2026-03-13 11:57 م

خمسون كيلوغراما من المواد المتفجرة وضعت حدا لحياة عنوان من عناوين الاعتدال في لبنان

2013-12-28
بيروت/هي عملية إرهابية «نموذجية» في تخطيطها الدقيق وتنفيذها عالي المستوى في خدمة أهداف أصحاب القرار، سواء في اختيار «الضحية النموذجية» أو التوقيت أو المكان، في ظل مناخ التوتر السياسي السائد في لبنان بارتداداته الطائفية والمذهبية، كما في لحظة احتدام وشد حبال اقليمي ودولي، لبنان ليس بعيدا عنها. 
الضحية: محمد شطح، المثقف، الخبير الاقتصادي الذي عرفه صندوق النقد الدولي من الداخل، ثم مصرف لبنان المركزي، ووزير المال في مرحلة غاية في الحرج، المعارض أو الموالي، الدمث والعلماني الذي طالما رفض التطرف والبيانات التي تشابه صيحات الحرب، والرجل الذي ظل حريصاً على علاقاته مع «الطرف الآخر»، وحاول أكثر من مرة أن يلعب دوراً في التقريب بين الطرفين المتخاصمين، ولو على قاعدة الحد الأدنى من التفاهمات. 
محمد شطح ابن طرابلس الذي تجتمع فيه عائلاتها الأبرز، آل كرامي وآل ميقاتي والذي بقي وفياً لها مع أنه غادرها مبكراً، ولم يعد إليها إلا في مواعيد متباعدة. 
الهادئ داخل عصبة الهائجين المهيجين، الرصين وسط مجموعة يغلب على بعض أعضائها التطرف فلا يتورعون عن استخدام الطائفية والمذهبية كسلاح من أجل تحقيق غرضهم السياسي... لذا كان يحضر صامتاً التزاماً بالخط العام للتجمع السياسي الذي ينتمي إليه، ووفاءً لمن اكتشفه ودفع به إلى الحلبة السياسية: الرئيس الراحل رفيق الحريري. 
هي عملية إرهابية «نموذجية» في توقيتها، إذ تم تنفيذها عشية انعقاد المحكمة الدولية، فانبرت أصوات في «14 آذار» تطالب بإحالة الجريمة الجديدة إلى المحكمة الدولية، مع التشديد على الاتهام الفوري لـ«حزب الله» بارتكابها، والتذكير بأنه لم يسلّم من وُجّهت إليهم الاتهامات من عناصره متحدياً بذلك القضاء الدولي. 
ولقد توالت تصريحات أقطاب «14 آذار» كما الذين في صفوفها الخلفية وهي توجه اتهاماً مزدوجاً، كما في حالات مشابهة، إلى النظام السوري و«حلفائه اللبنانيين» وأولهم «حزب الله».. وقد تجاهلوا، وبشكل مقصود، مواقف الاستنكار والإدانة التي صدرت عن «حزب الله» فور وقوع الجريمة. وكان لافتا للانتباه توالي الدعوات الى «حكومة أمر واقع» ولو كانت لها مسميات مختلفة وآخرها «حكومة 14 آذار» الصافية التي نادى بها قبيل منتصف ليل أمس أحد أبرز قادة «14 آذار». 
لماذا محمد شطح؟ 
لماذا هذا الرجل الهادئ ذو العقل الاقتصادي والخبرة المميزة، والذي حافظ على قدر من الود مع «الخصوم»، وهو ما مكّنه لأن يحاول ـ وأكثر من مرة ـ جمع ما تفرق، ولو على الحد الأدنى، من أجل التخفيف من حدة الخطاب الطائفي والمذهبي الذي بلغ حداً من الخطورة بما يهدد وحدة البلاد وشعبها.
قبل أن يباشر المحققون عملهم، كان فريق سياسي يسارع في توظيف اغتيال «الرجل الهادئ» الذي طالما أعمل عقله في صياغة مواقف معتدلة لا تقفل الباب أمام التلاقي أو أقله أمام التفاهم عن بعد، وعلى المشتركات الوطنية: الوحدة، ضرورة قيام حكم ائتلافي لمواجهة الظروف الخطرة التي تمر بها المنطقة وتنعكس على لبنان. 
ولعله كان أحد القلائل من جماعة «14 آذار» الذي أبقى خطه مفتوحاً مع بعض رجال «حزب الله» حتى الأمس القريب، فضلاً عن الرئيس نبيه بري وباقي مكونات «8 آذار»، وهو المؤمن بأن وظيفة الحوار مجدية مع من نختلف معهم وليس مع من نتفق وإياهم، وهي العبارة التي استشهد بها، ليل أمس، الرئيس سعد الحريري. 
