2026-09-13 09:52 م

دلالات المناورات العسكرية المشتركة بين الامارات ومصر

2014-03-15
بقلم:بهيج سكاكيني
المناورات العسكرية المشتركة "زايد 1" بين قطاعات من قوات الجيش المصري والجيش الاماراتي في الخليج العربي والتي حضرها مؤخرا وزير الدفاع المشير عبد الفتاح السيسي، وهي الأولى من نوعها، تكتسب أهمية ودلالات كثيرة من حيث أهدافها المعلنة، كما من حيث تنوعها والمدة التي استغرقتها الى جانب التوقيت التي أجريت به هذه المناورات، وكذلك التصريحات الرسمية حولها وما ذكره بعض المحللين أو مراكز الدراسات والأبحاث المهتمين بالأوضاع في منطقة الخليج العربي. أما من حيث الأهداف المعلنة فقد أوردت العديد من الصحف بان المناورات المشتركة تهدف الى تعزيز العلاقات والروابط العسكرية بين البلدين ورفع جهوزية الجيشين للتصدي لأي عدوان محتمل، وكذلك للحفاظ على الأمن القومي لدولة الامارات ومصر. أما من حيث تنوعها فلقد اشتملت المناورات على منظومة متكاملة للقطاعات البرية والبحرية والجوية والتنسيق فيما بينها في عمليات دفاعية وهجومية وبالذخيرة الحية والتخطيط الميداني وذلك لرفع القدرات القتالية والجهوزية للتصدي لأي عدوان وهمي محتمل. ان حجم هذه المناورات من حيث الكيف والكم واستمرارها لمدة أسبوعين تبين أنها ليست مجرد تدريبات مشتركة عادية أو روتينية، وهذا ما يمكن استخلاصه من التصريحات التي أدلى بها الفريق صدقي صبحي رئيس اركان الجيش المصري بأن الامن القومي لمصر مرتبط ارتباطا وثيقا بأمن الامارات. ولا يحتاج المرء الى شهادة في العلاقات الدولية أو الاستراتيجية والبحث لكي يستخلص أن هذه المناورات هي رسالة ردع قوية موجهة الى إيران (وكأن طهران تهدد لغزو الامارات)، وكذلك لما يمكن أن تتعرض له دولة الامارات لاحقا لأية اخطار من تنظيم الاخوان المسلمين، في ظل الأوضاع التطورات الأخيرة والأوضاع القائمة في الخليج التي اعتبرت بها السعودية أن تنظيم الاخوان المسلمين تنظيما إرهابيا. أما زمنيا فان المناورات تأتي لتعكس جانب من جوانب إعادة صياغة التحالفات وحالة التموضع نتيجة الاحداث التي عصفت بالمنطقة وخاصة منذ زمن ما سمي خطأ "بالربيع العربي" وما تلاه من أحداث على مستوى الإقليمي والعالمي، والعدوان الكوني على سوريا والانتشار السرطاني للإرهاب التكفيري واحتضانه من بعض الدول الإقليمية بشكل علني فاضح وخاصة من قبل السعودية وقطر وتركيا، بالإضافة الى اثارة النعرات والصراعات الطائفية والمذهبية المقيتة ومحاولة توظيفها في الصراعات السياسية في المنطقة. هذا بالإضافة الى توقيع الاتفاقية بين إيران والدول الست الكبرى حول برنامجها النووي. أضف الى ذلك فأنها تأتي في الوقت الذي تتزايد فيه الخلافات والتوترات بين الدول الخليجية وحالة تصدع غير مسبوقة "لمجلس التعاون الخليجي" وفقدان السعودية العصا الغليظة التي كانت تستخدمها باستمرار لإعادة أي دولة من دوله الى بيت الطاعة فيما اذا أبدت هذه الدولة حالة من التململ او الاحتجاج الخجول على السياسة السعودية ورعونتها وصلفها في التعامل مع بلدان المجلس، كما حدث مؤخرا مع سلطنة عمان وكذلك مع قطر التي تعمل السعودية على عزلتها على المستوى الخليجي والعربي والى حد ما الدولي. كما ان هذه المناورات تأتي ضمن مناخات وشعور عام لدول الخليج العربي بأن الولايات المتحدة بدأت تتراجع مؤخرا عن دعمها التقليدي لأمن الخليج والانظمة القائمة، لصالح تفاهمات إقليمية جديدة، هذا الى جانب الضغط على الأنظمة القائمة وخاصة السعودية والبحرين الى اجراء إصلاحات داخلية على المستويين السياسي والاجتماعي والذي تضعه بعض الدوائر في واشنطن كإحدى الشروط لاستمرار الدعم الأمريكي. أما على صعيد التصريحات الرسمية حول المناورات المشتركة وما ذكره بعض المحللين أو مراكز الدراسات والأبحاث المهتمين بالأوضاع في منطقة الخليج