2026-09-14 10:18 م

الإسلام السياسي من أكبر الخاسرين مع انتهاء 2013 (2)

2014-01-17
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
الصورة التي بدأت مشرقة ومزهرة لتنظيم الاخوان المسلمين، والتي كان يعول عليها في إحداث نقلة نوعية في التركيبة السياسية والنخب الحاكمة على امتداد جغرافي يتمتع بأهمية جيوسياسية، تلعب فيه تركيا ومصر وتونس نواته الصلبة لتجذر هيمنة الإسلام السياسي على المنطقة، بدأت تهتز وتنهار أمام مصاعب ومشاكل حقيقية عصفت في هذه البلدان الواحدة تلو الأخرى، مما أفقد الاخوان المسلمين أو الإسلام السياسي زمام المبادرة وخسر أوراقا هامة مع نهاية عام 2013 لن تمكنه من تحقيق هذا الحلم التاريخي الذي كان يصبو اليه. بدأ التصدع في الداخل التركي مع بداية التظاهرات والاعتصامات في ساحة تقسيم وحديقة جيزي المجاورة لها في يونيو 2013 والتي شكلت محطة مفصلية في تسارع الاحداث التي أدت الى اهتزاز صورة أردوغان وهيبته داخليا وخارجيا لأول مرة منذ مجيئه الى السلطة عام 2002. حيث رسخت الحركة الشبابية ميلاد حركة احتجاجية ومقاومة مجتمعية مدنية ديمقراطية ليبيرالية واسعة. ولقد كان للتعامل الوحشي الفج مع المحتجين من قبل قوات الامن والشرطة بناءا على أوامر مباشرة من أردوغان الذي وصف المحتجين "بالرعاع واللصوص" أثر كبير على امتداد حركة الاحتجاجات والمظاهرات بحيث شملت مساحة كبيرة جدا على امتداد الجغرافية التركية. وبحسب التقارير الأمنية فقد عمت المظاهرات وحركات الاحتجاجات حاولي 80 محافظة تركية وشارك بها ما يقارب 5.5 مليون شخص. كما أن هذا التعامل الغير حضاري للاحتجاجات السلمية ورؤية أردوغان لها، أثار سخطا عالميا من قبل العديد من الدول بمن فيها الولايات المتحدة والدول الأوروبية الى جانب الكثير من منظمات حقوق الانسان الدولية، والتي رأت أن ردود فعل أردوغان بعيدة كل البعد عن الديمقراطية وخط الاعتدال الذي حاول أردوغان أن يسوقه في الغرب طيلة سنوات حكمه لتجميل صورة الإسلام السياسي المعتدل الذي يجب أن يحتذى به في المنطقة ويكون مقبولا لكي يتعاطى معه الغرب. وقد نجح الى حد كبير في هذا المنحى، حتى بات الكثيرون في الغرب من محللين ورجال السياسة في الدول الغربية يتحدثون عن النموذج التركي للحكم الإسلامي المعتدل. وهذا ربما كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الولايات المتحدة للتعامل مع تنظيم الاخوان المسلمين في المنطقة ورسم سياستها الخارجية على هذا الأساس. وخير دليل على ذلك الدعم الذي قدمته سياسيا لحركة الاخوان المسلمين في مصر لتسلم السلطة ومحاولاتها لعودة مرسي بعد أن نحي عن الرئاسة من قبل الجيش المصري بعد المظاهرات العارمة التي خرجت الى شوارع مصر منددتا بحكمه وسياسته. وقد جاءت احداث تقسيم وما تلاها لتضع أول مسمار في نعش النموذج التركي وحكم الإسلام السياسي. ولقد صرح الرئيس التركي غول بهذا ربما بشكل غير مباشر حينما قال بأن ما بنته تركيا خلال عشر سنوات هدمته حركات الاحتجاجات خلال عشرة أيام ونحن بحاجة الى سنوات طويلة لإعادة الهيبة والثقة. أما الحدث الاخر والذي تسبب بما يشبه الزلزال المدوي في الداخل التركي ووجه صفعة قوية لاردوغان على المستوى الشخصي والى حكومة حزب العدالة والتنمية فلقد تمثل في قضية تورط العديد من أبناء وزراء في حكومة أردوغان وبعض الوزراء بفضائح الفساد المالي والرشاوي وقبض عمولات تقدر 100 مليار دولار بحسب ما ورد في بعض التقارير. ومن ضمن هذه الجوقة ابن أردوغان الذي هرب الى خارج البلاد. وقد تم القبض على العديد من رجال الاعمال الاتراك من قبل رجال الشرطة