2026-09-14 04:23 م

ملاحظات على التفجيرات الأخيرة في لبنان

2014-01-05
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
التفجير الذي حدث مؤخرا في الضاحية الجنوبية الحاضنة الشعبية للمقاومة اللبنانية والذي اتى مباشرة بعد التفجير وعملية الاغتيال التي أودت بحياة الوزير محمد شطح وأخرين تأتي ضمن مسلسل التفجيرات الإرهابية التي يتعرض لها لبنان والمرشح لها بالتفاقم والازدياد دون تمييز للرقعة الجغرافية أو السياسية أو الطائفية. فيد الإرهاب تضرب وبشكل ممنهج ومكثف في الآونة الأخيرة في لبنان في محاولة مستميتة لتحقيق عددا من الأهداف التي أصبحت واضحة المعالم للقاصي والداني. وهذه التفجيرات تأتي لتستهدف تأجيج وتعميق الهوة للصراعات السياسية والطائفية في لبنان وتحويله الى دائرة صراع يراد منه اشعال الحرب الطائفية وصولا الى الحرب الاهلية بين القوى السياسية المتصارعة على الساحة اللبنانية. وهي بهذا تريد جر المقاومة اللبنانية المتمثلة بشكل رئيسي بحزب الله والقوى المؤيدة له الى حرب لبنانية داخلية على أمل اضعاف مشاركته في الحرب على الارهاب الدائرة في الداخل السوري ولاحقا لإضعاف دوره في التصدي للكيان الصهيوني لضمان أمن هذا الكيان. الى جانب ذلك خلق بؤرة توتر مستمرة على الحدود السورية كما هو الحال في عرسال الحدودية التي تشكل تورا بورا ومرتعا للارهاب، بحيث لا يهنأ السوريون بتحقيق أي نصر أت وإبقاء حالة التوتر وعدم الاستقرار. ويأتي هذا بعد الفشل تلو الفشل الذي تلقته هذه المجموعة الإرهابية على ايدي الجيش العربي السوري، وهذا ما يفسر اعلان كل من جبهة النصرة ودولة الإسلام في بلاد الشام والعراق رسميا بالدخول الى الساحة اللبنانية. الى جانب هذه الأهداف هنالك الطرف الإقليمي المتمثل بالسعودية وربما بدرجة أقل تركيا وقطر تريد تحويل الساحة اللبنانية الى دائرة صراع لكسب بعض الأوراق التي لم تتمكن من تحقيقها على الساحة السورية وذلك قبل الذهاب الى مؤتمر جنيف (2) في حالة انعقاده في موعده المحدد لان هنالك شكوك كثيرة حول إمكانية انعقاده. ويهمنا هنا أن نلفت النظر لبعض النقاط التي لها علاقة مباشرة في التفجيرين الأخيرين والجو العام السياسي الذي صاحبهما. اول هذه النقاط هو التمايز والبون الشاسع بين ردود الفعل التي صاحبت هذين العمليتين من قبل 14 آذار وخاصة من قبل تيار المستقبل وقوى 8 اذار وخاصة حزب الله. فلقد سارع تيار المستقبل بمجرد سماع خبر استشهاد الوزير شطح باللقاء تهمة الاغتيال على حزب الله وسوريا حتى قبل أن تلملم الجثث من مكان عملية الاغتيال حيث جاء في البيان الذي صاغه تيار المستقبل وتلي على الصحفيين بعد اجتماع قوى 14 اذار " القاتل هو نفسه الذي يوغل في الدم السوري واللبناني، القاتل هو نفسه من بيروت الى طرابلس الى صيدا الى كل لبنان، القاتل نفسه من درعا الى حمص الى كل سوريا" وان " شطح سقط في مواجهة المجرم المعروف، الذي يتفرج العالم على اجرامه". أما الحريري فلقد أشار في بيان له من الخارج " الذين قتلوا شطح هم من اغتالوا رفيق الحريري، والذين يريدون اغتيال لبنان" وأن " المتهمين هم أنفسهم الذين يتهربون من وجه العدالة الدولية" والى ان " الذي يتكبر علينا وعلى اللبنانيين لن يصل الى المكان الذي يريد، بل سيقع في النهاية ويفك رقبته". هكذا تطلق الاتهامات يمينا