2026-09-14 08:39 م

الجولات المكوكية لكيري وخطورة المفاوضات ضمن الوضع الراهن

2014-01-11
بقلم: بهيج سكاكيني
ما زالت الادارة الامريكية وبشخص وزير خارجيتها جون كيري مصممة على احداث ما يسمى باختراق فيما يسمى بالمفاوضات بين الطرف الفلسطيني المفاوض والكيان الصهيوني. ومن الواضح أن الكيان الصهيوني هو من يحدد إيقاع هذه المفاوضات ومسارها وجدول أعمالها ويضع العصا أمام "الراعي" الأمريكي وشروطه المسبقة التي يجب أن يتبناها الطرف الأمريكي. ليس هذا فحسب بل أنه يتحدى وبشكل سافر قبل البدء بأية عملية مفاوضات وخاصة فيما يتعلق بالأنشطة الاستيطانية وبناء مزيد من الوحدات السكنية، ليؤكد أنه الطرف الأقوى الذي يستطيع أن يفرض إملاءاته على طاولة المفاوضات، ولما لا وهو يرى أن الطرف الفلسطيني يلهث وراء المفاوضات العبثية ولا يجرؤ على الانسحاب منها تحت ذريعة أنه لا يريد أن يتهم بأنه الطرف الذي أفشل المفاوضات هذا من جانب وان "الراعي" الأمريكي يتبنى بالكامل تقريبا كل أطروحاته وينطق بما يريده على طاولة المفاوضات. ولا بد لنا أن نشير الى بعض الأمور المرتبطة بهذه العملية التفاوضية والتي يبدو أن نتائجها ستكون كارثية بكل المقاييس. لا بد ان نشير ونؤكد أولا بأن الفريق المفاوض لا يمتلك الغطاء الشرعي الفلسطيني، حيث انها تمت بالرغم من المعارضة القوية لها من قبل كافة الفصائل دون استثناء بما فيها تنظيم فتح بالإضافة الفعاليات والشخصيات الفلسطينية الوطنية. وهذا كان واضحا في داخل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية حيث كانت بأغلبيتها ضد الذهاب الى هذه الجولة من المفاوضات الا اذا ما تمت مع وقف كامل للأنشطة الاستيطانية على كافة الأراضي التي احتلت عام 1967، وعلى إقامة الدولة الفلسطينية على كافة الأراضي التي احتلت عام 1967 والانسحاب التام من هذه الأراضي وعلى أن يكون هناك التزام تام من قبل الكيان الصهيوني بهذا. ضرب بعرض الحائط بهذه الشروط وذهبت السلطة الفلسطينية الى المفاوضات دون أن يتحقق أي من هذه الشروط حيث قام الكيان الصهيوني بالإعلان عن بناء مزيد من الوحدات السكنية في أراضي الضفة الغربية بما فيها القدس. وما زال الوفد المفاوض يفاوض حتى مع الإعلان عن بناء مزيد من الوحدات السكنية الاستيطانية والدعوات بضم منطقة الاغوار التي يحرم على الفلسطينيين دخولها وقد وصفت جريدة هآرتس العمل على أنه عملية "تطهير" في احدى عناوينها. هذا الاندفاع الى المفاوضات من قبل بعض الافراد المتحكمين بالسلطة يؤشر مرة تلو الأخرى الخلل الفادح في الية اتخاذ القرارات المصيرية للشعب الفلسطيني التي يجب أن تستجيب بالضرورة للمؤسسات الشرعية للشعب الفلسطيني التي تحكمها منظمة التحرير التي أصبحت تغيب وتستحضر على حسب الطلب. ان ترك فئة لا تتجاوز على ما يبدو أصابع اليد الواحدة بالتحكم بالقرارات المصيرية لشعبنا الفلسطيني كان وما زال يشكل الخطر الأكبر على الشعب والقضية والوطن أو ما تبقى منه. ان السرية التامة التي تجري فيها المفاوضات وترك الغالبية العظمى من شعبنا في الظلام عما يدور لشحة ما يرشح من تسريبات هنا وهناك وخاصة في وسائل اعلام الكيان الصهيوني يضع علامات استفهام كثيرة حول حقيقة ما يجري. فمن جانب نرى أن التصريحات العلنية للطرف الفلسطيني المفاوض حول صعوبة المفاوضات وعلى انها لن تفضي الى شيء ملموس في الفترة المحددة نتيجة تعنت الطرف الإسرائيلي (وهذا طبعا ليس بجديد)، نرى أن السيد كيري يصرح بتحقيق تقدم في المفاوضات وأنه متفائل بالوصول الى ما سمي "اتفاق اطار" والتوقيع عليه. وقد ذهبت بعض وسائل الاعلام للقول بأن كيري يحضر للاحتفال بالتوقيع على هذا الاتفاق، على غرار اتفاقية وادي عربة التي وقعت مع الأردن. أما لماذا هذا التفاؤل وما في جعبة السيد كيري فالعلم عند الله. أما الطرف الفلسطيني المفاوض فهو يتهرب من الإجابة على أي سؤال مباشر وخاصة تلك التي تسرب عبر وسائل الاعلام العبرية بالقول لم يقدم أي شيء مكتوب لنا بهذا الشأن وبالتالي هي مجرد أفكار ليس الا. مؤخرا طار وزير الخارجية كيري الى الأردن والسعودية وقام بمقابلة ملكي الدولتين ولم يرشح أية معلومات عن هاتين الزيارتين سوى أن الدولتين تؤيدان مساعي وزير