2026-09-14 10:20 م

أفغانستان والاتفاقية الأمنية الثنائية مع واشنطن وزيارة قرضاي لإيران

2013-12-13
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
الزيارة التي قام بها الرئيس الافغاني حامد قرضاي الى ايران وذلك تلبية لدعوة نظيره السيد حسن روحاني منذ حوالي أسبوع تقريبا إكتسبت أهمية على الأقل من ناحية توقيت هذه الزيارة. فلقد أتت هذه الزيارة أولا: في الفترة التي تشهد فيها الدبلوماسية الإيرانية تحركا ونشاطا واسعا على الدول المجاورة بعد توقيع الاتفاقية المرحلية بين الدول الست الكبرى وايران حول برنامجها النووي، والتي تهدف ايران من وراءه فك طوق العزلة والعقوبات الجائرة التي فرض عليها، وإعادة اللحمة الى علاقاتها وخاصة الإقليمية منها مع دول الجوار. ومن هنا شهدنا في الآونة الاخيرة الزيارات التي قام بها وزير خارجية ايران الى بعض الدول الخليجية والتي شملت الكويت وقطر وعمان والامارات. وعلى الرغم من التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية الإيراني بشأن رغبته لزيارة السعودية الا انه على ما يبدو لم تنضج الظروف بعد لمثل هذه الزيارة، وذلك للمواقف السعودية المتشددة والرافضة لتوقيع الاتفاقية بالإضافة الى الموقف من سوريا حيث لا زالت السعودية تسعى لإسقاط النظام السوري بأي ثمن. وثانيأ: أتت الزيارة في الوقت الذي كان الرئيس قرضاي وما زال يتعرض فيه لضغوطات أمريكية بالتوقيع على الترتيبات التي تضمنتها الوثيقة الامريكية أو ما أطلق عليه الاتفاقية الأمنية الثنائية والتي تحدد طبيعة مهام للقوات الامريكية وعددها وفترة بقاء وجودها (2014) بعد انسحاب معظم القوات الامريكية والبالغ عددها ما يقرب من 47 الف جندي الى جانب انسحاب ما تبقى من قوات الناتو وذلك مع نهاية 2014. ومن المقترح أن يتبقى ما بين 8000 الى 12000 والاحتفاظ بتسعة قواعد عسكرية على الأراضي الأفغانية. وستتولى هذه القوات مهمة تدريب الجيش الافغاني ومهمة محاربة الإرهاب على الأرض الأفغانية. وعلى الرغم من الموافقة عليها من قبل مجلس زعماء القبائل (لوباجيركا) والذي يضم أكثر من 2500 من زعماء القبائل ورجال دين وممثلين عن المقاطعات والمناطق على مساحة الأرض الأفغانية، الا أن الرئيس قرضاي ما زال يرفض التوقيع عليها لغاية الان. ويعترض الرئيس قرضاي على تضمين الاتفاقية الحصانة القانونية للجنود الامريكيين وعدم خضوعهم للقانون المحلي الافغاني حتى في حالة ارتكاب الجنود الأمريكيين جرائم قد تصنف بأنها جرائم ضد الإنسانية، وتصر الولايات المتحدة على أن محاكمة أي من جنودها سيتم فقط أمام المحاكم الامريكية في أمريكا. وقد حاولت الولايات المتحدة تضمين هذا البند لاتفاقية مماثلة قبل الانسحاب من العراق، الا ان رئيس الوزراء نوري المالكي تمسك برفضه لبند الحصانة القانونية للجنود الأمريكيين المتواجدين على الأرض العراقية وكان هذا أحد الأسباب التي أدت الى عدم توقيع الاتفاقية مع الحكومة العراقية والانسحاب الكامل للقوات الامريكية من العراق. وهذا ما هددت به الولايات المتحدة الرئيس قرضاي، إما التوقيع قبل نهاية هذا الشهر واما الانسحاب الكامل للقوات الامريكية من أفغانستان وقطع الامدادات والمعونات العسكرية عن الجيش الافغاني، وذلك في محاولة لإجباره على توقيع الاتفاقية. وقد يتساءل البعض لماذا لا يحذو الرئيس قرضاي حذو رئيس الوزراء نوري المالكي؟ وهو سؤال مشروع والاجابة على ذلك أنه من الناحية النظرية يستطيع أن يقوم بذلك. ولكن ما نود ان نشير اليه هنا أن أفغانستان ليست العراق. فالعراق وبالرغم من كل النهب لثرواتها من قبل الشركات الامريكية عندما كانت تحت الاحتلال أو بالعقود المجحفة والطويلة الأمد التي أبرمتها هذه الشركات مع الحكومات العراقية في العديد من المجالات وبمليارات الدولارات، فإنها، أي العراق، تمتلك مخزونا من البترول وبكميات كبيرة، اما أفغانستان فما زالت تعتمد اعتمادا كليا على المعونات الأجنبية، وقد بلغت هذه المعونات التي قدمت لها ما يقارب 60 مليار دولار وذلك منذ عام 2002 ، هذا وتعتزم الدول الغربية تقديم ما يقارب من 6 مليارات دولار سنويا بعد انسحاب القوات الامريكية وما تبقى من قوات الناتو. وهذا يعني ببساطة أن أمريكا هي التي تملك أوراق اللعبة، وكما قال أحد كبار المسؤولون الامريكيون " قد نبقى على خلاف، ولكن في نهاية المطاف نحن من لدينا القوات على الأرض". بمعنى أن أمريكا هي التي تحدد قوانين اللعبة. وكانت ان حذرت السيدة سوزان رايس مستشارة الامن القومي أثناء زيارتها لأفغانستان الشهر الماضي من أنه اذا لم يتم التوقيع على الاتفاقية في نهاية الشهر الحالي، فإن واشنطن ستضطر الى التخطيط الى الانسحاب الكامل لكل قواتها من أفغانستان. ومن هنا اكتسبت زيارة الرئيس قرضاي أهمية، لأنها تفتح الباب أمام تقارب إيراني أفغاني فيما يختص بالأمن في تلك المنطقة، وهذا ما يجب أن يفهم من تصريحات السيد حسن روحاني من أن أمن المنطقة تضمنها دولها وعلى أن ايران ضد تواجد أية قوات أجنبية في المنطقة، وهذا بالطبع كلام موجه للولايات المتحدة، وفيه تأكيد على الدور الإقليمي والمحوري لإيران، الذي يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار بالتحديد من قبل الولايات المتحدة. ولن يكون مستغربا أن تقدم ايران على تقديم المساعدات المادية والاقتصادية وحتى العسكرية الى الحكومة الأفغانية. قد لا تحل ايران محل الولايات المتحدة ولكن بالتأكيد ان هذا بحد ذاته يمكن أن يستخدم ويجير لصالح أفغانستان ويقلل من الضغوطات التي يتعرض لها قرضاي للتوقيع على الاتفاقية الأمنية الثنائية مع الولايات المتحدة. والذي يبدو أن الولايات المتحدة شعرت بذلك وهذا على ما يبدو قد شكل أحد الأسباب عن تراجع الولايات المتحدة عن السقف الزمني الذي حددته لتوقيع الاتفاقية من قبل الرئيس قرضاي وهو نهاية الشهر الحالي. فلقد ذكرت صحيفة الواشنطن بوست (11 ديسمبر) أن واشنطن قد تراجعت عن وضع حد زمني لتوقيع الاتفاقية الأمنية الثنائية واكتفت بالقول أنها يجب أن توقع في فترة قريبة دون الربط بسقف زمني محدد. بالإضافة الى ما ذكر يجب أن ننوه أن الرئيس كرازاي قد طالب بتعهد القوات الامريكية بوقف مداهمات منازل المواطنين ووقف الاستخدام العشوائي