2026-07-15 01:47 ص

نصرالله وفى بوعده لعائلة الشهيد "ربيع" بعد 16 عاماً على غموض دوره في المقاومة

الشهيد "ربيع"

2012-10-13
بيروت/ منذ الاعلان عن تحليق طائرة بدون طيار طيلة عشرين دقيقة في الأجواء الإسرائيلية ووصولها إلى بعد ثلاثين كيلومتراً من مفاعل ديمونة، ادرك الجميع ان شيئا ما قد تغير في معادلات المنطقة وان قواعد اللعبة في اي حرب مقبلة لم تعد كما كانت عليه في حرب تموز 2006، لكن ما لم يكن يتوقعه احد هو خروج حزب الله عن غموضه البناء الذي اعتاد على اتباعه في صراعه مع اسرائيل، فما الذي تغير ؟ ولماذا اختار السيد حسن نصرالله الاعلان صراحة عن مسؤولية الحزب عن الطائرة؟ ولماذا ارسل الحزب «باكورة»تجميعه العسكري في هذا التوقيت الدقيق والحساس في المنطقة؟ 
مصادر متابعة في الاكثرية قالت : هذا الخروج عن سياسة الغموض لا يتعلق فقط بهذه العملية الانية،ولكن العودة الى الرابع من آذار عام 1996يوم استشهد حسين ايوب تشير الى ان هذا الغموض بدأ منذ ذلك اليوم ولم يتببد كاملا حتى يومنا هذا، حينذاك كان الشهيد في الرابعة والعشرين من عمره واستشهد في عملية اكتنفها الغموض ولم تاخذ حقها اعلاميا حينذاك. يومها كان من يعرف ان الشهيد أيوب هو من أوائل الذين عملوا على مشروع إنشاء «سلاح جوّ» للمقاومة لا يتجاوزون اصابع اليد الواحدة، احتار اهله والمقربون منه وكثرت التساؤلات حول اسباب هذا التعتيم، لم يكشف السر يومها وبقي الكثير من الاسرار التي لم تكشف حتى يومنا هذا حول ماهية المهمة التي كان يقوم بها الشهيد ومكان استشهاده. لكن حقيقة واحدة ابلغها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله لاهل الشهيد عندما اختلى بهم بعد ايام من الاستشهاد،قال لهم يومها لا تحزنوا سياتي اليوم الذي سيأخذ به نجلكم حقه كاملا. بعد 16 عاما وفى السيد بوعده، اخرج السر الى العلن في زحمة الحديث عما يسمى بالربيع العربي، وكانه يقول للجميع هذا هو «ربيعنا»، ولمن لا يعرف فان «ربيع» هي الكنية العسكرية للشهيد حسين ايوب. 
وتشير اوساط خبيرة في الشؤون العسكرية الى ان تبني السيد نصرالله لارسال الطائرة تطوير نوعي وتغيير من قبل حزب الله للحرب النفسية ضد اسرائيل، فهذا التبني الصارخ اصاب الاسرائيليين في كبريائهم ، وهو فضح عجز القيادات الاسرائيلية عن الرد على هذا التحدي امام جمهور مل الاستماع الى تهديدات رئيس حكومته الفارغة ضد ايران، وهو اليوم مكبل اليدين امام تحد جديد من حزب الله الذي اثبت قدرته على المواجهة والتهديد من دون ان يسبب بتصعيد التوتر. فهو يدرك أن إسرائيل عاجزة عن الرد على لبنان وافتعال حرب في المنطقة لمجرد تحليق هذه الطائرة فوق اراضيها، لأن أي رد سيعني إشعال حرب اقليمية،واسرائيل غير جاهزة لهذا الامر، وبالتالي وصلت الرسالة بقوة مع الحفاظ على عدم التصعيد. 
اما المفاجأة الاساسية، على حد قول الاوساط نفسها، في مسألة الطائرة فهي مرتبطة بفشل الاستخبارات الاسرائيلية في توقع ان تاتي ضربة حزب الله من الجو هذه المرة، فخلال السنوات القليلة الماضية كان الهم الاسرائيلي الاول هو عدم حصول الحزب على اسلحة ارض جو كاسرة للتوازن والذي يقلق الإسرائيليين، هو الغموض المستمر حول قدرات حزب الله المتعلقة بمنظومة سلاح ارض جو،والخشية الاساسية تكمن في الخوف من إسقاط طائراتهم في الأراضي اللبنانية، لكن ما حصل اشار بوضوح الى ان قدرات «حزب الله» بدأت بتجاوز القدرات الصاروخية التي تعتقدها إسرائيل وتتحدث عنها تقاريرها الاستخبارية والعسكرية منذ سنتين على الأقل، وما فعله الحزب هو الكشف عن بعض مفاجآته الجوية التي لطالما هدد بها أمينه العام السيد حسن نصر الله، وقد حملت الطائرة رسالة تحذير للإسرائيليين من أن الحزب ليس فقط قادراً، عبر ترسانته الصاروخية ذات القدرات العالية، على تهديد كل منطقة في إسرائيل، بل أنه بات يملك قدرات جوية أيضاً، والطائرة من دون طيار هي الوجبة الأولى من المفاجآت التي قد يواجهها الجيش الإسرائيلي إذا ما وقعت بالفعل حرب لبنان الثالثة. اما التحدي الاكبر أمام سلاح الجو الإسرائيلي فيبقى معرفة حقيقة ما يملكه الحزب على مستوى منظومة الدفاع الجوي،والتي تحرص المقاومة على ابقائها طي الكتمان. 
