2026-09-14 05:51 م

جميلة بوحيرد وردة وسط الدمار

2013-12-06
بقلم: حدة حزام
شكرا لقناة الميادين وشكرا للبنان أنه ذكرنا وكدنا أن ننسى، شكرا لكل من هتف لبطلتنا الوطنية “جميلة بوحيرد” ورفع علم الجزائر مشيدا بثورتها عظمة بطولاتها.
احتفت “الميادين” أول أمس في جو غير مسبوق بجميلة بطلة معركة الجزائر ورمز مجاهدات الجزائر والوطن العربي. الحفل حضرته ابنة شي غيفارا والمناضل الإنساني جورج غالاوي ورفع فيه العلم مع النشيد الوطني في سماء لبنان مذكرا بالبطولات وبمعنى النضال الحقيقي وبرسالة الثورة التحريرية وبعظمتها، ليس بالنسبة إلى الجزائر والوطن العربي فحسب، بل بالنسبة للإنسانية جمعاء إذ كانت ثورتنا ممهدا للحركات التحررية في العالم وفتحت الباب للثورة على الأنظمة الاستعمارية الطاغية في إفريقيا وآسيا.
ولوقفة “الميادين” هذه وفي هذا الظرف بالذات أكثر من معنى على الصعيد الوطني والعربي، في هذا الزمن الذي فقد فيه العرب البوصلة وتاهت فيه المبادئ واختلطت المفاهيم، في زمن الثورات المزعومة التي أدخلت منطقتنا العربية في حرب أهلية مدمرة تحت عنوان الديمقراطية والحرية. فهي قد أرسلت من وراء تكريم جميلتنا رمز الثورة ونضال المرأة الجزائرية عددا من الرسائل المشفرة إلى السلطة الجزائرية، ليس لأنها وضعت جميلة في طي النسيان حتى لم تعد الأجيال الجديدة تعرف أنها على قيد الحياة، بل لتذكرنا الآن ونحن نغرق في أوحال خلافاتنا واختلافاتنا أننا كنا يوما ما رمز أمل العرب وأحرار العالم، وأن كفاحنا كان قرآنا للحركات التحررية، فكيف نسقط اليوم وتتعثر مسيرتنا.
وقفة الميادين جاءت لتعيد قاطرة الذاكرة إلى خطها، وتذكرنا بأن جبهة التحرير أنجبت يوما ما من رحمها عظماء من حق الإنسانية اليوم وليس فقط العرب الاحتفاء بهم والنهل من نبع تاريخهم. جبهة التحرير التاريخية أنجبت الجميلات والفريدات والزهرات، مثلما أنجبت بن بوالعيد وبن مهيدي وكريم بلقاسم وعبان، فكيف لجبهة بهذا الزخم وهذا التاريخ العظيم أن تساق اليوم إلى المقصلة، وتصبح ليس طرفا في الفساد السياسي بل طرفا في الفساد العام.
تكريم جميلة والالتفاتة التي سجلتها أمس من خلالها الميادين، جاء لينبهنا بأننا أكبر من أن يقودنا عمار سعداني أو ملتح اسمه بلخادم، وأننا لسنا كلنا شكيب خليل ولا الخليفة، لتذكرنا أننا كنا عظماء فكيف تقزمنا بعد نصف قرن من الحرية ولم تقو قبلها آلة الاستعمار ودعايته أن تحيدنا عن أهدافنا.
لم يكن من السهل علي وأنا أتتبع الحفل على الميادين مقاومة قشعريرة اعترت جسدي ولا الدموع التي انهمرت من عيني على خدي، ليس لأن المكرّمة اسمها جميلة، بل لأن المراة الجزائرية هي من كرمت وأن الثورة التحريرية التي طالها التحريف والتآمر هي من احتفي بها أمس في لبنان الجريح.
كم كان استقلالنا غالي الثمن؟ فكيف نسينا اليوم كل هذا وتحولنا إلى زمرة من اللصوص والمجرمين والإرهابيين. فبعد أن كنا شعلة تلهم أحرار العالم وتحتل بطولاتنا الصفحات الأولى في الصحف العالمية، صارت أخبار الفساد واللصوص الذين حكموا البلاد مقترنا باسم الجزائر في الإعلام العالمي؟ فهل الصفعة التي وجهها لنا أمس مدير الميادين وهو يرفع راية الجزائر واسم جميلة عاليا، سينبه اولي الأمر منا إلى القرار الذي سقطنا فيه الآن؟
الاحتفاء بجميلة الشهيدة الحية مثلما روت مرة وهي تزورنا في الفجر قصتها مع شرطي المرور الذي كاد أن يحرر لها مخالفة بالتزوير لما سلمته أوراقها وقال لها أنت انتحلت صفة جميلة بوحيرد الشهيدة، كان أيضا رسالة للعرب المتطاحنين اليوم في سوريا وفي تونس وليبيا ومصر وفي العراق، وحتى في لبنان الذي يعيش هذه الأيام على وقع التفجيرات والمؤامرات، أن النضال الحقيقي هو هذا الذي قادته جميلة وثلة من رفيقاتها ورفاقها، وإن عدو العرب ليس في معلولا ولا في سيدي بوزيد والشعانبي، ولا في البريقة، عدو الإنسان العربي ليس حزب الله ولا سكان طرابلس لبنان الآمنين الذين تفجرهم من حين إلى آخر سيارات مفخخة بالحقد العربي-العربي، عدو العرب ليس إيران التي ادعى الوليد بن طلال ثري أثرياء السعودية والعرب أنها هي العدو وإسرائيل هي الصديق، وإنما عدو العرب وحضارتهم وعدو ثرواتهم واستقلال قرارهم وكرامتهم، هي المخططات الصهيونية - الأمريكية التي خططت لتدمير الإنسان العربي فجعلت بعضنا عدوا لبعضنا الآخر، ودخلنا منذ فتنة لبنان الأولى في دوامة الجنون وتدمير بلداننا بأيدينا وما سوريا اليوم إلا الحلقة الأكثر عنفا ودمارا بعد العراق في هذا المخطط، لكننا ولشدة تخدير عقولنا لم نعد نرى حقيقتنا، ورفع راية جميلة اليوم وفي لبنان هي محاولة يائسة من الميادين لتصحيح المفاهيم ولإعادة البوصلة إلى وجهتها، لكن هل بقي في الجسد العربي ما يمكن ترقيعه بعد كل هذا الدمار؟
المصدر: "الفجر" الجزائرية