للطائرات بدون طيار والتي أدت الى مقتل العديد من السكان الأفغان دون تمييز، وذلك عند استهداف هذه الطائرات التي توجه من القواعد الامريكية المتواجدة في قطر عناصر من القاعدة في أفغانستان الذين وضعوا على لائحة التصفية الجسدية من قبل المخابرات المركزية الامريكية، وكما هو الحال في اليمن والقرن الافريقي، ضاربة بعرض الحائط كل الأعراف والمواثيق الدولية والسيادة لدول أعضاء في الأمم المتحدة. وقد قامت احدى المجلات الامريكية "ذي نيشن" بإصدار عدد خاص من المجلة في اكتوبر الماضي والذي صادف مرور 12 عاما على الحرب في أفغانستان تضمن تقارير موثقة عن المدنيين الأفغان الذين قتلوا على أيدى القوات الامريكية وقوات حلف الناتو في أفغانستان وذلك منذ عام 2001. ولقد تضمن العدد مئات من الوقائع والاحداث بشكل تفصيلي بالإضافة الى تقارير ومعلومات ميدانية عن هذه الوقائع، كما تضمن عددا من المقالات والتقارير التي تبين بشكل واضح اخفاق البنتاغون باتخاذ الخطوات أو اتباع السياسات العملية للتقليل من الضحايا في صفوف المدنيين. وتشير التقارير هنا عن ثلاثة مجازر خاصة ارتكبت من القوات الامريكية وقوات حلف الناتو وهي مجزرة عزيزأباد 22 اوغسطس عام 2008، ومجزرة قرية جرناي في مقاطعة فارا في 4 مايو 2009 والثالثة في كندوز في سبتمبر 2009 ومن خبر حرب فيتنام وغزو العراق يدرك جيدا أن ارتكاب المجازر بحق السكان المدنيين من قبل القوات الامريكية وعدم الاكتراث بالضحايا لا بل واسقاط الصبغة الإنسانية عنهم هو جزء لا يتجزأ من العقلية والثقافة العسكرية الامريكية. في النهاية نود أن نقول قد يكون من الصعب التكهن بما ستؤول عليه الحال بالنسبة للاتفاقية الأمنية الثنائية بين أفغانستان والولايات المتحدة، وقد يؤجل توقيعها الى ما بعد الانتخابات الرئاسية في أفغانستان المزمع اجرائها في الربيع القادم، ولكن ما هو مؤكد لنا أن الاهداف الرئيسية للولايات المتحدة من ابقاء بعض من قواتها في أفغانستان لا تمت بصلة الى تدريب القوات الأفغانية ومحاربة الإرهاب كما تدعي الإدارة الامريكية. فنحن وإن كنا لا نملك الفذلكات الفكرية والاسماء الرنانة في عالم السياسة، الا اننا لسنا أغبياء. ونحن نتساءل ببساطة الانسان العادي كيف يمكن ل 8000 ال 12000 أن ينجحوا في محاربة الإرهاب عندما فشل تواجد أكثر من 100000 من هذه القوات على الأرض الأفغانية من تحقيق ذلك طيلة 12 عاما خلت؟ وما هو الضمان لبناء قوات أفغانية عندما فشلتم في ذلك طيلة فترة احتلالكم لأفغانستان؟ واذا كان همكم هو إحلال الاستقرار في المنطقة فأين هي مجهوداتكم الدبلوماسية في جلب الأطراف المعنية الى طاولة الحوار؟ فباكستان ما زالت تدعم طالبان والهند تقوم بدعم التحالف الشمالي. وباكستان تتهم كل من الهند وأفغانستان بتهديد أمنها القومي وهكذا دواليك. أنتم تريدون موطىء قدم في هذه المنطقة الاستراتيجية لما تملكه من موقع يجعلها ذات أهمية جيوسياسية بامتياز، بالإضافة الى ما تمتلكه من خيرات وخاصة في الثروات المعدنية التي لم يتم استخراجها بعد والتي عرف عن وجودها مؤخرا. وهذا هو بيت القصيد.