2026-09-13 09:00 م

مهد الارهاب ومصنعيه الأصليين (1)

2014-04-01
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
مع تزايد وتراكم الانتصارات التي يحققها الثالوث المقدس المتمثل بالشعب والجيش والقيادة السياسية والعسكرية في سوريا مدعوما وعلى كافة الأصعدة بأصدقائه وحلفائه الاوفياء وعلى الاخص من حزب الله وإيران وروسيا، وخاصة بعد القصير والقلمون وقلعة حمص، بدأ العديد من العناصر الإرهابية الأجنبية بالفرار والعودة الى الأوطان التي قدموا منها. ولا بد لنا ان نذكر هنا ان الاقتتال الداخلي الشرس ما بين المجموعات الإرهابية قد أدى الى حالة احباط شديدة وتدني معنوياتهم وهذا لعب عاملا إضافيا لاتخاذ القرار بترك الساحة السورية. ومن هنا نرى أن وتيرة الخوف من هذا الارهاب المهجر الى جحوره بدأ يقلق وبشكل جدي وملموس الأجهزة الأمنية لتلك الدول وبات هذا الموضوع يشكل هاجسا يقض مضاجع هذه الأجهزة الأمنية والقادة السياسيين لهذه الدول، على حد سواء. ,كانت كل من المخابرات الألمانية والفرنسية والأمريكية قد أبدت قلقا في الفترة الأخيرة من تحول الساحة السورية الى بؤرة لتدريب وتصدير الإرهابيين الى الدول الغربية بعد اكتسابهم الخبرات العملية اللازمة للقيام بتفجيرات على غرار التفجيرات التي شهدتها مدريد 11 مارس عام 2004 في محطات القطارات والتي أدت الى مقتل 191 وجرح العديد وقتئذ. ولم يقتصر الخوف على الدول الغربية التي ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في تشجيع إيصال الارهاب الى الأرض السورية، بل تعداها الى الدولة المصنعة والمصدرة والمجندة والممولة لهم بالمال والسلاح والعتاد الازم، والتي على ما يبدو فقدت السيطرة عليهم، فكان ان قامت السعودية بإصدار التوجيهات والبيانات الملكية في محاولة للتقليل من الارتدادات السلبية على المملكة من الناحية الأمنية من جانب وخاصة مع ظهور يوتيوب تحذر به دولة الإسلام في العراق والشام أنها آتية الى السعودية قريبا، وكذلك مواد على الانترنيت تنتقد سياسة السعودية، بالإضافة فهذه البيانات هي محاولة لتبيض وجهها القبيح ودرء اية مسؤولية قانونية أو أخلاقية أو سياسية لرعايتها للإرهاب ليس على المستوى الإقليمي فقط بل والعالمي أيضا. وما يجب أن نؤكده أيضا هنا أن هذه التوجهات للحرب على الارهاب والقبض على الإرهابيين ينطبق فقط على الداخل السعودي، وقد تستخدمه الأجهزة الأمنية أيضا للزج بالمعارضين بالسجون دون محاكمة تحت طائلة الإرهاب، باعتبار أن اية معارضة لولي الامر تدخل ضمن زعزعة الامن القومي. لقد أشارت العديد من الأبحاث ومقالات المتخصصين بالدور الذي تلعبه الدول الخليجية مثل السعودية وقطر والامارات والكويت في تمويل المنظمات الارهابية الإقليمية منها والدولية، ولكنها في معظمها أشارت الى الدور الكبير والمميز للسعودية في هذا المجال. وعلى سبيل بعض الأمثلة غير الحصرية نذكر هنا الدراسة التي نشرتها مؤسسة Council on Foreign Relations (أكتوبر 2002) ذكرت ضمن تقريرها الذي يصف الطبيعة المعقدة للشبكة المالية التي تمول وتغذي تنظيم القاعدة بأنه " لسنوات عديدة شكل أفراد سعوديين ومؤسسات خيرية سعودية عاملة في السعودية أهم مصادر التمويل للقاعدة، ولسنوات عدة أغمض المسؤولين السعوديين الطرف عن هذه المسألة". أما وزيرة الخارجية السابقة هيلري كلينتون فقد ذكرت في مذكرة سرية بأن المتبرعين في المملكة ما زالوا " يشكلون أهم مصدر لدعم المجموعات