2026-09-13 09:52 م

العلاقات المصرية السودانية...رؤية عن قُرب

2014-02-26
بقلم: الدكتور خيام محمد الزعبي*
أن العلاقات بين شعبي وادي النيل فى مصر والسودان أزلية، ولا يمكن أن تتأثر بتغير الأنظمة والحكومات، إذ لا بد من ضرورة تحقيق التكامل بين هذين البلدين فى كافة المجالات من خلال تعظيم الإستفادة من الروابط التاريخية والثقافية، وربطها بالمصالح الإقتصادية والتجارية لما فيه مصلحة للشعبين الشقيقين في الآونة الأخيرة مرت العلاقات المصرية السودانية منذ الإطاحة بنظام مرسي بفتور، ثم حذر، فترقب، بالرغم من المصالح المشتركة الهائلة والتكامل الإستراتيجى بين البلدين، ربما يكون الإختبار الأقوى الآن للنظامين هو كيفية تخفيف حمولة الإيدلوجي بينهما لصالح ترسيخ جذور العلاقة التاريخية بين السلطتين، ولكن كل الحسابات الداخلية والجيوسياسية للنظامين، تشير إلى حتمية الاصطدام بينهما والعوامل التي تغذي هذا الإصطدام كامنة في موقف السودان من قضية حلايب و بناء سد النهضة الإثيوبي وتمسك كل طرف بموقفه، بالإضافة الى التخوفات من التأثير الأمني للنظامين على بعضهما بعضاً، فضلاً عن موقفهما من التحالفات الإقليمية التي مرت بها المنطقة. هذه العلاقات التي إتسمت بالمد والجزر، وراوحت بين الوحدة والإنفصال، إلى أن عصفت رياح المصالح الدولية بالبلدين فإنقسم السودان نفسه إلى دولتين، وصار مستقبل منابع النيل ومعها الوادي والحوض، خاضعاً لإرادات متعددة ليس لمصر أي قدرة على تحديد إتجاهاتها، وباتت الأوضاع السياسية في شرق أفريقيا تجري بمعزل عن المصالح المصرية، وخلافاً لثوابت الأمن القومي المصري في تلك المنطقة. ويمكن القول هنا إن الفشل المصري والسوداني في صوغ علاقة ثابتة بين البلدين، لأسباب ترجع إلى حقبة التنافس المصري – البريطاني في شأن السيطرة على السودان، وإلى إنقسام النخب السودانية بعد الإستقلال بين من يرغب في الإتحاد مع مصر، ومن يرغب في الإستقلال عنها، فتراجع الدور المصري في أثناء عهد الرئيس السابق حسني مبارك، والتبعية الكاملة للولايات المتحدة الأميركية إبان عهد أنور السادات، جعلا العلاقات الثنائية بين دولتي وادي النيل متنافرة، الأمر الذي بدد قوة الجذب التي كانت تمتلكها مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وقضى على إمكان بناء نموذج عصري للتكامل العربي من السودان ومصر، هذا النموذج الذي طالما توافرت له الشروط الموضوعية للإزدهار والنماء والتقدم كالسكان والمياه والأرض الخصبة والموقع المهم. أوهنا أرى وأوكد إن ما بين القاهرة والخرطوم أعمق وأكبر من ذلك بكثير، فمصر تحتاج فعلياً إلى السودان بمصالح متبادلة ومصالح متشعبة في دول حوض النيل وأفريقيا بشكل كامل، وخطوة مصر بالتحرك نحو السودان موفقة، فمصر بدون السودان ستخسر في ملف المياه ولن تكون لها علاقات طبيعية مع أثيوبيا، أما السودان فلن يفيده من يحكم مصر، لكن بقاء العلاقات وإستمرارها أهم بكثير من بقاء الحاكم، ولو تحرك الطرفان من هذا المنطلق بنظرة المصالح فلن نأخذ زمناً وستسير بصورة طبيعية، ومن هذا المنطلق يمكن القول إن سلامة السودان المتحد هي من سلامة مصر. فالحقيقة التي يجب أن ندركها بيقين إن هناك من يسعي الي زيادة الخلافات بين مصر والسودان رغم إن كلاهما أحوج ما يكون الى الآخر، فهناك قضايا مشتركة لا بد ان يحسمها التعاون بين البلدين خاصة ما يتعلق بأزمة سد النهضة أمام أثيوبيا، كون الحكومة السودانية تسعى الى إبرام صفقة منفصلة مع أثيوبيا، وتنسى أن مخاطر السد تهدد الخرطوم قبل القاهرة وأن الدماء التي تسري بين الشعب المصري والشعب السوداني لا يمكن أن تغيرها دماء بديلة وأن كل الأزمات التي يمكن ان تواجهها مصر سوف تعبر أولاً علي السودان، فالذين يحاولون إشعال الفتن بين القاهرة والخرطوم لا يدركون خطورة المسألة بان السودان مهدد من أثيوبيا رغم كل ما يبدو من علامات الإحترام