2026-09-14 08:15 م

معلولا الجريحة

2013-12-09
بقلم: بهيج سكاكيني
هذه هي المرة الثانية التي تتعرض لها قرية أو ضيعة معلولا في أقل من ثلاثة أشهر لهجوم القوى التكفيرية، فقد هوجمت سابقا (سبتمبر الماضي) هذه القرية الوديعة والتي تحتوي على معالم مسيحية يعود تأريخها الى السيد المسيح عليه السلام والتي يتحدث معظم سكانها اللغة الآرامية القديمة قدم نشأت المسيحية، وهي تحتوي على العديد من الاديرة والكنائس القديمة المبنية في الصخر، والتي تستقطب ما يقارب الخمسة ملايين سائح سنويا. وهي تبعد عن العاصمة ما يقارب الستين كيلومترا وتقع مي منطقة جبال القلمون. والقرية ذات أغلبية مسيحية ولكن هناك عدد كبير من المسلمين من أهل السنة. لم نكن نريد أن نذكر الطوائف أو المذاهب لأننا لسنا من دعاة التفرقة فالوطن للجميع بغض النظر عن المعتقدات الدينية أو الطائفية او العرقية، ولكننا أردنا من ذكر ذلك الى تبيان أن احدى الأهداف من الذي حصل لهذه القرية هو إعطاء أو إضفاء الطابع المذهبي والطائفي للصراع الدائر وذلك لحرف الأنظار عن الصفة الحقيقية لطبيعة الصراع على أنه صراع سياسي بكل المقاييس وبامتياز أيضا. وأن المسيحين مستهدفين كما هم المسلمين ككل دون تمييز. والا بماذا نفسر الهجوم على دور العبادة من كنائس وجوامع وقتل المصلين بداخلها، وكذلك ذبح رجال الدين المسيحيين والمسلمين على السواء، أو خطفهم والاحتفاظ بهم كرهائن، وما زال مصير ومكان المطرانيين المخطوفين على سبيل المثال مجهولا لغاية هذه اللحظة مع أن هنالك تأكيد من عدد من الأطراف حول الجهة التي اختطفتهم. لو كان الصراع طائفيا او مذهبيا فبماذا نفسر الاجتماعات المكثفة بين الفئات الحاكمة في السعودية مع قادة سياسيين وعسكريين واجزة مخابرات الكيان الصهيوني. أو كيف نفسر تصريح أمير الإرهاب والقوى الظلامية بندر بن سلطان رئيس الاستخبارات السعودية بأن العدو ليست إسرائيل بل ايران؟ بل كيف نفسر الدعم المالي الذي قدمته وتقدمه السعودية لدعم الاحزاب اليمينية في الانتخابات في الدول الأوروبية أو تورط الأمير بندر بن سلطان مع CIA في نيكاراجوا في أمريكا اللاتينية واستخدام الأموال السعودية لدعم ما كان سمى بالكونترا وهو تجمع إرهابي لمحاربة الحكومة الساندانيستية الثورية المنتخبة هنالك. والان نشهد عملية اختطاف جديدة لئثنتا عشر من الراهبات من دير مار تقلا في معلولا من قبل جبهة النصرة المصنفة على لائحة الارهاب بعد السيطرة عليها من قبل هذه المجموعة الإرهابية والتي انضم اليها لاحقا مجموعات مسلحة أخرى تضمنت كتائب من "الجيش الحر"، "وجبهة تحرير القلمون" ،"ولواء الغرباء". ويقال أن عناصر قيادية من الجيش الحر تدخلت للتفاوض مع "زملاء السلاح" للافراج عن الراهبات المختطفات. ولا ندري كيف يصرح احد المسؤولين في المكتب الاعلامي للجيش الحر وبكل وقاحة ليعلمنا أن الراهبات لم يختطفوا بل نقلوا الى مكان آمن للحفاظ على سلامتهن، ونسي ان يخبرنا أن نفس الراهبات رفضن ترك الدير في الهجوم الأول على القرية بالرغم من حدة الاشتباكات. الذي يبدو أن هنالك خلط أوراق في تعريف الخطف، فقد اختلط الامر على الجيش الحر الذي لا يعرف أن اقتياد الانسان بالقوة ضد ارادته هو اختطاف فهو يرى ذلك من باب الحفاظ على ارواحهن. والأنكى من ذلك هو خروج السيد ميشيل كيلو من الائتلاف