2026-09-15 12:20 ص

الاستدارات والإرهاب المهاجر لجحوره

2013-12-06
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
المتتبع لما يدور في منطقتنا العربية وما حولها يستطيع أن يرصد حدثين ظاهرين على الأقل بشكل واضح على الساحتين الإقليمية والدولية. وهذه الاحداث إرتبطت أولا بالقناعة لدى الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة بفشل كل مخططاتها لتركيع سوريا وإسقاط النظام السوري بفضل الصمود الأسطوري للثالوث المقدس ممثلا بالشعب والجيش العربي السوري والقيادة السياسية وصلابة محور المقاومة والدعم الروسي والصيني بالتحديد، والتي بمجملها أوجدت القناعة بأن الحل الوحيد هو الحل السياسي ومن هنا جاء مؤتمر جنيف 2 المزمع عقده في 22 يناير القادم والذي تجري الاتصالات والتحضيرات لعقده في موعده المحدد على الرغم من تقديرنا أن انعقاده بحاجة الى أعجوبة ضمن الواقع الحالي ولكن هذا ليس موضوعنا هنا. وثانيا ارتبطت هذه الاحداث بتوقيع الاتفاق بين الدول الست الكبرى وايران حول الملف النووي الإيراني وما أحدثه من نوع من الانفراج النسبي على الساحة الدولية وتراجع السياسة العدوانية الامريكية ولو بالحد الأدنى وسقوط الرهانات على التدخل العسكري الأمريكي في سوريا وايران. أما الحدث الأول فهو الإستدارات والتغيرات في المواقف التي بدأنا نشهدها لبعض دول المنطقة والدول العالمية، وذلك نتيجة للقراءة المتأنية للمتغيرات التي طرأت على الساحتين الإقليمية والدولية. ولقد أشرنا في مقال سابق حول التصدع السياسي في دول مجلس التعاون الخليجي، وكيف أن بعض هذه الدول بدأت بالتمرد والخروج من تحت العباءة السعودية خوفا من الانجرار وراء مواقف قد تؤدي الى تضرر مصالحها الأمنية أو الاقتصادية أو السياسية في منطقة الخليج. وقد انعكس التباين في المواقف ومدى الإستدارات لهذه الدول من ايران والاتفاقية حول برنامجها النووي، بالإضافة الى الموقف من مؤتمر جنيف والنظام السوري. فقد قامت بعض الدول الخليجية عبر الوسطاء بإرسال الرسائل السياسية الى القيادة السورية حول إعادة تموضعها بالنسبة للازمة السورية وهذا ما حدث على سبيل المثال في الجهود التي بذلت من قطر لاطلاق سراح المختطفين اللبنانيين في أعزاز وزيارة وفد قطري مؤخرا للاجتماع مع الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في بيروت. أما الكويت فقد شدد وزير خارجيتها منذ فترة قريبة في مؤتمر صحفي مع نظيره الروسي لافروف بضرورة الحل الازمة السورية عبر بوابة جنيف والحوار بين الأطراف السورية. أما تركيا التي أخذ على عاتقه رئيس وزرائها أردوغان اسقاط الرئيس بشار الأسد، وقام بفتح الحدود التركية البرية والجوية لتهيل دخول الارهابيون والتكفيريون الذين زج بهم من كل بقاع العالم، وتوفير العم اللوجيستي لهم من داخل الأراضي التركية، وإدخال الأسلحة بما فيها الأسلحة الكيماوية عبر القرى والبلدات التركية الحدودية الى الداخل السوري، بالإضافة الى تقديم الدعم السياسي والإعلامي للمعارضة المصنعة في قطر وتركيا، هذا عدا عن الحرب الاقتصادية التي شنها لتدمير ونهب المصانع في حلب وغيرها من المدن، والتي فككت أجهزتها وبيعت وجمعت في تركيا، والسماح بإدخال البترول والمحاصيل الزراعية والتحف والقطع الاثرية التي نهبت من قبل "مقاتلي الحرية" بالتنسيق مع المافيا والعصابات  المحلية الدولية (كما كان الحال عند احتلال القوات الامريكية للعراق عام 2003). هذا السلطان العثماني الجديد حول السياسة الخارجية التركية من سياسة "تصفير" المشاكل مع دول الجوار، الى خلق المشاكل مع دول الجوار ممثلة بسوريا والعراق وايران وان تكن بدرجات متفاوتة، نراه اليوم وقد هده الهم من مشاكله الداخلية أيضا وخاصة التراجع الواضح لشعبية حزبه في الساحة الداخلية التركية بعد احداث تكسيم واستمرار المظاهرات المناوئة