2026-09-14 11:43 ص

التصدع الاجتماعي المرتقب في السعودية

2013-12-31
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
مما لا شك فيه ان العائلة المالكة في السعودية لديها مخاوف حقيقية مما يجري من احداث في المنطقة، وما قد تؤول اليه في نهاية هذا المخاض المؤلم المتميز بالعنف. وهذ ه المخاوف تنبع بالأساس من احتمال الاستحقاقات التي قد تضطر لدفعها أو تقديمها نتيجة التغيرات في الوضع الإقليمي والدولي، هذه الاستحقاقات التي قد تتمثل في اجبار العائلة المالكة على اجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية والتي في اغلب الظن ستمس وتطال جوهر البنية التي قام عليها الحكم الذي امتد لأكثر من 70 عاما، نعمت فيها العائلة المالكة بالهدوء اذا ما قورنت بالدول العربية الأخرى. هذا الهدوء النسبي الذي ارتكز أولا: على الثروة الهائلة التي حققتها المملكة من تصدير البترول والتي وصلت في الفترة الأخيرة الى ما يقرب من 700 مليار دولار سنويا، والتي استخدمتها المملكة لمد نفوذها وتأثيرها وبعض الأحيان هيمنتها على العالم العربي والإسلامي وقد ساعدها في هذا الى جانب الثروة، وجود الأماكن الدينية الإسلامية المقدسة التي يحج اليها ملايين المسلمين كل عام من انحاء المعمورة. وثانيا: على التعهدات الامريكية بضمان أمن المملكة من أي عدوان خارجي أو تهديد أمنها او استقرارها من نشؤ اية عوامل داخلية، وضمان استمرار هيمنة سلالة ال سعود النجدية. وهذه التعهدات والتحالف مع الولايات المتحدة القائمة منذ 1932 شكلت حجر الزاوية التي اعتمدت عليه استراتيجية الامن القومي للمملكة العربية السعودية منذ ذلك الحين. المتمعن بطبيعة التركيبة السكانية في المناطق المختلفة من السعودية يدرك حساسية الوضع الداخلي الذي قد يكون مرشحا للانفجار. والسعودية تنظر الى الاخطار الداخلية من منظور طائفي محض وهي ترى سكان السعودية ليس من خلال كونهم مواطنين سعوديون فمفهوم المواطنة لديها معدوم ولا تجده في قاموسهم السياسي أو الاجتماعي. وبالتالي فان المخاوف السعودية نابعة من كون أن أكثر من ثلثي التركيبة القبلية والدينية في السعودية لا تجد لها اية قواسم مشتركة مع الفكر الوهابي المتزمت او مع السلالة الوهابية المالكة التي تنتمي الى منطقة نجد والتي وحدت البلاد بقوة السيف. فهناك المواطنين الشيعة في المنطقة الشرقية الغنية بالبترول والسنة الين ينتمون الى المذهب الشافعي والمالكي في منطقة الحجاز، أما في جنوب البلاد فيتواجد المواطنين الذين ينتمون الى أصول قبلية يمنية وفي معظمهم هم من الشيعة الين ينتمون الى المذاهب الإسماعيلية واليزيدية. واحدى العوامل التي قد تساعد في انفجاره هي السياسة الخرقاء التي تنتهجها السعودية على الساحة الإقليمية وخاصة فيما يتعلق بسياستها التصادمية مع ايران حيث ما زالت السعودية تبدي منحى تصادميا بالرغم من سياسة التقارب التي تنتهجها ايران مع الدول الخليجية وقد رفضت السعودية توجيه دعوة لوزير الخارجية الإيراني لغاية الان وهو الذي أبدى استعداده لزيارة المملكة، الى جانب دعم المجموعات الإرهابية والتكفيرية في سوريا والعراق واليمن ودخولها بكل ثقلها التدميري على الساحة اللبنانية الان. كل هذا بالإضافة الى وقوفها بالضد من اتباع الطرق السلمية لإيجاد الحلول للعديد من الملفات الإقليمية. إن محاولة السعودية تأجيج الصراعات الطائفية والمذهبية في المنطقة وتصوير الصراع الرئيسي في المنطقة على أنه صراعا طائفيا ومذهبيا يجعلها في عين العاصفة وذلك لإمكانية انعكاس هذا الصراع على الساحة الداخلية للمملكة وخاصة اذا ما نظرنا