الإرهابية السنية في العالم" وأن " عملية اقناع المسؤولين السعوديين بالتعامل مع تمويل الإرهابيين من اطراف في العربية السعودية شكل تحديا لنا" ( صحيفة الاندبندنت اللندنية 10 ديسمبر 2010). وقد أشارت دراسة حديثة صدرت مؤخرا عن المديرية العامة للسياسات الخارجية في البرلمان الأوروبي بعنوان " تورط السلفية/الوهابية في الدعم والامداد بالأسلحة لمجموعات ثوار في أنحاء العالم" ، بأن " العربية السعودية شكلت المصدر الرئيسي في تمويل المنظمات الإرهابية منذ الثمانينات1980s ". واضافة الدراسة بأن السعودية العربية قد أعطت 10 مليار دولار لخدمة الاجندة الوهابية وتنبأت الدراسة "بأن اعداد المقاتلين الجهاديين" سيزداد (الاندبندنت اللندنية 20 مارس 2014). أما برنار سكاوارسيني الذي ترأس الإدارة المركزية للاستخبارات الفرنسية الداخلية، فقد أورد في كتابه " الاستخبارات الفرنسية : الرهانات الجديدة"، الذي تحدث في جانب منه عن الارهاب وضلوع قطر والسعودية " المنظمات الإرهابية "نحن نعلم منذ 20 عاماً أن مصارف سعودية ومصرية وكويتية مولت الجماعات الإسلامية في مصر والجزائر. وكانت حقائب الأوراق النقدية تمر بجنيف وميلان عبر منظمات غير حكومية إنسانية وشركات تجارية وهمية. ولكننا نشهد اليوم إعادة تشكيل شبكات التمويل بشكل أكثر تعقيداً وكمالاً. البعض منها يأتي من السعودية والبعض الآخر من قطر الأكثر حماساً. وقد تحولت قطر إلى معلمة كبيرة في أساليب الهندسة المالية العالمية التي تمر عبر صناديق مالية أو استثمارات، لكنها تصب كلها في النهاية في خدمة شبكات من الجمعيات التي تتصل بجماعات مسلحة" (9 ديسمبر 2013 السفير اللبنانية). يبقى جوهر المشكلة مع الارهاب بكافة تفرعاته وتسمياته بدء من تنظيم القاعدة الذي أسسه بن لادن السعودي في أفغانستان لمحاربة القوات السوفياتية في الثمانينات، مرورا "بجبهة النصرة" ودولة الإسلام في العراق والشام" و "الجبهة الإسلامية" "وأنصار بيت المقدس" وغيرها من الأسماء، انها بمجملها تتبنى الفكر الوهابي التكفيري، والذي أصبح يشكل المنهل الفكري والثقافي والايديولوجي والعملاني لهذه الجوقة من المجموعات الإرهابية. والوهابية، هي مذهب من مذاهب الإسلام الذي نشأ في القرن الثامن عشر في شبه الجزيرة العربية والمستند الى فكر ابن تيمية ومؤسسه الشيخ محمد ابن عبد الوهاب. وتعتبر الحركة الوهابية بأنها الدين الحق ومذهب السنة الصحيح ومنهج التوحيد السليم، ومن يخالفها من المسلمين يعتبروا اهل بدعة وضلالة وهم في النار، وإذا لم يتوبوا يعتبروا من الكفار الذين يجب محاربتهم وقتلهم. ليس هذا فحسب، فالوهابيون، الذين لا يقبلون بالغير يرون في القيام في التصفية الجسدية لهذا الغير نوع من أنواع النشوة والواجب الديني وخير طريقة للاقتراب من الله عز وجل للنيل بحوريات الجنة. وتتجلى الترجمة العملية لهذه الأفكار الاقصائية والدموية والتكفيرية بطبيعتها وتحليلها دم الاخرين للذين ليسوا على مذهبهم، تتجلى فيما ارتكبته وترتكبه هذه المجموعات الإرهابية التكفيرية الوهابية في الساحة السورية. حيث قامت بهدم الجوامع والكنائس وقطعت رؤوس البشر ومثلت بالجثث ونبشت قبور الصحابة والاولياء وقتلت رجال الدين المسلمين والمسيحيين، وكل هذا باسم الدين والتكبير باسم الله عز وجل عند القيام بهذه العمليات الاجرامية. وهذا بالضبط ما فعلته الحركة الوهابية وآل سعود عندما توحدت البدعة الوهابية مع السيف والة القتل "الجهاد" في