2026-09-14 11:39 ص

بعد ثلاث سنوات: لماذا انتفت الثورية من " الربيع العربي"؟؟ التجربة الاشتراكية انموذجاً..

2013-12-28
بقلم : محمد بكر
المدقق في كل ماجرى تصنيعه على الساحة العربية الذي تم تأطيره في إطار " الثورة" والحراك " الثوري" يكاد يصاب بالصدمة والحيرة لجهة أن كل الشعارات البراقة من حرية وتعددية وعدالة اجتماعية قد ذهبت أدراج الرياح, تلك الشعارات التي أصيبت في مقتل مرتين, المرة الأولى عندما استجلب ذلك الحراك تياراً وحيداً إلى الواجهة السياسية ومراكز صنع القرار وهو تنظيم الأخوان المسلمين, والمرة الثانية كانت مع سقوط المشروع الامبريالي – الأخواني في مصر وتالياً ماطغى على المشهد السياسي من اراتدادات وتداعيات لذلك السقوط شوهت الحراك واستولدت ذلك العنف الفريد والارهاب الأعمى والفكر التكفيري وتلك التوتاليتاريا الفظة لدرجة أن الغرب الذي بارك وصفق وهلل لتلك الثورات (وهي علامة فارقة في ملامح الثورات العربية) هو نفسه اليوم من ينادي بضرورة توحيد الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب معتبراً ذلك من الأولويات المقدمة على جميع القضايا الأخرى. 
إذاً لماذا كان الربيع العربي " بدعة " ولم يكن حراكاً ثورياً على الإطلاق؟ للإجابة على هذا السؤال نستحضر التجربة الاشتراكية " ثورة البروليتاريا" ( طبقة العمال والكادحين) التي أطاحت بالنظام الرأسمالي, بوصفها نموذجاً يمكن البناء عليه, تلك التجربة الجديرة بالدراسة في كافة مراحلها ابتداءً من الاشتراكية الطوباوية التي آمن مناصروها بالطريق السلمي والإصلاحي للوصول إلى التغيير مروراً بمدرسة كارل ماركس وفريديريك انجلس التي أرست قواعد الثورة الاشتراكية كسبيل وحيد للانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية, وصولاً إلى الثورة الاشتراكية في روسيا عام 1917 التي كانت الباعث لنشاط الحركة العمالية في أوروبا وأمريكا فغدت المظلة الجامعة للحركة الشيوعية العالمية والمحرض لاستيلاد الدولة الاشتراكية الأولى في العالم "الاتحاد السوفييتي" في العام 1924 , تلك الثورة التي تحول فيها فلاديمير لينين إلى قائد وزعيم للبروليتاريا الروسية والعالمية .
يقول ماركس وأنجلس:1 - لكي تكون البروليتاريا قوية بما فيه الكفاية ولكي تستطيع إحراز النصر ينبغي أن تنشئ حزباً سياسياً خاصاً بها يشكل طليعة الطبقة العاملة ينظمها ويقودها وكذلك دعا لينين, فكان الحزب الشيوعي هو الحزب القائد للنظام الاشتراكي , ولعل بروليتاريا باريس التي قامت بأول ثورة بروليتارية في عام 1871 وأسست دولة الكادحين ( كومونة باريس) تعد من الأمثلة الواضحة التي تبين أهمية تواجد الحزب القوي والفاعل في بنية أي حراك ثوري فعلى الرغم من قدرتها على تحقيق الانتقال النوعي إلى مجتمع جديد لكنها أصيبت بالهزيمة نتيجة غياب الحزب القوي الذي ينظم الجماهير, ولعدم ارتباطها بالجماهير الفلاحية, وكذلك أدرك البابيفيون (نسبة إلى بابيف زعيم الحركة الفلاحية الثورية) الذين شاركوا في الثورة البرجوازية الفرنسية الكبرى في العام 1789 أن تلك الثورة لم تقض على أشكال الاستغلال بل غيرتها فقط فكانت دعوتهم حاضرة لضرورة إشعال ثورة جديدة تحل محل الثورة البرجوازية يستولي فيها الشعب على السلطة وينظم " مجتمع المتساوين" . 