ويسارا دون أية دلائل وقبل اجراء أي تحقيق وحتى قبل وصول أي مفوض من الحكومة أو المدعي العام الى ساحة الجريمة النكراء. ولا يحتاج الامر الى كثير من التفكير للوصول الى ان كل هذه الادعاءات والاتهامات التي لا أساس لها من الصحة جاءت لتؤجج نار الفتنة الطائفية وتلهب المشاعر وتفقد البعض صوابه وتزرع فيه غرائز الحقد والكراهية للآخر الذي لا يتماشى مع ما يعتقده هذا التيار وما يمثله، وبغض النظر عن ماهية الطرف الاخر. وخير دليل على ذلك ما حصل لمفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني في مسجد الخاشقجي في بيروت عند الصلاة على جثمان الشهيد محمد الشعار، حيث جوبه بالشتائم والاهانات والاعتداءات عليه من قبل جمهور تيار المستقبل الذين تجمهروا ومنعوا المفتي من مغادرة المكان الى أن تم اخلاءه من قبل الجيش اللبناني. ولقد رددوا هؤلاء الرعاع وفي باحات المسجد وبداخله "لا الله الا الله والمفتي عدو الله" ورفع علم تنظيم القاعدة في المكان. وما ذنب المفتي السني الا أنه لم يأخذ أي موقف متطرف مع اية جهة وهذا ما لم يروق لتيار المستقبل الذين يريدون للمفتي أن يكون تابعا لطرفهم السياسي ويأتمر بأمرهم، وهم لا يخفون هذا في تصريحاتهم. هذه المواقف المتشنجة وعديمة المسؤولية والمشحونة بالحقد والكراهية لشركاء الوطن والتي من شأنها تصعيد الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان، يقابلها الطرف الاخر وبالأخص حزب الله بتروي وعدم الانجرار الى المجابهة والتصادم، ليس من باب الضعف والاستكانة بل من باب الحفاظ على السلم الأهلي وعدم تأزيم المواقف وترك الباب مفتوحا أمام الحوار والتواصل وعدم غلق النوافذ، امام هكذا إمكانية. بالإضافة الى ذلك وكما أعلنها الأمين العام لحزب الله ان معركتنا هي مع العدو الصهيوني ولن تحيدوننا عن البوصلة مهما فعلتم. وهذه هي الأسباب التي تدفع حزب الله بالنأي بنفسه والترافع والتعالي عن توجيه اية اتهامات سياسية لهذا الفريق أو ذاك، ويؤكد على ضرورة التحقيق للوصول الى المعطيات والدلائل قبل توجيه الاتهامات الرخيصة التي لا تجدي نفعا، لا بل والأكثر من ذلك وحتى عندما يكون لديه الأدلة والبراهين قد يسكت عليها حفاظا للسلم والامن وعدم تصعيد المواقف. والواضح أن هذه المواقف لحزب الله نابعة من منطلقات مبدئية وطنية حريصة على لبنان وأمنه. والنقطة الثانية بهذا الشأن هو أن معظم تصريحات الإدانة للعملية الاجرامية في الضاحية الجنوبية التي صدرت عن فريق 14 اذار، لم تخلوا من إعطاء المبررات لمثل هذه العمليات الإرهابية وهذا ليس بالشيء الجديد على هذا الفريق ومكوناته. ولكن الذي يبدو ان هنالك تصعيدا علنيا جديدا وخطيرا في هذا النهج. فها هو الشيخ سعد الحريري رئيس تيار المستقبل يؤكد في معرض ادانته للتفجير الارهابي الذي اصاب الضاحية الجنوبية " ان المواطنين الأبرياء في الضاحية هم ضحية جرائم إرهابية واجرامية تستهدفهم منذ أشهر وهم في الوقت عينه ضحية التورط في حروب خارجية، وفي الحرب السورية خصوصا، التي لن يكون للبنان ولأبناء الضاحية تحديدا أي مصلحة في تغطيتها أو المشاركة فيها". الحريري هنا وبكل صراحة ووقاحة متناهية يريد أن يؤلب سكان الضاحية الجنوبية على حزب الله بشكل سافر وعلني. وهذا بالتحديد أحد أهداف مثل هذه العمليات، فالإرهابيون الذين ما هم الا ادوات