الى التركيبة القبلية والدينية التي أشرنا لها هنا. ولم يعد خافيا على أحد حركة الاحتجاجات المستمرة وذلك منذ فترة طويلة في المنطقة الشرقية التي تتميز بأغلبية شيعية. وتأتي حركة الاحتجاجات هذه على خلفية شعور سكان هذه المنطقة بأنهم مهمشون ويتعرضون الى سياسة التمييز والاقصاء من المراكز العليا في أجهزة للدولة، هذه السياسة التي تشكل احدى الركائز الأساسية للسياسة الداخلية للعائلة المالكة. وتمارس العائلة المالكة سياسة القمع الهمجي للتحركات السلمية في هذه المناطق وتقوم بحملات اعتقالات مستمرة للنشطاء السياسيين. ومما لا شك فيه أن هذه الحركات الاحتجاجية بدأت تأخذ منحى طائفيا، وذلك بعد السياسة الطائفية التي تتبناها العائلة المالكة في السعودية في العراق وسوريا وكذلك موقفها من ايران وخاصة بعد توقيع الاتفاقية بين الدول الست الكبرى وايران حول البرنامج النووي الإيراني. وفي نفس السياق فان السياسة التي تتبعها السعودية في اليمن في دعمها للمجموعات الإرهابية قد يفتح الباب أمام تحركات القبائل في المنطقة الجنوبية والتي تنحدر من أصول يمنية وما زال هنالك ارتباطات لهذه القبائل مع اليمن. وقد سبق وأن دخلت عناصر من الحوثيون الى الأراضي السعودية قبل سنوات واحتلت تلة ضمن أراضيها، ولقد أخذت القوات السعودية ما يقرب من الأسبوعين للتمكن من طردهم من أراضيها، ولقد ذهب البعض حينئذ بالقول أن القوات السعودية قد طلبت من وحدات من الجيش الاردني لمساعدتها بعدما فقدت قواتها البرية عددا كبيرا في مجابهة ما يقرب من مئتي عنصر من الحوثيين. وكان تصرف الحوثيين هذا ردا على مساعدة السعودية لنظام علي عبدالله صالح في حربه ضد الحوثيون. وتسعى السعودية الى بناء جدار فصل في بعض المناطق الحدودية مع اليمن شبيه بجدار الفصل العنصري الذي أقامه الكيان الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، والاغلب ان شركات إسرائيلية ستقوم بتنفيذ المشروع السعودي. هنالك خطر اخر يتهدد التسلط الشديد للعائلة المالكة في الداخل السعودي، وهو الخطر الاتي من فئة اجتماعية آخذة بالتنامي وهي فئة الشباب وخاصة مع انتشار وسائل الاعلام الاجتماعية التي سهلت عملية التواصل، والتي اثبتت نجاعتها في التنظيم والتحشيد للحركات الاحتجاجية الشعبية في مصر وغيرها من الدول، والتي كان الشباب عنصرا أساسيا فيها لسهولة شبكات التواصل الاجتماعي. وقد نستدرك أهمية هذا الخطر عندما ندرك بأن حوالي 65% من سكان السعودية هم دون سن الثلاثين وعلى أن ما يقرب من 80% من العاطلين عن العمل تتراوح أعمارهم ما بين عشرين وأربعة وثلاثين عاما على حسب المصادر الرسمية السعودية والتي أوردها كبير الباحثين ببرنامج الشرق الأوسط فريدريك ويري في مؤسسة ميدل ايست كاونسل. والأخطر من ذلك هو عدم وجود أية خطة لتطوير اقتصاديات المملكة لاستيعاب جزء على الأقل من هذا الكم الهائل من العاطلين عن العمل، وخاصة أن نسبة السعوديين العاملين في القطاع الخاص لا يتجاوز 6.5% على حسب الاحصائيات الرسمية كما ورد في الدراسة السابقة. وعلى الرغم من أن جيل الشباب قد لا يشكل في المرحلة الراهنة خطرا على الوضع القائم في البلاد، الا ان هذه القوة الاجتماعية آخذة بالتشكل والامتداد الافقي على مستوى المملكة مستفيدة كما ذكرنا من مواقع التواصل الاجتماعي للتواصل فيما بينها متخطية الحدود الجغرافية والانقسامات في الداخل السعودي. وهذا التحرك في المجتمع السعودي يقابله تحرك جيل الشباب داخل المؤسسة الملكية الحاكمة في البلاد وهنالك الكثير من الاخبار التي تشير الى حالة تململ واضحة بين الأجيال الشابة من