العربي، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون الأمريكية مأمون فندي والذي يعمل حالياً رئيسا لمعهد الدراسات العالمية بلندن، " والقريب من دوائر صنع القرار في الامارات بأن " الامارات العربية ترغب بوجود قاعدة عسكرية مصرية في الامارات، وهناك بعض التردد المصري، ولكن من باب أن مصر مشغولة بالوضع الداخلي وان هذه الرغبة وصلت الى دوائر صنع القرار المصري." أما الفريق أول محمد بن زايد الاماراتي فقد عبر على "تويتر" بقوله " نرحب بجنود الكنانة على أرض الامارات العربية المتحدة". ولقد أكد فندي في احدى مقابلاته التلفزيونية بأن "الامارات تنظر الى مصر بأنها الدولة الكبرى والمركزية في المنطقة وان لها الثقل العربي الاستراتيجي والخزان السكاني العربي". الى جانب ذلك فان الامارات تعتبر أن التواجد المصري بالخليج يمكن أن يلعب دورا بارزا وهاما في الحفاظ على أمن الخليج. أما اللواء سامح سيف اليزل مدير مركز الجمهورية للدراسات الأمنية والاستراتيجية فانه يرى في المناورات المصرية الإماراتية، رسالة لمن يعبث بأمن البلدين"( صحيفة اليوم السابع المصرية، 12 مارس). أما الدكتور هاني الناظر رئيس المركز القومي للبحوث سابقا فانه يرى بأن "هذه المناورات رسالة واضحة موجهة لإيران وغيرها، وبأن مصر والامارات تقفان في خنق واحد، وأن مصر لن تسمح بأي محاولات قرصنة تهدد أمن الامارات أو أي من دول الخليج". وأصبح من الواضح بأن هذه المناورات لن تقتصر على دولة الامارات بل ستمتد لتشمل السعودية أيضا، فلقد أكد الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء محمود زاهر لقناة "ام بي سي مصر" ان القوات المسلحة المصرية ستجري مناورات عسكرية مشتركة مع قوات المملكة العربية السعودية، لكن الموعد لم يحدد بعد" (موقع أيلاف 3 مارس). ومن المعروف أن السعودية والامارات تمولان صفقة تسلح روسية تقدر بملياري دولار لدعم الجيش المصري. ويرى زهير الحارثي وهو عضو مجلس الشورى السعودي "بأن مصر تمثل العمق الاستراتيجي للأمن القومي العربي وما يحدث في مصر يحتاج الى دعم وتشجيع ويستطرد موضحا ان التعامل القطري مع القضية المصرية يشكل مساسا لأمن واستقرار الامن القومي العربي وليس فقط مصر ومشيرا الى ان القضية لا تتعلق بمصر فقط فمصر تهم دول الخليج وتهم السعودية في المقام الأول". مجمل هذه التصريحات قد تدلل على أن الدول الخليجية وخاصة السعودية ودولة والامارات العربية تسعى لجر مصر الى مواقفها فيما يتعلق بالصراعات الدائرة بالخليج العربي بين دوله، الى جانب الصراع والخلافات في المواقف الاقليمية مع إيران الذي تقوده السعودية وتصعده. فالسعودية ما زالت تناصب العداء لإيران بالرغم من كل الايماءات والاشارات والتصريحات الإيجابية للرئيس روحاني ووزير خارجيته تجاه السعودية، والسعودية لا تريد أن ترى دورا وازنا لإيران في المنطقة، وخاصة في الحل السياسي للازمة السورية، فهي من وقفت سدا منيعا ضد مشاركة إيران في مؤتمر جنيف. ويستطيع المرء أن يستشف ان النخب بأغلبيتها المرتبطة بالأنظمة الخليجية تنفخ في نفس المزمار وتصدر نفس معزوفة الخطر الإيراني وضرورة التصدي له عبر مزيد من التعاون بين الدول الخليجية والارتقاء بها الى صيغة الاتحاد، وهو ما دعت اليه السعودية وبدون مقدمات في قمة الرياض في ديسمبر 2011 ، واعادت طرحه مجددا في اخر لقاء لدول مجلس التعاون الخليجي الي عقد في الكويت. هذا ما اكدت عليه النخب الخليجية والمصرية الذين شاركوا في الندوة التي عقدت في القاهرة مؤخرا (3-3-2014) والتي نوقش فيها الاقتراح السعودي لفكرة الاتحاد الخليجي، حيث تم نقاش الابعاد والدوافع السياسية والأمنية وراء الاتجاه لإعلان الاتحاد. وقد قام كل من مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ومركز الخليج للأبحاث بالتنسيق لهذه الندوة التي حضرها نخبة من الباحثين والسياسيين