شبه الجزيرة العربية، عندما أعلنت "الجهاد" وقامت بالقتل والتنكيل بالقبائل التي كانت تقطن البلاد المترامية الأطراف التي لم تعتنق هذا المذهب، واقامت مملكة القهر والاستبداد التي سميت بالمملكة العربية السعودية عام 1932. ولسنا هنا بصدد عرض تاريخي للأحداث، لان ليس هذا هو غرضنا هنا، ولكن كان لزاما علينا تبيان الخلفية الفكرية للوهابية وتحالفها العضوي مع آل سعود. ولقد قامت المملكة على تأسيس منظومة تربوية وتعليمية وفكرية وثقافية واجتماعية متكاملة للإبقاء على هذا الفكر الوهابي وزرعه في الأجيال جيلا بعد جيل من السعوديين وتعميق الهوة بين المذاهب الاسلامية المختلفة والإبقاء على التناقضات وحالة الشحن المذهبي والطائفي وتكفير الغير من المسلمين بالإضافة الى معتنقي المسيحية واليهودية، وذلك لتأبيد هيمنة آل سعود على مقدرات البلاد وخاصة بعد اكتشاف البترول، واعطائهم نوع من الشرعية والمكانة في العالم الإسلامي التي تؤهلهم لتسلم قيادة المسلمين السنة، نظرا لتواجد الاماكن الدينية الهامة للعالم الإسلامي على الأراضي السعودية. ولقد استغلت السعودية الأموال الطائلة من عائدات النفط في نشر وتصدير الفكر الوهابي في الدول الإسلامية على نطاق العالم. وكان أن تحرك آل سعود على عدة محاور لنشر هذا الفكر التكفيري والهيمنة من خلاله على العالم الإسلامي وتبوء مركز قيادي موثر وفاعل ووازن في هذا الإطار، وكان لانتشار هذا الفكر أثر كبير في تهيئة الأرضية الفكرية والثقافية والنفسية والايدولوجية للعديد من "الجهاديين السلفيين". اما بالنسبة للمحاور التي تبنتها السعودية لنشر المذهب الوهابي فيمكن اجمال اهمها بما يلي: 1. العمل على انشاء منظمات ومؤسسات على المستوى العالمي مرتبطة بالسعودية في عام 1962 أنشأ فيصل بن سعود والذي أصبح ملكا للسعودية عام 1964 رابطة العالم الإسلامي بهدف تسهيل نشر الوهابية على المستوى العالمي ومناهضة المذاهب الشيعية والصوفية وغيرها من المذاهب الإسلامية التي اعتبرتها الوهابية أنها مذاهب كفر. ولقد لعبت الرابطة دورا مهما في نشر الرسالة الوهابية ودعم القاعدة في أفغانستان في الثمانينات من القرن الماضي فقد عمل رئيسها السعودي المفتي الكبير عبد العزيز بن باز على حث الدول والمنظمات الإسلامية على دعم المجاهدين في أفغانستان وفي أي مكان في العالم معتبرا أن هذا واجب على الدول والمنظمات. وسرعان ما ظهرت عدة مؤسسات ومنظمات ضمن إطار هذه الرابطة، حيث تأسس "التجمع العالمي للشباب المسلم" عام 1972 وهو أكبر منظمة طلابية إسلامية على مستوى العالم، يعنى بتربية الشباب المسلم تربية إسلامية على الطريقة الوهابية. واستخدمت ادبيات وكتابات اقطاب مفكري الاخوان المسلمين أمثال سيد قطب ومولانا أبو العلاء مودودي مؤسس الحزب السياسي "الجماعة الإسلامية" المعروف بتطرفه الديني والفكري وارتباطه بالقاعدة في أفغانستان. ويقوم التجمع بتقديم برامج عديدة تشمل المخيمات الصيفية والرحلات للشباب المسلم الى جانب إقامة الفعاليات والمؤتمرات السنوية التي تستمر لعدة أيام في المدن الكبرى في الدول الغربية، ويتم دعوة كبار المفكرين والدعاة الإسلاميين من كل أنحاء العالم وبتمويل سعودي شبه كامل لمثل هذه الفعاليات حيث ترى فيها السعودية المنابر المناسبة لتمرير الفكر الوهابي وتجنيد الدعاة لهذا الفكر التكفيري. كما أن هذا التجمع يقوم بإصدار كتيبات ومعلومات حول معتقدات الإسلام وهذه عادة ما توزع مجانا. وقد خضعت هذه المؤسسة للتحقيقات لارتباطاتها المالية بالسعودية كما تبين من حجم الدعم المالي لها وكذلك لارتباطها بعائلة بن لادن، مما أثار كثير من الشبهات حولها. وقد أغلقت الولايات المتحدة المكاتب التابعة للتجمع. بالإضافة الى ذلك تأسست هيئة الإغاثة الإسلامية الدولية عام 1979، ومؤسسة آل الحرمين في مطلع التسعينات من القرن الماضي للإغاثة والمساعدات الإنسانية. 