تحركها قوى ظلامية تسعى يائسة لوضع شرخ بين المقاومة وبيئتها الحاضنة، وبالتالي لا يمكننا الا أن نرى الحريري جزء من هذه القوى الظلامية وبرنامجها التدميري للبنان. والمدقق بتصريحه لا بد أن يتساءل ماذا يقصد الحريري ب " التورط في حروب خارجية..." . النقطة الثالثة المرتبطة بهذه العمليات هي المحاولات الرخيصة لقوى 14 أذار للاستثمار السياسي لعملية اغتيال الوزير شطح، والتي أخذت على عاتقها توظيف الدم لأغراض سياسية. فقد خرج اجتماع قوى 14 اذار الذي تم في منزل سعد الحريري ليس فقط بالقول بان القاتل هو حزب الله بل بالصراخ بأن "لا حوار ولا حكومة مع القتلة" ولقد أكدت بعض المصادر ان ما رشح من الاجتماع " فريقنا وضع خطا أحمر على حكومة 9-9-6، وأي حكومة سياسية أو حكومة مشاركة، ونحن نريد حكومة 14 اذار" . أما الحريري فقد صرح من السعودية "كنا نطالب بحكومة حيادية، ربما نطالب بأمر أخر الان، اذ يمكن ان نطالب بحكومة 14 آذار في الأيام المقبلة". النقطة الرابعة المرتبطة بمثل هذه العمليات خاص بالأجهزة الأمنية اللبنانية ومدى التنسيق فيما بينها والترفع عن التجاذبات والولاءات السياسة والطائفية التي تنخر في الجسم الأمني ككل. ان قيمة العمل الأمني وفعاليته تكمن في القدرة على اتخاذ الخطوات الاستباقية لمنع حدوث او التقليل من احتمال حدوث مثل هذه العمليات الارهابية. لقد اشارت المعلومات أن هذه السيارة كانت تحت المراقبة لعدة أيام ومن ثم فقد تتبعها وبالتأكيد هذه ليست أول مرة يفقد فيها أثر سيارة مفخخة قبل عملية التنفيذ. جانب من المشكلة كما يراها البعض يعود الى كثرة الأجهزة الأمنية وتنافسها السلبي فيما بينها في كثير من الأحيان، وعدم تمرير المعلومات فيما بينها في الوقت المناسب، مما يسهل للإرهابيين عملهم والافلات من المراقبة والتتبع. ولا شك أنه بات من الضروري انشاء وحدة عمل أو غرفة عمل مشتركة ما بين جميع الأجهزة من الامن العام، ومخابرات الجيش، وفرع المعلومات وغيرها. ولكن الذي قد يقف حائلا امام هكذا محاولة هو هذا الانقسام العمودي والافقي على الساحة اللبنانية وغياب الدولة ومكوناتها التشريعية والتنفيذية وحالة الفراغ السياسي والمرشح الى مزيد من التشرذم في حالة الإصرار على فرض حكومة الامر الواقع التي ستجلب معها مزيدا من الانفلات في الاوضاع الأمنية وتعميق الخلافات واتساع الهوة بين المكونات الاجتماعية والسياسية اللبنانية ولمصلحة من؟ وفي الختام نؤد أن نؤكد على أن الإرهاب أصبح ظاهرة منتشرة في جميع أرجاء الوطن العربي تتمدد يوميا، ولقد أصبح يمتلك قدرات مالية وتسليحية ولوجستية غير مسبوقة، وهذا لا يمكن له أن يتم دون دول راعية وحاضنة للإرهاب والإرهابيين ومصدرة لهم واغداق مليارات الدولارات على مثل هذه التنظيمات الإرهابية التكفيرية محليا وعالميا. دول تتكفل بإعطاء الغطاء الفكري والإعلامي وتقوم بتجنيد الإرهابيين من كل بقاع العالم. وللقضاء على الإرهاب وتجفيف منابعه لا بد من طرح أسئلة عديدة عن الممول، والمحرض والمجند، والذي يسهل نقل الإرهابيين من منطقة الى أخرى ومن بلد الى اخر ومن يؤمن الملاذ الآمن والبيئات الحاضنة وغيرها من الأسئلة. ان مكافحة الإرهاب أصبحت مسؤولية اممية وليست قسرا على دولة او دولتين، ويجب أن تنصب الجهود في هذا الاتجاه، والا فان الكل مرشح للشرب من الكأس المر.