واذا كان الاسرائيليون يواصلون احصاء الخسائر العملانية لجهة المعلومات التي حصلت عليها الطائرة فان اكثر بواعث هذا القلق تتعلق بمعرفة كيفية استخدام حزب الله لهذه الطائرة، وبحسب الخبراء العسكريين هناك طريقتان قد يكون استخدمهما «حزب الله»، الأولى بتسييرها عبر جهاز «جي. بي. أس.» يجعل الطائرة تطير لوحدها وفق نظام ذاتي محدد، وهذه الطريقة هي الأقل مدعاة للقلق. أما الطريقة الثانية المحتملة، فهي أن تكون إيران وصلت إلى قدرات تكنولوجية عالية تمكِّنها من إطلاق مثل هذه الطائرة وتسييرها عبر الأقمار الاصطناعية، وهذا يُعتبر أكثر السيناريوات خطراً،ومن شأنه أن يحسم في كسر قواعد اللعبة في المنطقة. 
اما عامل التوقيت فيبدو شديد الاهمية بالنسبة للحزب ومحور المقاومة في المنطقة، فقرار ارسال الطائرة لم يكن عبثيا وهو جاء بعد دراسة معمقة للنتائج والتداعيات والاحتمالات على كافة الجبهات، فالعملية تعد عملا هجوميا بالمفهوم العسكري، والرسالة واضحة لجهة انتقال هذا المحور للهجوم كافضل وسيلة للدفاع، وهي بمثابة عامل رادع للاسرائيليين لاعادة حساباتهم وكبح جماح اي مغامرة قد تكون قيد الاعداد ضد ايران او المقاومة في لبنان،وهي جاءت في خضم التهديدات التركية لسوريا وعشية المناورات العسكرية الاسرائيلية الاميركية المشتركة، ولذلك فان تجاوز حزب الله للخطوط الحمراء الاسرائيلية واضح في معانيه لجهة ابلاغ من يعنيهم الامر بان لا حدود لردود الفعل على اي مغامرة غير محسوبة ضد احد اضلع محور المقاومة، فضرب ايران لن يكون نزهة، واستهداف حزب الله لن يمر مرور الكرام،واذا كان الحزب قد اختار الكشف عن هذا الجزء من قدراته الجوية فهذا يعني انه فقط كشف عن راس جبل الجليد،وما خفي حتما هو اعظم.اما «الخاصرة الرخوة» على الجبهة السورية فكان السيد نصرالله صريحا عندما قال ان ثمن الرهانات في الخيارات السورية تحسمه خواتيم الامور، وهذا تلميح واضح من قبله بان ميزان القوى في سوريا اختل لصالح النظام، ولم تعد الجبهة السورية خاصرة رخوة لهذا المحور في ظل رهان على حسم عسكري قريب في المحافظات الاربع الساخنة. 
اما بحث بعض المراقبين عن اسباب استدراج السيد نصرالله «للدب اللبناني» الى «كرمه» وعن غنى حزب الله عن هذا الصراع الداخلي، فهو براي تلك الاوساط امر مثير للسخرية، فالحزب يحلق مع طائرته على ارتفاعات شاهقة غير مبال بترسانة اسرائيل العسكرية، فهل سيلتفت «لمضادات» 14 اذار الخلبية غير القادرة على الفعل او تغيير الوقائع، ولذلك فأن الحسابات الداخلية ليست على جدول اعمال الحزب وليست في اولوياته، وحملة المعارضة متوقعة وهي مستمرة سواء تحدث السيد نصرالله او لم يتحدث، فالاوامرالخارجية واضحة في هذا السياق. 
واكثر ما يدعو للتهكم هو اتهام المعارضة لحزب الله بنسف الاستراتيجية الدفاعية ،وترى فيه تلك الاوساط خلفيات خبيثة لدى هؤلاء غير المكترثين بحماية لبنان والباحثين فقط عن كيفية التخلص من سلاح الحزب، فلو كان هؤلاء صادقين لكانوا احتفلوا بالامس مع المقاومة بهذا الانجاز، فلبنان بات اليوم يملك ورقة مساومة استراتيجية لمنع اسرائيل من الاستمرار في خرق السيادة اللبنانية جوا، والاستفادة من معادلة أنه ما يحق لإسرائيل يحق لغيرها أيضاً، فإعلان الإسرائيليين عن حقهم في استمرار التحليق فوق الأراضي اللبنانية والتقاط صور تضمن لهم سيطرة استخبارية، يعطي في المقابل الحق أيضاً للبنان ولـ «حزب الله» بأن تحلق طائراته في أجواء إسرائيل. المفارقة ان الاسرائيليين فهموا الرسالة فيما يصر قادة قوى 14 اذار في لبنان على دفن الرؤوس في الرمال. فيما يبقى الامل ان تكون المعارضة السورية قد فهمت عمق رسالة السيد نصرالله عندما خاطبهم بالقول «لا تجربونا». 
ابراهيم ناصرالدين/ صحيفة "الديار" اللبنانية