والمفكرين والمسؤولين التنفيذيين من الجانبين. وأكد المشاركون في هذه الندوة على أهمية التعاون الاستراتيجي بين مجلس التعاون الخليجي ومصر، حيث ان كلاهما يتعرضان الى تدخل أطراف غير عربية في شئون الخليج بالذات إيران وتركيا. " مصر والخليج يواجهان مصيرا واحدا وخطرا تركيا إيرانيا" كان عنوان احدى الصحف لوصف الندوة. وهناك دعوات أو مقترحات خليجية إماراتية قد ظهرت لضم مصر الى مجلس التعاون الخليجي. ولقد اعتبر أستاذ العلوم السياسية مأمون فندي القريب من العائلة الحاكمة في دولة الامارات بأن "مصر دولة خليجية في المقام الأول، حيث أنها تملك أطول حدود لها مع السعودية من خلال البحر الأحمر". ونقولها للأسف الشديد أن هذه النخب تساهم مساهمة فعلية في حرف بوصلة الصراع في المنطقة، وكأن الكيان الصهيوني الغاصب أصبح صديقا وربما حليفا للبعض، على الرغم من احتلاله لأراضي عربية والقيام بعمليات التنكيل والقمع والإرهاب التي يمارسها ضد الشعب الفلسطيني والمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس خاصة. الذي يبدو أن الدول الخليجية التي تدور في فلك السعودية عازمة على تقديم كل الدعم المادي اللازم لمصر حتى تتجاوز أزمتها الاقتصادية الخانقة، والتي شكلت وستشكل عقبة رئيسية أما أي استقرار للدولة المصرية. ونحن نعلم أن السعودية ودولة الامارات العربية قدمت أكثر من عشرة مليارات دولار ان لم أكثر للحكومة المصرية بعد 30 يونيو أي بعد عزل الدكتور محمد مرسي عن الرئاسة وبالتالي إزاحة تنظيم الاخوان المسلمين عن السلطة، وهوما سعت له السعودية ورحبت به منذ أول يوم. أما الجديد ربما هو أن الدول الخليجية وبالتحديد السعودية والامارات العربي والكويت سوف تقوم بدعم مصر اقتصاديا من خلال ضخ استثمارات كبيرة قد تصل الى 160 مليار دولار في مشاريع تنمية يتضمنها البرنامج الانتخابي للمشير عبد الفتاح السيسي وزير الإنتاج الحربي، وهو ما يمكن اعتباره بمشروع مارشال عربي لإنقاذ الاقتصاد المصري المتهاوي. ومما لا شك فيه ان النهوض بالاقتصاد المصري يجب أن يكون من أولويات أية حكومة قادمة ويشكل تحديا كبيرا أمام القيادة السياسة الجديدة بعد الانتخابات الرئاسية القادمة. وبالتالي لم يكن مستغربا أن المشير السيسي سيقوم بزيارة الامارات والسعودية والكويت، لبحث سبل التعاون في المشروعات الاقتصادية التي قد يتضمنها برنامجه الانتخابي. وأغلب الظن ان الدول الخليجية الثلاث ستربط التزاماتها بالدعم في حالة نجاح المشير السيسي، الذي يبدي ربما تفهما للمطالب الأمنية لهذه الدول وأنه قادر على تلبية هذه المطالب لارتباطاته بالقوات المصرية ولكونه على رأس الهرم العسكري. وفي نفس الوقت لإدراكه بالتحديات الصعبة والجمة وخاصة في المجالات الاقتصادية وأن أي رئيس سياتي ان لم يستطع تلبية بعض الاحتياجات للجماهير المصرية فان الملايين ستثور ضده بغض النظر من هو، والذي يبدو أن ادراكه بهذه الحقيقة هي احدى العوامل الرئيسية في التردد الذي ابداه في اتخاذ القرار بالترشح. أما في حالة ضمان المعونات المالية من الدول الخليجية فإنها ستمكنه من إقامة المشاريع التي تضمن زيادة فرص العمل وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للشعب المصري، عندها فقط يستطيع أن يبقى رئيسا وتبقى المؤسسة العسكرية قريبة من الحكم في مصر. ويبقى السؤال ما هو الثمن الذي ستطلبه الدول الخليجية من مصر في حالة ترشح السيسي للرئاسة والفوز في الانتخابات الذي يراه الكثيرون من المحللين أنه بات في حكم اليقين؟ ويحق لنا ان نتساءل هل ستقبل القيادة السياسية المصرية القادمة بحرف بوصلة الصراع؟ وماذا سيكون موقفها من الازمة السورية وجامعة الدول العربية، هل ستنحاز الى مواقف الدول الخليجية الداعمة في هذا الشأن؟ الأشهر القليلة القادمة ستحمل في طياتها الإجابة على العديد من هذه الأسئلة. 

الملفات