2. انشاء المؤسسات التعليمية ودور العبادة قامت السعودية ببناء المساجد والمؤسسات التعليمية التي اشتملت على مراكز للدراسات الإسلامية، الى جانب المعاهد والمدارس التي تدرس القرآن في الدول الأوروبية والاسيوية والافريقية. وبحسب دراسة أجرتها مؤسسة هدسن الامريكية (مارس، 2011)، فان السعودية قد انفقت 80 بليون دولار في الفترة الواقعة ما بين عام 1973 – 2002. وقد تمكنت السعودية بهذا من انشاء شبكة من المؤسسات الوهابية اشتملت على بناء 1500 مسجد، 150 مركز إسلامي، 202 معهد إسلامي و 2000 مدرسة إسلامية في دول غير اسلامية. وقد اشارت دراسة أخرى ان السعودية قامت ببناء ما يقرب من 10000 مدرسة دينية تدار من قبل الجماعة الديوبندية (وهي حركة إسلامية متشددة وقريبة من المذهب الوهابي) في الهند وباكستان وبنغلادش عام 2000 ( ناشيونال ريفيو، أكتوبر 2002). وتشير نفس الدراسة الى استهداف دول أخرى يتواجد فيها نسبة عالية من المسلمين لهذا التمدد الوهابي حيث قامت السعودية بصرف 600 مليون دولار في البانيا، وكوسفو وبوسنيا، وان ما يقرب من 80% من المؤسسات الإسلامية في أمريكا وكندا تحت الرعاية السعودية. ويجدر الإشارة هنا أن السعودية تتكفل بكل مصاريف القائمين على إدارة العديد من هذه المؤسسات التعليمية او دور العبادة وهي التي ترسل وتعين الخطباء للمساجد الى جانب الأساتذة لتعليم القران والمبادئ والتعاليم الإسلامية مما يتيح لها نشر الفكر الوهابي، والتأثير على العقول ونشر الأفكار المتشددة والمنغلقة على الغير. وربما يفسر هذا جانبا من اندفاع العديد من الشبان من الأصول العربية أو الذين اعتنقوا الإسلام في الدول الغربية مثل فرنسا أو المانيا وغيرها الى الذهاب "للجهاد" في سوريا بعد ان غسلت عقولهم واشبعت بالحقد المذهبي وتكفير الغير، وكان ان استمع العديد منهم بأنهم ذاهبون للدفاع عن أهل السنة الذين يقتلون على أيدي العلويين والشيعة وذلك في خطب أئمة المساجد التي يترددون عليها. وكل هذا لم يكن ليتم لولا الشحن المذهبي والطائفي الذي استمر لسنوات طويلة في المؤسسات التعليمية والتربوية والدينية التي اقامتها وادارتها السعودية. ولا شك ان كثيرا من أجهزة الاستخبارات الغربية بدأت تتابع عن كثب ما يجري في المدارس الإسلامية والمناهج الذي تدرس. ليس هذا فحسب بل ان العديد منها أصبح يتابع خطبة يوم الجمعة في العديد من المساجد، وخاصة في تلك التي في الأماكن الشعبية التي يقطنها العديد من الجاليات الإسلامية، حيث تشكل حالة البطالة المتزايدة والتعرض للتمييز العنصري بالإضافة الى الفقر في ظل أوضاع اقتصادية متردية، تربة خصبة للتطرف وتجنيد "المجاهدين" وارسالهم لساحات القتال هنا وهناك. ولقد شكلت المدارس الدينية التي اقامتها السعودية في الباكستان في بداية الثمانينات والتي تزامنت مع دخول القوات السوفياتية الى أفغانستان، البؤرة الخصبة لتجنيد عناصر للقاعدة والانتحاريين وبناء جيل من المقاتلين "الجهاديين" الإسلاميين الجدد ( كومنتيري ابريل 2003).
يتبع.. 

الملفات