2026-09-14 03:26 م

الإرهاب واليمن ومن هو الإرهابي؟

2013-12-19
بقلم: يهيج سكاكيني
التصويت الذي تم في البرلمان اليمني مؤخرا بحظر الطائرات بدون طيار الامريكية باستباحة الأجواء والأراضي اليمنية في طلعاتها المتكررة التي تهدف للتصفيات الجسدية لعناصر تدعي الولايات المتحدة بأنها عناصر قيادية أو نشطة في تنظيم القاعدة وذلك ضمن ما يسمى بحربها على الإرهاب الذي أوجدته إدارة بوش الابن وتبنته إدارة أوباما، يضع الحكومة اليمنية ورئيسها في موقف لا يحسدون عليه. فاليمن ومنذ عهد الرئيس علي عبدالله صالح ما زالت مكبلة باتفاقيات مع الولايات المتحدة بهذا الشأن والذي يتيح للقوات الامريكية والمخابرات المركزية الامريكية التي تدير مثل هذه العمليات في اليمن كما في أفغانستان وباكستان، باستخدام الأجواء اليمنية لهذا الغرض، أو على الأقل أن لا تثير القيادة السياسية في اليمن ضجة إعلامية أو دبلوماسية عند حدوث ذلك. ويأتي تبني البرلمان اليمني لهذا القرار على خلفية العملية الأخيرة التي نفذتها المخابرات المركزية الامريكية والتي تم فيها قصف موكب زفاف يمني بطائرة أمريكية بدون طيار في مدينة رادع بمحافظة البيضاء والذي ذهب ضحيته ما يقرب من 17 قتيلا واصابة 30 اخرين بحسب المصادر اليمنية. ويأتي أيضا على خلفية حالة الغضب والغليان الشعبي على مثل هكذا عمليات إجرامية ترتكبها الولايات المتحدة، دون أن يكون هنالك ردود فعل رسمية قوية وإدانة واضحة لعمليات القرصنة الجوية، حيث تلتزم الحكومة الصمت في أغلب الأحيان او تقوم بتبرير هذه العمليات، مشيرة بان الجيش اليمني لا يمتلك الإمكانيات المادية الكافية للتصدي للبؤر الإرهابية لما يسمى "القاعدة في جزيرة العرب" والتي تتخذ من اليمن قاعدة لها. ومما لا شك فيه أن هنالك عدة عوامل تساعد في تواجد القاعدة في اليمن. ويشكل ضعف المقاومة لها عاملا أساسيا، هذا بالإضافة الى وجود البيئات الحاضنة لها التي تسهم القاعدة في ايجادها مستغلة حالة الفقر المدقع للعديد من اليمنيين وخاصة في المناطق النائية. كما ان التركيبة القبلية والولاء للقبيلة بدلا من الولاء للدولة يساعد في دعم العناصر القاعدية والتستر عليها ان لم يكن تقديم الدعم لها. يضاف الى كل ذلك التضاريس الجغرافية الصعبة في بعض المناطق اليمنية التي تشكل حاضنة جغرافية لمقاتلي القاعدة والتي يصعب الوصول اليها. وفي تقديري أن الحجج أو التبريرات التي تقدمها الحكومة او أعضاء منها فيما يختص بغض الطرف عن العربدة والقرصنة الجوية الامريكية في استباحة الأجواء والأراضي اليمنية بما يعني ذلك من استباحة السيادة اليمنية وذلك تحت يافطة مكافحة الإرهاب، هي سياسة خاطئة وتدميرية لان ذلك كما يثبت على أرض الواقع تؤدي الى مزيد من الضحايا الأبرياء وبالتالي السخط الجماهيري والذي يفتح مزيد من الفرص للقاعدة بتجنيد مزيد من الشباب اليمني الى صفوفها والى مزيد من عدم الاستقرار الأمني داخل اليمن. وما الهجوم الأخير الذي تم على مجمع وزارة الدفاع اليمنية وسط العاصمة الا دليل على ذلك. فمثل هذا الهجوم لم يكن وليد الساعة بل أتى نتيجة تخطيط وجمع معلومات لوجستية ساهم فيها العديد، مما يشير اما الى عملية اختراق للأجهزة الأمنية اليمنية أو على الأقل تواجد البيئة الحاضنة في داخل العاصمة التي سهلت الاقدام على مثل هكذا عملية جريئة ونوعية ارادت منها القاعدة اثبات ان يدها يمكن ان تطال أجهزة الدولة ليس هذا فحسب بل انها تستطيع ان تطال وزارة دفاع بعينها. ولليمن قصص مع الطائرات بدون طيار الامريكية كما هو الحال في أفغانستان وباكستان. فعلى حسب تقرير الأمم المتحدة الذي أشرف عليه بن ايمرسون والذي نشر مؤخرا، يشير التقرير الى ان أول استخدام لطائرة بدون طيار أمريكية في اليمن تم في 2 نوفمبر 2002 في عملية كانت تستهدف اغتيال يمنيا كان يعتقد أنه المسؤول عن التفجير الذي تعرضت له المدمرة الامريكية كول قبالة السواحل اليمنية. أما ثاني استخدام مؤكد لطائرة بدون طيار أمريكية في اليمن فقد تم في 5 مايو 2011، وذلك في محاولة اغتيال أو كما يروج له ب "قتل مستهدف" للداعية أنور اولكي الحامل للجنسية الامريكية واليمنية ولقد اثارت هذه العملية ضجة كبرى في الداخل الأمريكي حيث طرحت قضية استخدام الطائرات بدون طيار في عمليات التصفية الجسدية، ولكن طرحها كان من منظور عنصري