2026-09-14 08:39 م

محاولات تجميل الوجه القبيح للإرهاب لن تجدي نفعا

2014-01-13
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
لقد بات واضحا وبشكل لا يقبل الشك للقاصي والداني أن المعركة التي تدور على الساحة السورية، هي معركة بين الإرهاب الإقليمي والدولي والدولة السورية بكل مكوناتها ويلعب الجيش العربي السوري دورا محوريا في هذه المعارك الممتدة على مجمل مساحة الرقعة الجغرافية السورية. بالإضافة الى ذلك يتبين يوما بعد يوم أنه لا فوارق رئيسية أيدولوجية بين المجموعات المسلحة الإرهابية التي تقاتل في الداخل السوري، فهي بغالبيتها تعتنق الفكر التكفيري الوهابي الذي يكفر الغير وهمها إقامة الامارة الإسلامية وتطبيق ما تدعي بأنه شرع الله وهي أبعد من أن تكون عن هذا، وهي لا تعترف بالدولة المدنية ولا بالقوانين الوضعية وتحيل كل كبيرة وصغيرة الى الشريعة بحسب مفهومهم المتحجر الذي لا ينتمي الى هذا العصر بل ينتمي الى عصور التخلف والظلام. وحاول البعض في مرحلة ما أن يستثني ما كان يسمى بالجيش الحر من هذا التوصيف، ووصفه بمجموعة علمانية مسلحة معارضة للنظام السوري. ويجدر هنا أن نذكر هذا البعض بأن مجموعات الجيش الحر كانت تقاتل جنبا الى جنب مع جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة، تلك الجبهة التي صنفت من قبل الولايات المتحدة وبقية الدول الغربية على أنها تنظيما إرهابي. ولا زلنا نذكر المجزرة التي ارتكبتها جبهة النصرة والجيش الحر في ريف اللاذقية على سبيل المثال لا الحصر، وكيف أن السيد سليم ادريس رئيس اركان الجيش الحر أخذ يتباهى بتحقيق النصر في اللاذقية ويفاخر بقدرات الجيش الحر لوسائل الاعلام. ولم ننسى ما حدث في معلولا من تحطيم ونهب للكنائس المسيحية واختطاف الراهبات التي ما زال مصيرهن مجهولا ليومنا هذا وذلك أثناء الاعتداء على البلدة الوديعة من قبل جبهة النصرة والجيش الحر. على العموم انتهت ظاهرة ما سمي بالجيش الحر وما تبقى منه لا يرقى عن الفلول هنا وهناك فقد تشرذم بعد الانقسامات في المجموعات التي كانت تحارب تحت لوائه حيث انضم بعضها الى جبهة النصرة وقسم آخر الى دولة الإسلام في العراق والشام وقام البعض الاخر بتسليم أنفسهم الى الدولة السورية. ويوما بعد يوم تزداد اعداد المسلحين السوريون الذين قاتلوا الجيش السوري بتسليم انفسهم وأسلحتهم للدولة السورية، كان اخرها في الأيام الماضية في المعضمية ومضايا حيث تجمع أكثر من 400 من المسلحين ووجهاء المدينة ومسؤولين من الدولة في جامع البلدة لتسوية أوضاع المسلحين الذين قاموا بتسليم أنفسهم. ومع اقتراب عقد مؤتمر جنيف التي بات من الواضح أن هناك دفع حقيقي لعقده من قبل الدول الغربية خاصة في موعده المحدد هذه المرة، بعد أن تمت عملية تأجيله عدة مرات سابقا على أمل أن يتحقق نوع من تغيير في موازين القوى في الواقع الميداني. ومع تزايد نفوذ المجموعات الإرهابية والتكفيرية وخاصة دولة الإسلام في العراق والشام وجبهة النصرة على الأرض وانحسار دور ما سمي بالجيش الحر ونفوذه على الأرض السورية، كان لابد من تشكيل جسم آخر من عدد من المجموعات المسلحة الذي يبدو في الشكل والظاهر أنه مختلف عقائديا عن داعش والنصرة، التنظيمين الذين ينتميان الى القاعدة والذين يفاخرا بالفيديوات على اليوتيوب بقطع الرؤوس وارتكاب المجازر وتنفيذ احكام الاعدام وأكل الأعضاء البشرية وغيرها. ومن هنا اتى تكوين ما سمي بالجبهة الإسلامية تحت الرعاية السعودية من العديد من الفصائل المسلحة وتم تجنيد العديد من أفرادها من عدة دول خليجية وتدريب الكثير من عناصرها في معسكرات أقيمت لهذا الغرض في الأردن على ايدي خبراء عسكريين أمريكيين وبريطانيين وفرنسيين وباكستانيين. ولقد أغدقت السعودية مليارات الدولارات في عمليات التجنيد والتسليح ويقدر عدد المقاتلين بهذه الجبهة الى ما يقارب 70000 مقاتل. وانبرت وسائل الاعلام السعودية وغيرها وكذلك الكثير من وسائل الاعلام الغربية على تصوير الجبهة على أنها تتكون من مجموعات إسلامية "معتدلة" وذلك في حملة واسعة للترويج لها إعلاميا وتمهيدا لاستخدامها وتوظيف ما يمكن أن تحققه على الأرض في مؤتمر جنيف