من الواضح أن السعودية عازمة على المضي قدما في التصعيد مع قطر وفرض المزيد من عزلتها على الساحة الخليجية، والواضح ايضا أن الوساطة الكويتية لتضيق الهوة بين الدولتين قد باءت بالفشل الذريع نتيجة تشبث كل منهما بمواقفه، والدخول في مرحلة كسر العظام وخروج منتصر ومهزوم في هذه المناطحة. من المؤكد أن السعودية بخبرتها وعلاقاتها الاقليمية والدولية ستجد نفسها في موقع أقوى من قطر، ولكن الوقائع تشير الى أن كل منهما يمتلك الادوات والامكانيات لإيذاء الاخر، وخاصة في مجال زعزعة الاستقرار الداخلي من خلال عمليات ارهابية وكلاهما له باع طويل في هذا المجال كما أثبتت الاحداث على الساحة السورية، حيث شارك كل منهما على حدة في تجنيد وتجميع وتدريب وتسليح الارهابيون من المنطقة أو من بؤر مختلفة من العالم، وارسالهم الى الداخل السوري لمحاربة الدولة السورية على أمل تدميرها. والعديد من هؤلاء تم تجنيدهم من الدول الخليجية، وهؤلاء يمكن تشغيلهم على الساحة الخليجية.
ان التصعيد السعودي ضد قطر الاعلامي منه والسياسي وامكانية الذهاب الى أبعد من ذلك حيث تهدد السعودية بمحاصرة قطر جوا وبحرا وبرا وبالتالي فرض عقوبات اقتصادية عليها تأتي ضمن منظومة متكاملة تسعى السعودية من وراءها لتحقيق عدة اهداف وتوجيه عدة رسائل محلية واقليمية ودولية.
أما على الوضع المحلي ونقصد هنا الخليجي بالتحديد، حيث أن السعودية تعتبر نفسها انها الاب الروحي للدول والامارات الخليجية، الذي يجب أن يطاع ومن الكفر ان تخرج أية دولة من دوله من تحت المظلة والعباءة السعودية، وفي حالة تجرؤ اية دولة لفعل ذلك فان مصيرها العزلة لتصبح منبوذة من محيطها، ومن غير المستبعد أن يطاح بمن عصا ولي الامر من السلطة بانقلاب داخلي ضمن العائلة الحاكمة في هذا البلد. وما زلنا نستذكر عربدة السعودية والغضب الذي ابداه ولي الامر السعودي من السلطان قابوس حاكم سلطنة عمان، والتهديد بقطع المعونة التي يقدمها مجلس التعاون الخليجي لبلاده، عندما رفضت عمان من خلال وزير خارجيتها الإقتراح المقدم من السعودية بشأن الوحدة بين دول مجلس التعاون الخليجي. وكانت السعودية قبل ذلك قد أبدت امتعاضها من سلطنة عمان لاستضافتها المباحثات السرية بين الجانب الايراني والامريكي والذي افضى في نهاية الامر بتوقيع الاتفاقية بين إيران والدول الكبرى بشأن برنامجها النووي الذي أفقد السعودية صوابها، ولم تغفر لعمان حفظها لسرية المباحثات وعدم ابلاغها بذلك. السعودية تريد من تعاملها القاسي مع قطر ان تجعلها درسا لأي دولة خليجية قد تفكر في أن تحذو حذو قطر، وهي محاولة مستميتة من قبل السعودية لإبقاء نفوذها وسيطرتها على مجلس التعاون الخليجي واستخدام هذا النفوذ كرافعة سياسية إقليمية ودولية لها، واسترجاع جزء مما فقدته من وزنها وخاصة بعد الانفتاح الغربي والامريكي على إيران، والذي مهد لعودة إيران على الساحة الإقليمية والدولية بثقل فاعل ووازن وطرف أساسي يجب أن تؤخذ مصالحه بعين الاعتبار في الملفات الإقليمية.