محض، حيث تمحور النقاش حول شرعية وقانونية استخدامها لاغتيال شخص يحمل الجنسية الامريكية وليس من باب أخلاقية أو شرعية هكذا وسيلة واذا ما كانت الأعراف والمواثيق الدولية تسمح بقتل انسان دون اعطاءه فرصة الدفاع عن النفس وهو حق كفلته كل الأعراف والقوانين الدولية. ولقد حاولت إدارة أوباما تبرير استخدام هذه الطريقة للقتل المستهدف بتقديم عدة أسباب مثل استخدامها في الأماكن الصعبة والتي يتعسر الوصول اليها، او بالتكلفة المادية للوسائل الأخرى التقليدية أو الخطورة المصاحبة لها في حالة ارسال قوات للعمليات الخاصة، وكل هذه الأسباب بالطبع لا تمت الى الشرعية القانونية بشيء، مما دلل وبشكل واضح أن إدارة أوباما تقف وراء مثل هذه العمليات وتؤيدها الى أبعد حد. وكافة التقارير تشير بأن إدارة أوباما قد استخدمت لعمليات القتل اعدادا من هذه الطائرات يفوق بدرجات ما استخدم في عهد الرئيس السابق بوش. ليس هذا فحسب بل قامت ادارته بلوي ذراع القانون وإدخال تعريف جديد لمفهوم " التهديد الوشيك حدوثه" الذي يمكن أن يشكله الشخص وذلك لإعطاء مزيد من الحرية للإدارة في اتخاذ قرار التصفية الجسدية للشخص المعني بنفسها، فلم يعد من الضروري للجوء الى قضاة محايدين كما كان سابقا في عهد الرئيس بوش وذلك للاطلاع على المعلومات الاستخباراتية المتوفرة والحكم عما اذا كان التهديد وشيكا بالفعل وبالتالي اذا ما كان يحق للإدارة تنفيذ عملية القتل المستهدف أم لا. هذه هي الدولة التي تدعي الديمقراطية وتنظر على غيرها من الدول أن تحترم القضاء وتتعهد باحترام حقوق الانسان . وفي تقرير نشر منذ يومين لمنظمة "هيومن رايتس ووتش" اشير الى المجزرة التي ارتكبتها قوات البحرية الأمريكية عندما قصفت بصواريخ كروز تجمع قروي في قرية المعجلة في ديسمبر 2009 الذي أدى الى مقتل 41 مدنيا بالإضافة الى 12 من مقاتلي القاعدة كما ادعى التقرير. ولم تعترف الولايات المتحدة بهذه العملية ليومنا هذا، وما زال الاهالي يطالبون الحكومة اليمنية بالتحقيق في الحادثة ورفع دعاوي قضائية للمسؤولين عن هذه المجزرة. ويشير التقرير بأن المنطقة ما زالت تحتوي على القنابل العنقودية وهي المحرمة دوليا، وهذه تنفجر حال المساس بها. ويجب أن نذكر هنا بالقنابل العنقودية التي خلفتها قوات الجيش الاسرائيلي في الجنوب اللبناني في عدوانها على لبنان عام 2006 والتي ما زال اهل الجنوب وخاصة الأطفال والمزارعين يعانون منها، وهنالك اعداد كبيرة منهم قد فقدوا اطرافهم نتيجة تعرضهم لانفجارات هذه القنابل. وليس من سبيل الصدف أن يكون لبنان أشهر دولة في تصنيع الأطراف الصناعية وهذه حقيقة قائمة معترف بها عالميا في الاوساط الطبية. ويشير تقرير المنظمة الدولية بأن الولايات المتحدة قامت بتنفيذ ما يقرب من 83 عملية قتل مستهدف في اليمن منذ عام 2009، وأن هذه العمليات قد قتلت أكثر من 500 يمني أغلبهم من النساء والأطفال. مع كل هذه المجازر التي ترتكب بحق الشعب اليمني تحت ذريعة محاربة الإرهاب لم يعد ممكنا السكوت والتزام الصمت تجاهها أو التكتم عليه بحجة السرية والتحفظ على المعلومات كما تفعل الإدارة الامريكية التي تبقي شعبها وأعضاء الكونغرس ومجلس شيوخها جاهل لحقيقة ما يرتكب فعلا من فظائع بحق المدنيين الأبرياء على الحدود الباكستانية او في أفغانستان وكنا قد أشرنا لبعض ذلك في مقال سابق، أو في اليمن كما بينا هنا، تحت ذريعة محاربة الإرهاب. في النهاية، يجب أن لا ننسى أن هذا الإرهاب التي تتحدث عنه الولايات المتحدة هي من أوجدته ودربت عناصره الأوائل ورواده في أفغانستان والسعودية هي من ممولته ودفعت المليارات لتسليحه ورعايته ودعمه سياسيا واعلاميا، وهم معا من يستخدمونه لتحقيق أغراضهم ومصالحهم كلما دعت الحاجة لذلك، وخير دليل على هذا ما يحدث الان في سوريا التي جمع لها كل إرهابي العالم للقتال على أراضيها لتمزيقها. الارهاب العالمي استشرى وانتشر كالسرطان والفضل الأكبر يعود للأب الروحي متمثلا بالسعودية والفكر الوهابي التكفيري وبترودولاراته، ومن يريد أن يحارب الإرهاب فعلا، ها هو الإرهاب العالمي مجتمع في غالبيته على الأرض السورية فمن يريد قتاله فعليه أن يبادر بجمع الأطراف الإقليمية وربما الدولية التي تدعي محاربة الإرهاب، لمحاربته في جحره ووأده مساندة لما يقوم به الجيش العربي السوري منذ فترة طويلة.