بعد أن تبين أن المعارضة لا تمتلك الأوراق التي من شأنها أن تساعدها على تحقيق أية مكاسب فعلية على طاولة المفاوضات. ونظرة سريعة على المكونات الرئيسية لهذه الجبهة الإسلامية "المعتدلة" من أحرار الشام بقيادة حسن عبود ولواء الإسلام بقيادة زهران علوش الذي له ارتباط مباشر ببندر بن سلطان أمير الإرهاب الجديد، يتبين وبشكل واضح ان الفكر التكفيري السلفي الوهابي هو المنهل الفكري لهذه المكونات. وبحسب البيان الذي صدر عن هذه الجبهة فان مكوناتها لا تؤمن بالدولة المدنية وهي تسعى لإقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية في الحكم وهي لا تؤمن بالقوانين التي يضعها الانسان. أما نظرتها للأقليات والمذاهب الاخرى فهي لا تطمئن على الاطلاق. وهنالك العديد من البراهين على ذلك فقد شاركت هذه التنظيمات السلفية الجهادية مع جبهة النصرة في المجازر التي ارتكبت في اللاذقية والتي اعتبرتها منظمة حقوق الانسان أنها ترقى الى مجازر ضد الإنسانية التي يجب معاقبتها. وفي الزمن القريب شاركت الجبهة الإسلامية مع رفاقها من جبهة النصرة المنتمية الى القاعدة في المجازر الفظيعة التي ارتكبت في عدرا المدينة العمالية بحسب الفارين من المدينة. وها هو السيد حسن عبود قائد احرار الشام يدعو الشعب السوري الى معاملة المهاجرين (الجهاديين الاجانب) الذين يذبحونهم "بلطف وكرم" الى جانب أنه يدعو داعش الى التشبه بجبهة النصرة التي تتصرف بشكل صحيح. وبالرغم من كل هذه المؤشرات والحقائق الميدانية تحاول بعض وسائل الاعلام العربية والأجنبية تصوير الجبهة الإسلامية المولود المسخ الذي جمعته السعودية، على أنها تختلف عقائديا عن مجموعات القاعدة التي تقاتل على الأراضي السورية وخاصة داعش والنصرة. وفي محاولات التسويق لهذه الجبهة وتوظيفها على طاولة المفاوضات في مؤتمر جنيف (2) يتم الترويج للانتصارات التي تحققها على الميدان في المعارك الشرسة الدائرة بينها وبين داعش والذي بحسب الانباء الواردة من الداخل السوري قد أدى الى قتل حوالي 700 عنصر من الطرفين خلال الاشتباكات التي دارت في الاسبوع المنصرم فقط. بالإضافة الى ذلك فقد قام السفير الأمريكي السابق لسوريا روبرت فورد بالاجتماع ببعض العناصر من الجبهة الاسلامية المنتمية الى "احرار الشام" في محاولة لتوظيف تقدمهم في الميدان ومحاربتهم لداعش في مؤتمر جنيف ولكن على ما يبدو أن هذه المحاولات قد باءت بالفشل لغاية الان، وتحاول السعودية تسويق هذه الجبهة لتحقيق أغراض جيوسياسية في المنطقة بعدما فقدت العديد من أوراقها وتراجع نفوذها في المنطقة لصالح ايران ومحور المقاومة. النقطة الاخيرة التي نود التأكيد عليها هنا هي أن بعض وسائل الاعلام الخليجية والغربية تركز على ان الجبهة الإسلامية تقاتل داعش القاعدية حتى تظهر بان الجيش العربي السوري ليس وحده من يقاتل المجموعات الإرهابية على الساحة السورية، وخاصة في الوقت الذي أصبحت فيه الأولويات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة ليس رحيل الرئيس الدكتور بشار الأسد بل محاربة الإرهاب الذي بدأ يتمدد ويستفحل في المنطقة وبدأ يشكل خطرا حقيقيا ليس على دول الاقليم فقط بل على المجتمعات الغربية بأسرها في حالة عودة المقاتلين الأجانب الى بلدانهم. وعلى حسب الاحصائيات الاستخباراتية فان هناك ما لا يقل عن 1200 مقاتل قدموا من الدول الأوروبية وهم يقاتلون في صفوق داعش وجبهة النصرة. ومؤخرا وللأول مرة تقر المخابرات المركزية الامريكية أن هناك ما لا يقل عن 70 أمريكيا يقاتلون مع هذه المجموعات في سوريا كما ورد في صحيفة نيو يورك تايمز قبل أيام. في النهاية نقول أن الجبهة الإسلامية شكلت على عجل من قبل السعودية بالتحديد، وفي غضون أسابيع كمحاولة ربما تكون الأخيرة لتحسين الأوضاع الميدانية على الأرض السورية وتوظيفها للحصول على تنازلات من قبل الدولة والقيادة السورية في جنيف (2) والمؤتمرات التي ستليه الهادفة لتحقيق حلا دبلوماسيا للملف السوري اذا ما كتب لها النجاح. أن الجبهة بمكوناتها الأساسية لا تختلف عن القاعدة لا بالفكر والايدولوجيا ولا بالممارسة وان محاولة تجميل هذا المولود المسخ الإرهابي لن تجدي نفعا.