2- إن الوصول للمجتمع الشيوعي ليس هدفاً بل وسيلة من أجل تحرير إنسان العمل من الرأسمالية والاستغلال.
- من الأسس الأخرى للاشتراكية أن الحركة العمالية الثورية تسعى لإنشاء جبهة نضال موحدة إضافة إلى إيمانها المطلق بأن وحدة القوى الثورية تشكل الضمانة الأساسية لنجاح التحرر والتقدم. 
مبادئ وأسس عديدة أرستها الاشتراكية العلمية في نضالها ضد الرأسمالية والامبريالية ولعل الابتعاد عن تلك الأسس إضافة لجملة من العوامل الخارجية التي حاكتها الامبريالية العالمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة كانت من العوامل الرئيسة لانهيار الاتحاد السوفييتي في العام 1991.
وبإسقاط سريع لما تم ذكره آنفاً على ماسمي بالثورات العربية تزدحم العديد من الأسئلة في ذات السياق, أين الحزب القائد للحراك العربي في الدول التي لفحتها " رياح التغيير" المنبثق من الشعب والذي يقود الجماهير وينظم نضالها ضد الاضطهاد والاستغلال والفساد؟ أين هي شخصية الزعيم ولمسات القائد الذي يرتبط حضوره وتتلازم شخصيته مع الثورة لدرجة أنه وبمجرد ذكر تلك الثورة تفيض الذاكرة مباشرة بمآثر قائدها ومفجرها؟ ولو سقنا هنا افتراضاً بأن جماعة الأخوان هي بمنزلة الحزب القائد للحراك في مصر وتونس فلماذا كان ذلك السقوط المتسارع بعد مرور عام فقط على وصولها لسدة الرئاسة في مصر؟؟ ولماذا هذا الغضب الشعبي المتنامي في تونس من ممارسات حركة النهضة الأخوانية؟؟ هل كانت عملية أخونة الدولة في مصر وسيلة للوصول إلى الحرية والتعددية أم غاية واضحة المعالم لم تنتصر مطلقاً لقيم الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية بل أعادت إنتاج النظام الاستبدادي السابق؟؟ أين وحدة القوى الثورية في الحراك العربي وهل ثمة آثارٌ لجبهة نضال موحدة؟؟ وإن توحدت " إعلامياً" في إطار المجالس والائتلافات إلا أنها ذات طبيعة تنافرية تختلف تماماً لناحية الايديولوجيا والمعتقدات , انظر إلى ذلك الكوكتيل العجيب الغريب وتلك الانقسامات الفريدة في بنية "المعارضة " السورية , " فالجيش الحر" لايعترف بالمجلس الوطني ولا بالائتلاف, وهذا الأخير يغرد وحيداً خارج الاثنين, أما "النصرة " و" داعش" فيكفرون الجميع وعلى استعداد لقطع رؤوس كل هؤلاء لو ظفروا بهم وبالطبع مع "التكبير" , هل انبثق هؤلاء من رحم آلام ومعاناة الشعب و" ثاروا معه" نصرةً لمطالبه وإرادته؟؟ أم أصبحت "الثورات " بحلة جديدة تدار من خارج الحدود ومن ردهات الفنادق والقصور؟؟ البعض يرد ليوصف الحدث ويتستر على الأخطاء قائلاً : إن ذلك مخاض طبيعي لأي ولادة جديدة , نقف هنا لنسأل : أما آن لهذا المخاض الطافح بفوضى " كونداليزا رايس" أن ينتهي وقد شارف على الدخول في عامه الرابع؟؟ نعم إنها ولادة جديدة , لكن لمشهدية جديدة من الحرب الباردة يعيد فيها التاريخ رسم نفسه في لوحة أممية جديدة يعاد فيها إنتاج تموضعات جديدة ومحاورجدد. 
* كاتب سياسي فلسطيني مقيم في سورية
mbkr83@hotmail.com