و الرضا بينهما، لأن سد النهضة قضية خطيرة تهدد أمن السودان والأقاليم المجاورة. وفي سياق متصل أدى غياب مصر عن السودان لفترة طويلة الى الكثير من الخسائر للجانبين، فما لا شك فيه أن قضية إنفصال الجنوب، والحروب الصغيرة على الحدود بين دولة جنوب السودان الوليدة وجمهورية السودان، كان ممكن تلافيها إذا تدخلت مصر لحل النزاعات القائمة والتوصل الى تعايش أفضل بينهم، وفى غياب الإهتمام الإستراتيجى بالسودان تغيبت مصر كثيراً عن الاستثمار فى هذا البلد، وأدى هذا البرود فى العلاقات الى تنافر غير مقبول فى بعض القضايا الرئيسية التي تهم البلدين ومنها قضية نهر النيل وبعض القضايا الاخرى. في ظل الأهداف والمبادئ التي تنادي بها "ثورة 25 يناير" في مصر في مجال السياسة الخارجية لإستعادة دور مصر الريادي في الإقليم والمنطقة بأكملها، والخروج من سيطرة السياسة الأمريكية الصهيونية، التي أضعفت ذلك الدور وأضرت بالعلاقات المصرية العربية والإفريقية عموماً، وبالعلاقات المصرية السودانية على وجه الخصوص، وهو ما أثَّر على الأمن القومي المصري والأمن القومي السوداني، بل تأذى السودان كثيراً نتيجة لتلك السياسة في الأعوام السابقة، وستؤثر على مصر أكثر في المستقبل لتجاهلها للنظرة الإستراتيجية والإكتفاء بالحلول المرحلية والآنية، وبإرتفاع شعار إستعادة السيادة المصرية أعتقد أن تعود العلاقات المصرية السودانية إلى الوضع الذي يخدم كلا البلدين في كل المجالات، بما يحقق الأمن القومي لكليهما، فهناك كثير من الأهداف والمصالح المشتركة التي تفرض حتمية التقارب والإلتقاف حولها، وتجاوز الصراعات والخلافات التي تنشأ نتيجة إختلاف في الآراء والأفكار. وبالتالي فإن مصر في ظل ثورة يناير التي رفعت شعارات الوطنية ومحاربة الفساد والإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي، قد تجد نفسها أنها في طريق العودة إلى موقع الريادة في الوطن العربي والإسلامي، وأن هذا الطريق يمر عبر بوابة السودان الذي ستحتاج لدعمه الأمني باعتباره العمق الإستراتيجي لمصر، ودعمه الإقتصادي لحل مشكلة الأمن الغذائي، ودعمه السياسي في المنظمات الإقليمية والدولية. وهنا يمكنني القول إن العلاقة السودانية المصرية، هي علاقة يجب أن تقوم على ركائز راسخة، تتحدى كل التحديات الداخلية والخارجية، وبالتالي فإن العلاقة بين هذين الشعبين أكبر من أن تختزل في قضية مياه ونخيل وسدود وحدود، فكلها قضايا خاضعة للإبداع السياسي، وإذا ما كان هناك تكامل حقيقي بين البلدين فإن كل تلك القضايا ستصبح لا قيمة لها، فملايين السودانيين في مصر ومئات الآلاف من المصريين في السودان الآن والرقم مرشح للتضاعف والتزايد، هؤلاء هم الذين سيحددون مستقبل علاقات البلدين والمصالح المشتركة بينهما، بمعنى إن مصر دائماً تحمل هموم السودان كما تحمل السودان هموم الشقيقة الكبرى مصر وإن إستقرار السودان وسعادته هو إستقرار للوطن الثاني مصر. لذلك لا بد من أخذ عدة مبادرات جديدة تخدم مصالح البلدين منها على سبيل المثال، تقديم الدعم والخبرة الفنية لإدارة المزارع الحديثة في السودان، بالإضافة الى تعزيز الخدمات التقنية فى مجال البنوك وشركات المحاسبة والتأمين والسياحة، فضلاً عن فتح الطرق البرية وإنجاز وصلة السكك الحديدية بين أسوان والسودان وأخيراً أختم مقالتي بالقول إن العلاقات المصرية السودانية تحتاج الى نظرة وإدارة جديدة، ولدي أمل كبير في أن يتحقق حلم الأجيال فى جعل مصر والسودان نموذجاً للتعاون والعيش المشترك الذي يدعمه الثقافة الواحدة والمزاج والدم الواحد والمصالح المشتركة بين البلدين، كون إن مصر والسودان هما الدولتان الوحيدتان في العالم اللذان تقعان في كافة دوائر الإنتماء والإهتمام لبعضهما البعض، مما يلقي بعبء إضافي على كل حريص على العلاقات بين هذين البلدين الشقيقين. 
*صحفي وباحث أكاديمي في العلاقات الدولية
Khaym1979@yahoo.com