المعارض ليعلمنا أن الراهبات في مكان آمن عند أحد أصدقائه، وبالمثل يؤكد السيد جورج صبرا نائب رئيس الائتلاف أن العملية لا تشكل اختطافا. وفي اليوم التالي نقرأ في جريدة الشرق الأوسط أن "كتيبة أحرار القلمون" قد تبنت عملية الاختطاف وأنها تطالب النظام السوري بإطلاق سراح 1000 معتقلة من السجون السورية. وهذا الفصيل الذي كون على عجل على ما يبدو لخلط الأوراق، لم يسمع به أحد حتى الجيش الحر الذي يدعي بأنه حاور في سبيل إطلاق سراح الراهبات المختطفات. ومن ثم تأتي قناة الجزيرة قناة الفتنة والفبركات الإعلامية التي لم تعد خافية على أحد لتبث شريط فيديو الذي يبين أن الراهبات في صحة جيدة وعلى ما يبدو أنهن اجبرن على القول بأنهن لم يختطفن وأنهن انما أخذوا الى مكان آمن بسبب الاشتباكات. ومن يسمع الفيديو ويتابع ما قيل يدرك جيدا أن الراهبات ليس في وضع مريح ولا يستطيعوا الا القول بأنهم يعاملون بشكل جيد، وهذا يذكرنا بما قاله مخطوفي أعزاز قبل إطلاق سراحهم وما ذكروه بعد إطلاق سراحهم. ويكفي أن نشير هنا ان الصلبان قد اختفت عن رقاب الراهبات واللبيب من الإشارة يفهم. فالخاطفين لا يطيقون على ما يبدو رؤية الصليب وهم الذين تربوا على الغاء الغير وتكفيره بغض النظر عن دينه. ومن منا لا يذكر ماذا فعلت المجموعات التكفيرية قبل عدة سنوات عندما نشطت في الريف الجزائري حيث كانوا يقتلون سكان القرى عن بكرة أبيها الطفل والرضيع والمرأة الحامل وكبار السن من الرجال والنساء بحجة انهم كفرة. وبرروا قتل الأطفال لانهم عندما يكبرون سيكونون كفرة. وقد ذكر الاب مكاريوس ملوقة أمين سر بطريركية الروم الكاثوليك في دمشق أن "مسلحي النصرة حطموا كل صلبان الاديرة والكنائس باعتبار أن ذلك كفر" وفي مجمل تعليقاته على الفيديو الذي عرض قال " من الطبيعي أن يكون كلام الراهبات تحت الضغط وهن مجبرات على ذلك". ولو كان نقل الراهبات قد تم فعلا "لانقاذهن" من الخطر لكان على الخاطفين أن يقوموا بالاتصال بالبطريرك يوحنا العاشر اليازجي ويسلموه الراهبات ومن معهم، وعلى ما أظن أن ميشيل كيلو وجورج صبرا الذين يزعمان أن الراهبات لم يختطفن، ويقومون بتبرير العمل الإرهابي والاعتداء على الاديرة والكنائس وسكان القرية الآمنين، يعرفون رقم هاتف البطريرك وكان بإمكانهم الاتصال به. من الواضح ان اختطاف واحتجاز الراهبات وعدم إطلاق سراحهن سيستخدم كورقة ضغط على الحكومة السورية والرئيس بشار الأسد في محاولة لابتزاز سياسي أو عسكري لتحقيق بعض المكاسب من وراء ذلك. مع ادراك أن القرية ليس لها أية قيمة استراتيجية أو عسكرية، يتساءل الكثيرون لماذا يتم مهاجمتها والتعرض للاماكن المقدسة فيها والتي تعود في تاريخها الى العصر الأول المسيحي. ماذا سيجني هؤلاء المتوحشين من تدمير معالم تاريخية وطمس معالم ثقافية وحضارية وإنسانية. من المؤكد أن الاستهداف بالأساس هو استهداف لسوريا بكل مكوناتها الاجتماعية المتعددة والتي أغنت وميزت المجتمع السوري. أن الجرثومة التي نشأت وترعرعت في كنف الفكر الوهابي التكفيري، لا تعرف الا لغة تدمير الحضارة والمعرفة والثقافة لأنها لا تملك أي منها. وكل من يدافع عن أعمالها، أو يتواطأ معها بشكل مباشر أو غير مباشر، أو يحاول أن يجد تبريرا لهمجيتها وحقدها الدفين وممارستها التي تكفر الاخر وتحل دمه، يجب ادانته بشكل واضح وصريح.