أما على الساحة الإقليمية فان السعودية تسعى من خلال هذا ضرب طوق من العزلة على قطر وتحجيم دورها والنفوذ الذي بنته في الساحة العربية من خلال جامعة الدول العربية التي أصبحت مطية لنفوذ وسياسات الدول الخليجية وارتباطها بالأجندات الامريكية وتحويلها الى أداة طيعة لهذه الاجندات الإقليمية كما اثبتت الاحداث في ليبيا وسوريا على الأقل. لقد تمدد النفوذ القطري في الإقليم، مستغلة قدراتها المادية الضخمة واعطائها هامش من المناورة السياسية من قبل الإدارة الامريكية على حساب السعودية، وخاصة في إطار دعم تنظيم الاخوان المسلمين في المنطقة العربية التي راهنت عليه الإدارة الامريكية بتشجيع ودعم تركي، لكي يشكل قيادة سياسية في المنطقة، بعد تعهد قياداته بالمحافظة على أمن إسرائيل وعدم التعرض لها وكذلك الحفاظ على المصالح الغربية وعلى رأسها المصالح الامريكية. ونشأ الحلف القطري التركي الذي بدأ يتدخل بشكل سافر ووقح وخبيث في الشؤون الداخلية للدول العربية دول الربيع العربي ومنها دولة مركزية ومحورية أي مصر. والسعودية رأت وما زالت ترى أن هذا الحلف بين تركيا وقطر يشكل تهديدا واضحا لدورها الإقليمي وسياساتها الخارجية. ولذلك تسعى السعودية لتطويق الفعل القطري في المنطقة من خلال عزلها عربيا سواء في الجامعة العربية أو من خلال علاقات ثنائية هنا وهناك، وخاصة مع مصر، حيث تقوم السعودية بتقديم الدعم الإعلامي والسياسي والمالي لمصر وحكومتها بعد انهاء سيطرة تنظيم الاخوان المسلمين عن الحكم هناك. واصبح البعض يتحدث عن إقامة تحالف ثلاثي استراتيجي بين مصر والسعودية ودولة الامارات العربية للتصدي للحلف القائم بين قطر وتركيا وتنظيم الاخوان المسلمين، وقد كنا قد المحنا الى هذا في مقال سابق تناول دلالات المناورات العسكرية المشتركة بين الامارات ومصر ( المنار المقدسية 15-3-2014).
أما على الساحة الدولية فالسعودية تريد ان ترسل رسالة واضحة للدول الغربية وخاصة للإدارة الامريكية بأن بوابة الخليج تمر من الرياض ولا يوجد بوابة أخرى لهذه المنطقة الحيوية والاستراتيجية للولايات المتحدة لكونها تحتوي على مخزون هائل جدا من الغاز الطبيعي والبترول في باطن أراضيها. ومن السذاجة بمكان بأن نعتبر ان الأهمية الجيوسياسية والاستراتيجية لهذه المنطقة قد تدنى بسبب استغلال الغاز الصخري في أمريكا وان أمريكا أصبحت مصدرة لهذه المادة الاستراتيجية، كما يتردد على لسان بعض المحللين الذين يضخمون من هذا الامر. وتكتسب الخطوات التي اتخذتها السعودية ضد قطر أهمية من حيث التوقيت، اذ أنها تأتي قبل الزيارة المتوقعة للرئيس أوباما للسعودية. فالسعودية تريد أن تبين للراعي الأمريكي عدم رضاها عن السياسات الامريكية الأخيرة في المنطقة وخاصة بما يتعلق بالأزمة السورية وإيران، بالإضافة الى إعطاء قطر أهمية على حساب السعودية. ويبقى أن نرى كيف سيكون الموقف الأمريكي التي لديها أكبر قاعدة جوية في المنطقة على الأراضي القطرية في العديد. ومما لا شك فيه أن الرئيس أوباما سيحاول أن يقلل من الخلافات بين السعودية وقطر وذلك خوفا من تداعيات هذا الخلاف وذلك بخلق نوع من عدم الاستقرار في منطقة الخليج ذات الأهمية الاستراتيجية للولايات المتحدة. وفيما إذا فشلت الجهود الامريكية لتقريب وجهات النظر فإنها على الأقل ستضع ضغوطا على السعودية لمنع تدهور الحالة أكثر مما هي عليه الان، وخاصة وان قطر لم تتخذ خطوة مماثلة للرد على سحب سفراء السعودية والبحرين والامارات من قطر، بمعنى أن قطر لا تنوي على تصعيد الموقف على الأقل في الفترة الحالية. وما هو مؤكد أن الولايات المتحدة لا يمكنها الاستغناء عن قطر، بغض النظر عن ما هي المواقف السعودية. فهي أولا لا تستطيع أن تتخلى عن قاعدتها الجوية في قطر، بالإضافة الى تخوفها من أن قطر ربما تجد في التعامل مع إيران نوع من رد الاعتبار والانتقام من السعودية وفك عزلتها الخليجية. وهذا قد يدخل عاملا إضافيا لمزيد من التصعيد والتصدع في مجلس التعاون الخليجي وهو ما تريد ان تتوخاه الولايات المتحدة. ليس هذا فحسب فان التقارب القطري الإيراني قد يفضي الى تحسين وضع حماس في القطاع أو وضع المقاومة الفلسطينية بشكل عام في قطاع غزة وهو ما تسعى الإدارة الامريكية على تقويضه واضعافه وتطويقه، لضمان أمن الكيان الصهيوني.
قد يكون من الصعب التكهن بما ستؤول اليه الأحوال بين السعودية وقطر وبالتالي تداعيات هذا الخلاف فكلاهما يتصرف بعقلية ثأر قبلية والتي في كثير من الأحيان لا تخضع للمنطق. ويبقى علينا ان ننتظر قليلا لنرى ما هو المنحى الذي سيأخذه هذا التباين والمناطحة بينهما.
السعودية مواقف متشنجة ورسائل محلية وإقليمية ودولية
2014-03-19
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