بنية الحكم القبلية المتخلفة وعدم الانفتاح على العصر، وخاصة في القضايا والقوانين والأعراف الاجتماعية التي تحكم المجتمع السعودي، المستندة الى الفكر الوهابي المتزمت والمتخلف. ومن الواضح أن العائلة المالكة مدركة تماما لهذا الخطر القادم الذي زادت من جديته التحركات الشعبية العارمة التي شهدتها عدد من الدول العربية والتي شكل عنصر الشباب القوى المحركة الرئيسية لها والتي كان من نتيجتها سقوط أنظمة أكل الزمان عليها وشرب. نحن لسنا من الذين يعتقدون أن التجارب يمكن نسخها بشك ميكانيكي، نظرا لوجود فوارق وخصوصيات لكل بلد، ولكن من المؤكد أن هناك العديد من الأمور والتجارب التي من الممكن الاستفادة منها والبناء عليها بما يتناسب مع خصوصيات البد المعني. ولقد عمد النظام السعودي على اتخاذ عدة إجراءات وذلك في محاولة كسب هذ الفئة الاجتماعية الصاعدة والتي يمكنها أن تلعب دورا هاما في عملية التغيير الذي لن يكون بالضرورة متناغما مع سياسة العائلة المالكة. فقد عمد النظام السعودي لصرف المنح والمعونات أو ما يسمى "بالمكرمة الملكية" (فما زال الملك وحواشيته من العائلة المالكة يعتبرون أنهم يملكون كل خيرات البلد، وان يعطوا الغير فأنهم يعطونهم من أموالهم) للكثير من الشباب العاطل عن العمل وما أكثرهم حتى يتمكنوا من شراء بيوت والتأهل. ولقد أخذت هذه الخطوة بعد اندلاع التحركات الشعبية العارمة في الدول العربية رافعة شعار الحرية والعدالة الاجتماعية. ولا شك ان صرف "المكرمة الملكية" أتى في محاولة لامتصاص النقمة وتحييد هذا القطاع الاجتماعي العريض المحروم من خيرات بلاده المسروقة. هذا وقد اتبع النظام السعودي منذ سنوات عدد من الاجراءات خلال السنوات القليلة الماضية لنفس الغرض. فلقد عمل على ارسال الالاف من الشباب والشابات السعودي الى الخارج للدراسة مع التكفل بجميع النفقات التعليمية والحياتية والصحية للعائلات بأكملها، والذين بين الحين والأخر يتسلمون " المكرمة الملكية" بالإضافة الى المخصصات المالية التي تصرف لهم شهريا، وذلك لشراء ولائهم. وكم ذكرت سابقا في احدى المقالات فان شراء الذمم والولاءات للأفراد او المجموعات أو الدول بدفع الأموال هي سياسة سعودية راسخة بأمتياز وتشكل ركيزة أساسية في التعامل مع الغير. ولقد صدر مرسوم ملكي أيضا بزيادة أجور العاملين في قطاع الدولة لنفس الغرض. أما الجانب الأكبر والأكثر حظا في صرف الأموال الملكية فقد كانت الدوائر الأمنية والتي أريد منها تكثيف العمليات الاستخباراتية في الداخل السعودي وذلك لوأد اية تحركات اجتماعية في مهدها. الى كل هذا تعمد الوسائل الإعلامية السعودية من التهويل من الخطر الشيعي في البلاد واثارة النعرات الطائفية واستخدامها كغطاء لسياسة القمع التي تنتهجها سلطات الامن السعودية والدولة سواء في الداخل كما هو الحال في المنطقة الشرقية للبلاد أو الخارج كما حصل عند التدخل لقمع المظاهرات والحركة الشعبية الاحتجاجية في البحرين بأرسال قوات سعودية هناك. في الختام نود أن نؤكد ان المنطقة بأكملها مقبلة على تغيرات جوهرية على جميع الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية، وأن رياح التغيرات المرتقبة تعصف بدول المنطقة ولو بدرجات متفاوتة في الحدة، لكن المؤكد أنه لم يعد أحدا لديه المناعة من هذه التغيرات والسعودية ليست استثناء لهذا ولن تكون. بالإضافة أن السياسة الهوجاء والغير حكيمة والصدامية التي تسلكها في المنطقة والاقليم لا بد أن ترتد عليها وربما بشكل عنيف وأقرب من المتوقع. أما ما ستؤول عليه الأحوال ومتى هذا ما نتركه للأشهر القادمة لتجيب عليه.