لسياسته الداخلية والخارجية. السلطان العثماني الجديد بدأ بالاستدارة نتيجة العوامل التي ذكرناها سابقا. فها هو وزير خارجيته اوغلو يحاول جاهدا لإعادة عجلة التاريخ الى الوراء في زياراته لكل من العراق وايران مستخدما الكلام المنمق، وفي خطوة غير مسبوقة يقوم بزيارة الأماكن الدينية المقدسة لدى الشيعة، ويمتدح حسن الجوار ويريد إعادة العلاقات الطيبة مع البلدين. ويهم أردوغان لزيارة بوتن والاجتماع معه ويؤكد على ضرورة الحل السياسي للازمة السورية بعدما عجز ويأس من اسقاط الأسد السوري. أردوغان يريد أن يحتفظ بدور لتركيا في الحل للازمة السورية بدلا من أن يلقى على قارعة الطريق. وهو يسعى اما بتحقيق بعض المكاسب ام أمكنه ذلك أو على الأقل التقليل من الخسائر التي قد يمنى بها. ونحن نشكك في إمكانية حصوله على اية مكاسب، وذلك لانه قام بحرق كل الأوراق بما يخص سوريا، ولم يترك خط رجعة أو الاحتفاظ بشعرة معاوية كما يقولون. الم يكن هو من قال وكاه ثقة في البداية "يجب على أحدنا الذهاب، إما أنا أو هو ( المقصود هنا طبعا الرئيس بشار الأسد). للأسف يا سيد اردوغان إن الأسد باق كما يؤكده الكثير من الخبراء والمحللين، ولذلك عليك بالرحيل إن كنت من الذين يحترمون قوانين اللعبة ويحترمون كلامهم. أما الحدث الثاني الملاحظ هذه الأيام فهو القلق الشديد والارق الي بدأت تبديه الكثير من الدول التي اما أن تكون قد غضت الطرف عما كام يدور على أراضيها من عمليات وإجراءات لتجنيد الشباب وشحنهم مذهبيا والقيام بتدربهم على السلاح وتسهيل عملية ذهابهم الى الداخل السوري للقتال تحت شعارات "الجهاد" و "محاربة الكفرة" و "الخوارج" و "الشيعة " و"المجوس" وغيرها، أو الدول التي شاركت بكل طاقاتها وامكانياتها المادية والسياسية والإعلامية وتسخير علاقاتها التاريخية مع المجموعات الإرهابية التي تنتمي الى القاعدة، سواء المتواجدة على أراضيها أو في اليمن أو الشيشان أو أفغانستان أو المغرب العربي وغيرها من الأماكن بمن فيها من بعض الدول الأجنبية والغربية. والذي نراه اليوم ونسمعه أو نقرأه عبر وسائل الاعلام المختلفة ما يدل عل ارتعاد فرائص الأجهزة الأمنية لهذه الدول مما قد تسببه عودة بعض عناصر هذه المجموعات الإرهابية بعد ما اكتسبت الخبرات العملية والميدانية على استخدام العديد من الأسلحة بجانب المتفجرات واعداد العبوات المتفجرة والاحزمة الناسفة. هذا بالإضافة الى تبنيها أفكارا غريبة كليا عن المجتمعات التي كانوا يعيشون بها. الأفكار التي تكفر الغير، والمسلم قبل المسيحي وتحلل دم الاثنين. ولنا في تفجير المساجد وقتل المصلين بداخلها اثناء أداء الشعائر الدينية، وقتل والائمة ورجال الدين من المسلمين والمسيحين، وهدم دور العبادة من الجوامع والكنائس كما حصل في معلولة، واختطاف رجال الدين وذبحهم بالسكاكين أو الاحتفاظ بهم كرهائن بمن فيهم الراهبات، وأكل الأعضاء البشرية بعد ذبح الخصوم. كل هذه الاعمال الوحشية والبربرية التي لم يشهد التاريخ مثلا لها، لا بد أنها بدأت تورق وتقض مضاجع جميع أجهزة الأمن لدول العالم دون استثناء وخاصة تلك الدول التي قدم منها هؤلاء القتلة الارهابيون. ولن نستغرب اذا ما اطلقت الصيحات للتعامل مع هذه الظاهرة بتضافر الجهود العالمية لمحاربة الارهابيون قبل أن يخرجوا من سوريا ليعودوا الى ديارهم. فمع الانتصارات التي يحققها الجيش العربي السوري وبدء العد العكسي لمؤتمر جنيف، بالإضافة الى الاقتتال مل بين المجموعات الإرهابية فيما بينها، بدأت بعض العناصر الإرهابية بترك سوريا للعودة الى أوطانهم. والاخبار التي وردت من الحدود التركية مؤخرا تشير الى أن المجموعات الإرهابية التي تسيطر على جانب من الحدود التركية وخاصة الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام تقوم بإعدام الرهابيين الفارين من الداخل السوري. وللتدليل