للتحقيق معهم واحالة البعض الى المحاكم القضائية. وفي ردة فعلا متسرعة قام أردوغان بإقالة العديد من رجال الشرطة والقضاء في عملية هجوم مضادة. كما قام أردوغان باتهام الداعية الإسلامي ورجل الاعمال التركي فتح الله غولن بأنه وراء تسريبات قضايا الفساد وذلك لتشويه سمعته وتمهيدا لإسقاطه وقد وصفها بأنها مؤامرة قذرة شاركت بها دول خارجية ملمحا أن الولايات المتحدة وإسرائيل لها ضلع في هذه المؤامرة. ومجموعة فتح الله غولن تدير شبكة من المدارس الخاصة داخل تركيا وخارجها الى جانب العديد من الشركات العالمية ووسائل اعلام في العديد من القارات، والمعنى هنا أن خلاف وصراع أردوغان مع رجل من الوزن الثقيل الذي يمتلك سطوة ونفوذ في الدوائر العليا للدولة التركية مع أنه يقطن في الولايات المتحدة، ويقال أنه تعاون الى حد كبير مع أردوغان ونجحا في عملية إزاحة وعزل الجيش التركي عن الساحة السياسية. ولقد أدت كل من أحداث تقسيم وقضايا الفساد المالي الى التأثير المباشر على الأسواق المالية والاقتصاد الذي يعاني أصلا من معدلات نمو منخفضة، وكذلك على عملية الاستثمارات الأجنبية التي تعتمد عليها تركيا في ضخ مليارات الدولارات في الدورة الاقتصادية للبلد. ويكفي أن نشير هنا الى تهاوي سعر صرف الليرة التركية الى أدنى مستوياتها منذ سنوات طويلة مقابل الدولار الأمريكي وبقية العملات الأجنبية مما يؤشر الى زعزعة الثقة بالاقتصاد التركي الى جانب أن الوضع الأمني والسياسي للبلاد يشجع على هجرة الاستثمارات من البلد. ويبدو أن التحديات أمام أردوغان وحزبه "حزب العدالة والتنمية" هي تحديات جمة وجدية وخاصة وأن تركيا مقدمة على انتخابات محلية ورئاسية هذا العام، مما يستدعي بذل جهود جبارة لدرء مزيد من التدهور في شعبية الحزب. ومما لا شك به أن هنالك علامات استفهام كبيرة حول مستقبل أردوغان السياسي، وخاصة فيما يتعلق بأحلامه أن يكون رئيسا بصلاحيات متزايدة تتيح له مزيد النفوذ، وهو ما كان يسعى اليه بتعديل الدستور قبل انتهاء مدة رئاسة وزارته. ومن المرجح أن يفقد مكانه لصالح الرئيس الحالي غول الذي أبدى امتعاضه من الطريقة التي تعامل بها أردوغان مع أحداث تقسيم ومؤخرا بدأ بتوجيه الانتقادات الغير مباشرة على طريقة الحكم التي يتبعها أردوغان وخاصة من جانب التصرفات الفردية في اتخاذ القرارات. والنقطة الأخرى التي تخص الوضع الداخلي هي تلك المتعلقة بقضية أكراد تركيا. فعلى الرغم من التفاؤل الذي حصل في البداية وقبل حوالي عام عندما فتحت المفاوضات مع عبدلله أوجلان زعيم "حزب العمال الكردستاني" والتي أفضت الى وقف العمليات القتالية من قبل عناصر الحزب المسلحة وانسحابهم من الأراضي التركية في مقابل الوعود التي أطلقها أردوغان من تحقيق مطالب أكراد تركيا، الا أن الأمور ما زالت تراوح مكانها وهنالك عناصر من الحزب بدأت بالتململ وتدعو الى عودة الكفاح المسلح. ولا شك أن علاقة تركيا بأكراد العراق والاحداث في سوريا قد زادت من تعقيد الأوضاع بالنسبة لهذه المسألة. الا أن الكثيرون يعتقدون أن أردوغان ليست لديه النية الصادقة لحل المسألة الكردية وعلى أنه أقدم على الخطوة لتحييد الاكراد وضبط إيقاع الفئات الكردية التي تطالب بالانفصال وتكوين الدولة الكردية. أما على الصعيد الخارجي فلقد أدت السياسات الخارجية التي اتبعها الثنائي اردوغان ووزير خارجيته أوغلو الى مصائب وكوارث سياسية كبرى واشتعال الخلافات والاشتباكات السياسية مع كافة الدول المجاورة الفاعلة وذات الوزن في المنطقة من ايران الى العراق الى سوريا، بالإضافة الى الولايات المتحدة وبعض الدول الاوروبية . ولقد راهن