخرى مع الارهاب المتجدد. ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه هنا وربما بإلحاح أكثر من أي وقت مضى ما هي جدية الدعوات التي يطلقها الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص حول محاربة الارهاب وتجفيف مصادره؟ لقد سمعنا هذه الدعوات سابقا ولكنها للأسف استخدمت لاحتلال بلدان وتدميرها بالكامل ونشر الارهاب على أراضيها لتمزيقها من الداخل.

الملفات