الخارجية لتحقيق السلام. وهذا كلام فضفاض لا يعني شيء في نهاية المطاف. ومن المؤكد أن كيري لم يكن في إجازة أو نزهة ولا بد من أنه أجرى مباحثات جدية وعرض خطة متكاملة حول المباحثات وما تمخض عنها. ولن يكون مستغربا أن يكون كيري قد طلب من الأردن ومن السعودية الضغط على الطرف الفلسطيني للقبول بالشروط الإسرائيلية للتوقيع على "إتفاق الاطار"، أو إعطاء غطاء للجانب الفلسطيني للتوقيع. وفي هذا الاطار ربما يدخل الاجتماع المتوقع عقده بين كيري ووزراء الخارجية العرب والجامعة العربية التي أصبحت دائرة من دوائر الإدارة الامريكية لتمرير المخططات الامريكية في المنطقة وتعمل على ضمان أمن الكيان الصهيوني قبل أن تعمل على ضمان الامن القومي العربي. والسؤال هنا لماذا هذا الاجتماع اذا لم يكن لمزيد من الضغط على السلطة الفلسطينية أو إعطائها صك الغفران والغطاء العربي للتوقيع. الخوف كل الخوف أن يكون التداول في لايجاد الحلول للملفات الساخنة في المنطقة يدور على حساب الطرف الأضعف، أي الطرف الفلسطيني وهذا لم يعد مستبعدا على الاطلاق. فالسعودية لا تريد الان الا كسر القلعة الدمشقية العصية عليها وتحجيم الدور الإيراني وعدم التعامل الدولي مع إيران كدولة ذات فعل وتأثير وازن على المستوى الإقليمي أو الدولي، اما الباقون فليذهبوا الى الجحيم لا مانع لديها من ذلك. وبالتالي قد يكون هنالك عملية مقايضة في الملفات من تحت الطاولة والتي سيكون ضحيتها الشعب الفلسطيني وقضيته. وقد يكون الدور السعودي المطلوب بالإضافة الى ممارسة الضغوط المباشرة أو غير المباشرة على الطرف الفلسطيني هو تمويل مشاريع التوطين للفلسطينيين في البلدان العربية التي ستقبل توطينهم على أراضيها ومنحهم الجنسية، أو تمويل التعويضات التي ستدفع لللاجئين الفلسطينيين، او تمويل هجرة اعداد من فلسطيني المخيمات في الشتات الى استراليا وغيرها من الدول وبالتالي شطب حق العودة والحلم الفلسطيني. والحديث حول دفع 55 مليار دولار للأردن الذي ظهر في بعض وسائل الاعلام قد يكون ضمن هذا الإطار. أما الأردن فهو معني أكثر من غيره بالملف الفلسطيني بحكم تواجد اعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه، الى جانب وجود الحدود المشتركة، وهذه ربما تشكل أبرز الاهتمامات والقلق الاردني على ما ستؤول اليه الأمور. ويجب الا ننسى طرح فكرة الوطن البديل للفلسطينيين التي يروج لها بين الحين والأخر من قبل اليمين الصهيوني - كما يطلق عليه في وسائل الاعلام - والذي يؤيد عملية "الترانسفير" للفلسطينيين الى الأردن باعتبارها الدولة الفلسطينية البديلة. الأردن ما زال يخشى من هذه الأفكار لأنها تهدد كيانه ووجوده، كما أنه يخشى من تداعيات ما يجري الان في سوريا وفي العراق وإمكانية تسرب العناصر القاعدية الى أراضيه وزعزعة استقراره وامنه الداخلي. وإذا ما أضفنا الى ذلك اعتماد الأردن على المعونات الاقتصادية والقروض حتى يتمكن من الاستمرار، ندرك الوضع الصعب للأردن وسهولة الضغط عليه للقبول بالمقترحات الامريكية فيما يختص بالتسوية مع الفلسطينيين. ولا بد لنا من أن نتساءل هنا لماذا يرتضي الطرف الفلسطيني بالاستفراد الأمريكي بالملف الفلسطيني في الوقت الذي لم تعد فيه أمريكا القطب الأوحد الذي يستطيع بجبروته تحديد حلول الملفات سواء على النطاق الإقليمي أو الدولي؟ أن طريقة إدارة الصراع والملف الفلسطيني بهذه الطريقة هي من مخلفات زمن القطب الواحد الذي يشهد كل العالم ومن ضمنهم الولايات المتحدة أنه قد انتهى الى غير رجعة. والسؤال لماذا يبقى الطرف الفلسطيني متعلق بزمن أحادية القطب الذي ولى. ما العبرة من ذلك؟ ولماذا يرتضي أن يكون خانعا للإملاءات الامريكية والإسرائيلية والضغوط العربية بدلا من أن ينتهز فرصة المتغيرات التي طرأت على الساحة الإقليمية والدولية ويطالب بالتحضير لمؤتمر دولي فاعل على غرار جنيف الإيراني والسوري القادم، وقضيتنا وصراعنا مع العدو الصهيوني هو أطول صراع في المنطقة لا بل في العالم. الى متى نبقى نفاوض ونفاوض ونفاوض؟ اذا كانت الحياة عند البعض مفاوضات كما يقولون فدعهم يفاوضون لوحدهم فلقد سئم شعبنا هذه الكلمة كما سئم مردديها، وان الأوان لتغيير المنحى والاستراتيجية الفلسطينية.