اردوغان على سقوط الدولة السورية وسقوط الرئيس الأسد في فترة بسيطة وقام بكل ما أوتي من قوة وامكانيات بدعم المعارضة الإسلامية وكان يأمل بوصول الاخوان المسلمين الى الحكم في سوريا. وقام بفتح مكاتب للمعارضة السورية وبالتنسيق مع قطر الممول الرئيسي للمعارضة التي صنعت في البداية ب " المجلس الوطني السوري" الذي سيطر عليه الاخوان المسلمين. وأزبد وعربد منذ البداية ودعا الى تنحى الرئيس الدكتور بشار الأسد عن السلطة وقام بفتح الحدود التركية للمقاتلين الإرهابيين القادمين من ليبا وتونس والدول الخليجية وبقاع العالم أجمع، وفتح معسكرات التدريب للمقاتلين الجدد، وسمح بتهريب السلاح الى الداخل السوري وتفكيك وسرقة المعامل السورية. لم يترك شيئا الا وفعله وحث الولايات المتحدة وقوات الناتو للتدخل عسكريا خارج إطار مجلس الامن واستعد لفتح الأراضي والأجواء والموانئ التركية لذلك. باءت كل محاولاته بالفشل الذريع وانعكس الوضع سلبا على الاقتصاد التركي وعلى الداخل التركي، فقد تظاهر العديد من الاتراك ضد هذه السياسة الخرقاء المتهورة للسلطان العثماني الجديد، وانتقل الارهاب الى الحدود التركية وبات يهدد الداخل التركي مما أجبره على اغلاق المعابر الحدودية. صمدت سوريا أمام الهجمة البربرية والارهاب الإقليمي والدولي بفعل صمود الثالوث المقدس المتمثل بالشعب والجيش العربي السوري والقيادة السياسية الحكيمة، والدعم الروسي والصيني والإيراني وحزب الله، وها هو أردوغان يدفع ثمن هزيمته على الأرض السورية، فلعنة القلعة الدمشقية تلاحقه ولن تترك أحدا من الذين تآمروا عليها على ما يبدو. ومن يذكر الان وزير خارجية قطر الأسبق حمد بن جاسم الذي اختفى أثره ولم يعد أحد يسمع به، هذا الذي كان يمشي كالطاووس وكأن الأرض لم تكن تسعه. الدور قادم في تقديري على أردوغان قريبا وقريبا جدا. ولكن الأهم من هذا أن الصمود السوري الأسطوري أسقط وحطم حلم السلطان العثماني الجديد لسيطرة الإسلام السياسي على المنطقة، والذي كان جزءا من السياسة والاستراتيجية الامريكية للمنطقة. بعد كل هذه الضربات الموجعة التي تلقاها أردوغان نتيجة سياساته الخاطئة والمتهورة والغير مبدئية سواء على الساحة الداخلية أو الخارجية لا بد أن يكون لها انعكاس سلبي على مشروع الإسلام السياسي الذي أراده اردوغان الذي يحاول الان أن يلملم أوراقه في الداخل من خلال مهادنة الجيش التركي وذلك بقبوله بإعادة محاكمة كبار وصغار الضباط الذين زج بهم في السجون تحت تهم عدة، على أمل ان يخفف من الضغط الداخلي عليه. كما أنه سعى وما زال على لملمة علاقاته وإعادة تموضع فيما يخص دول الجوار وبالتحديد ايران والعراق بهذا الخصوص وهنالك مؤشرات واضحة على استدارة بالرغم من عدم اكتمالها بالنسبة لسوريا وخاصة وأنه بات يخشى بقاء الرئيس الأسد في السلطة كما تشير كل التحليلات وأنه سيبقى فاعلا في مستقبل سوريا. ولكن كل هذا لن يخفف كثيرا من التحديات التي تجابه في الداخل التركي وبخاصة مستقبله السياسي الذي أصبح في مهب الريح وفي تقديري أن حزبه حزب "العدالة والتنمية" سيعمل على عدم ابقاءه في رأس السلطة وخاصة بعد الضرر الذي لحق بالحزب من جراء السياسة التي اتبعها أردوغان وأسلوب التعاطي الفردي في أخذ القرارات. ولا شك أن الأشهر القليلة القادمة ستجيب على المستقبل السياسي لأردوغان وفيما إذا كان بإمكانه رأب الصدع الذي تسبب به، أو التقليل من الخسائر. في الحلقة الثالثة والأخيرة لموضوعنا سنقوم بتناول الضربة الثانية التي تلقاها مشروع الإسلام السياسي في منطقتنا العربية وذلك في مصر مهد تنظيم الاخوان المسلمين بالإضافة الى تونس.