على بعض هذه المخاوف فقد أشارت بعض الصحف الصادرة في بريطانيا أن ضابطا بارزا في شرطة لندن قد صرح بان هنالك مؤشرات على ان الشبان البريطانيين العائدين الى بريطانيا من سوريا قد تلقوا تعليمات من عناصر من المتشددين على صلة بتنظيم القاعدة لتنفيذ هجمات على أرضي المملكة المتحدة، وحذر الضابط من ان لندن تواجه تهديدا جديدا للإرهاب جراء مشاركة شبابها مع المئات من المتطرفين بالقتال الدائر في سوريا. أما قائد وحدة مكافحة الإرهاب في شرطة لندن ريتشارد والتون فقد نسبت صحيفة ايفننغ ستاندادر له " ان التهديد الإرهابي الان هو اسواء من أي وقت مضى جراء استعداد المراهقين المتطرفين وغيرهم من المقاتلين البريطانيين للعمل بموجب أفكارهم المتطرفة بعد عودتهم الى المملكة المتحدة". وقد ذكر بان الشرطة قامت باعتقال 400 شخص بعمليات متعلقة بالإرهاب وذلك خلال العامين الماضيين ووجهت تهما بالإرهاب الى 80 منهم. أما في المغرب فقد صرح وزير العدل والحريات المغربي، مصطفى الرميد في 2 ديسمبر/كانون الأول وذلك في مؤتمر صحفي بالعاصمة الرباط " أخطر ما يتهددنا أن يذهب أشخاص، ولا أقول عشرات، بل بالمئات الى سوريا. ماذا سيفعلون بعد نهاية الصراع في سوريا؟ من يضمن لي أنه اذا عاد 100 منهم للمغرب الا ينفذ أحدهم عملية إرهابية. أما في استراليا فقد قامت الشرطة مؤخرا بتوقيف شخصين في سيدني للاشتباه بضلوعهم بتجنيد شباب استراليين وارسالهم للقتال في سوريا، ويذكر أن هنالك مئات الاستراليين الين يقاتلون في جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام. وما ذكرناه هنا من أمثلة وتصريحات كان على سبيل المثال وليس الحصر. لم تبدي الدول العربية أو الغربية أية اهتمام بظاهرة الإرهاب المتعلقة بشباب هذه الدول الذين توجهوا "للجهاد" على الاراضي السورية وخطورة هذه الظاهرة، فقد كانوا على يقين في بداية الاحداث ان النظام السوري سيسقط في غضون أيام أو أسابيع معدودة، ولم يخطر في بال أحدهم أن الرياح قد تجري بما لا تشتهي سفنهم، وانهم سيلدغون يوما من الافاعي التي قاموا بوضعها في الجحر السوري. أما وقد اقتنع العالم بأسره الان استثناء الثنائي الإسرائيلي والسعودي، بأن الطريق الأمثل للحل هو طريق جنيف 2، وأن المجموعات الإرهابية والتكفيرية بدأت تشد الرحال والعودة من حيث أتت، بدأ القلق يساورهم مما فعلت أياديهم والبعض منهم بدء بعض أصابعه لمل قد تسفر عليه الأحوال الأمنية في مدنهم. وهذا ما يفسر حجيج العديد من مسؤولين في الاجهزه الأمنية لبعض هذه الدول الى دمشق أو القيام باجراء الاتصالات عبر الوسطاء لمعرفة مدى استعداد دمشق في تمرير بعض الملفات المتعلقة برعاياهم الذين يحاربون الى جانب المجموعات الإرهابية أمثال جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام على وجه التحديد. وهذا ما يفسر أيضا التنسيق الأمني على قدم وسق بين دل المغرب العربي وخاصة وأن العديد من الشباب التونسي والليبي قتلوا ويما زالوا يقاتلون مع هذه المجموعات الإرهابية في سوريا. وهذا أيضا يفسر الاجتماعات التي عقدت في نهاية الشهر الماضي التي أجراها وفد من الافروكوم في بعض الدول المغربية وذلك في اطار مكافحة الإرهاب وتقديم المساعدة في ضبط الحدود وذلك في محاولة لمنع أو وضع العراقيل أمام تحركات المجموعات الإرهابية في المغرب العربي والتنقل الى الداخل الافريقي وخاصة مالي. وختاما نقول اننا لم نعد بحاجة للتدليل على أن التهديد الأكبر والأخطر الذي تشهده المنطقة وربما العالم هو ذلك المرتبط بالفكر التكفيري الإرهابي الذي انتشر انتشار السرطان في المنطقة ككل، وهذا يستدعي تضافر الجهود والامكانيات الإقليمية والدولية، ومما لا شك فيه ان هذا سيشكل اختبارا حقيقيا ومعيارا يقاس به مدى التطابق بين الاقوال والافعال تجاه ظاهرة الإرهاب والإرهابيين ومن يقف ورائهم ويدعمهم.