بهذا المعنى، وضعت سيارة مفخخة بأكثر من خمسين كيلوغراما من المواد المتفجرة، حدا لحياة عنوان من عناوين الاعتدال والانفتاح والتلاقي في لبنان، فهل للجريمة وظيفة أكثر من أن تجعل المتطرفين أكثر تطرفا، والمعتدلين يحاولون الحفاظ على ذاتهم بالتطرف أيضا وأيضا؟ 
إنها لعبة كبيرة بالدم والنار، يتساوى فيها الجميع من الضاحية الجنوبية، إلى استهداف الجيش اللبناني في صيدا، مرورا بالسفارة الإيرانية والبقاع وطرابلس والشهيد حسان اللقيس ولعل الخشية الكبرى من ما بعد استهداف محمد شطح في وسط بيروت، لا بل في مربع أمني بامتياز وعند عتبات سعد الحريري ونجيب ميقاتي والسرايا الكبير؟ 
وفي انتظار ما ستبينه التحقيقات، تبقى علامات الاستفهام مرتسمة في سماء اللبنانيين الملبدة بالقلق والارباك وبالكثير من التساؤلات: 
من المستفيد من اغتيال محمد شطح الحواري والانفتاحي والمعتدل؟ 
اذا كان محمد شطح هو الهدف الحالي للقاتل، فما هي الاهداف التالية وهل يمكن أن يأتي الاغتيال بأكثر من التطرف ومن يخدم التطرف غير أعداء لبنان؟ 
من اين اتت السيارة المفخخة، وكيف وصلت الى المكان واي طريق سلكته، وهل يمكن أن نشهد صحوة قضائية وأمنية تجعل التحقيقات مفتوحة على كل الاحتمالات بدل أخذها في اتجاه محدد على جاري العادة منذ عشر سنوات حتى الآن؟ 
اذا صحّ وجود رابط ما، بين الجريمة وبين احد التنظيمات الارهابية بالنظر الى ما افيد عن سرقة السيارة الجانية من احدى قرى ساحل الشوف وإدخالها الى مخيم عين الحلوة من قبل شخصين ينتميان الى تنظيم إرهابي عنده سيرة حافلة، فهل ثمة من يتعاطى مع هذا الامر بعقل هادئ ام ثمة من ينبري للتكذيب والاتهام والتكفير كما حصل عبر احدى الشاشات اللبنانية ليل أمس؟ 
ما هو موقف الجهات الرسمية مما تكشف من وقائع حول سرقة السيارة اذا ثبت أنها هي التي استخدمت في التفجير وهل تنشر محاضر التحقيق مع بعض الموقوفين في سجون الدولة اللبنانية لجعل الأمور أكثر شفافية، حتى ولو جاءت النتائج عكس ما يشتهي هذا أو ذاك من السياسيين؟ 
هل يمكن القول إن هذا الاغتيال يشكل فاتحة لمرحلة سوداء من تاريخ لبنان، وهل هناك إرادة فعلية لتفجير استقرار لبنان، ولمصلحة من يراد ان يدفع لبنان فاتورة الدم بهذا الحجم وفي هذا التوقيت على أبواب المحكمة الدولية وانعقاد مؤتمر «جنيف 2» حول الازمة السورية، وهل يندرج هذا الاغتيال في سياق تحضير المسرح اللبناني لخطوات تؤدي الى تسليف هذا الطرف الاقليمي أو ذاك، ورقة من هنا أو من هناك، وصولا الى فرض وقائع جديدة ليس بمقدور لبنان أن يتحملها؟ 
قال سعد الحريري ان الاغتيال لن يمر، ملوحا بالتوقف عن المطالبة بحكومة حيادية بل يمكن ان يطالب بحكومة «14 آذار» صافية، لكن الحل برأي وليد جنبلاط يكون بحكومة وحدة وطنية جامعة، معتبرا ان «الذهاب الى حكومة «14 آذار» هو مغامرة لا معنى لها، خاصة وان العالم اليوم ليس مهتما بنا، وقد جربنا ذلك في ايار 2008 ولم ننجح وانقذتنا قطر، واما اليوم فلا احد ينقذنا ولا احد يحمينا ونصيحتي للسعودية بالحوار مع ايران لتخفيف الأضرار على لبنان».
عن صحيفة "السفير" اللبنانية