2026-09-15 01:45 ص

مـن خـلاصـات الإتـفـاق الـنـووي الإيـرانـي ...

2013-12-05
بقلم: سمير الفزاع
كلمة لا بد منها ؛ سوريا الغائب الحاضر الأكبر في جنيف : لماذا أطلق لافروف تلك الضحكة العميقة جدا بعد توقيع اتفاق جنيف بين إيران ومجموعة (5+1) ؟ هل حقاً كانت أطراف الإتفاق في جنيف محصورة فقط بإيران ودول مجموعة (5+1) ؟ في 23/11/2013 توجه وزراء خارجية كل من بريطانيا وفرنسا والمانيا وأمريكا الى جنيف ليلتحقوا هناك بالمفاوضات الجارية بوجود وزير الخارجيّة الروسي لافروف بين وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ، ومفوضة الشؤون الخارجية في الإتحاد الأوروبي كاثرين أشتون ، وجيوش من الخبراء التقنيين والفنيين والقانونيين ... وفي فجر هذا اليوم بالذات كانت المجموعات الإرهابيّة المسلحة تشنّ هجوماً واسعا على غوطة دمشق بقوة قوامها أكثر من 5 ألآف مسلح ، ومن عدة محاور كالبحارية والقاسيمة والزمانية وجربا والقيسا وزبدين وجسرين والمليحة وصولاً إلى العتيبة في الغوطة الشرقية ، ومزودين بصور وخرائط جويّة تحدد مواقع الجيش العربي السوري وحواجزه وعدد قواته المنتشرة والأليات المستخدمة ... وجاء هذا الهجوم مترافقاً مع تشويش إلكتروني هائل على وسائل إتصال الجيش العربي السوري والقوى المدافعة في المنطقة . تقدمت هذه المجموعات وحققت إختراقات مهمة على عدة محاور ، وتراجعت عدة حواجز للجيش العربي السوري عن مواقعها إلى الخطوط الخلفيّة ... في محاولة من هذه المجموعات ومن يديرها لتحقيق ثلاثة أهداف كبرى دفعة واحدة : أولاً فك الطوق المضروب حول الجماعات الإرهابيّة في الغوطة الشرقيّة ، وثانيّاً إرباك أو وقف تقدم الجيش العربي السوري في القلمون ، وثالثاً إركاع المفاوض الإيراني في جنيف إذا ما نجحوا في فك الحصار عن جماعاتهم المحاصرة في الغوطة الشرقيّة ، والتمكن من تهديد قلب العاصمة دمشق ، ويكفي أن أذّكر هنا بالمعلومات الخطيرة التي كشف عنها السيد بشار الجعفري بخصوص أسر الجيش العربي السوري لـ( 300 ) سعودي وقتل الآلاف في الهجمات الأخيرة في معارك الغوطة والنبك ودير عطية . بعد مرور أقل من 48 ساعة أعاد الجيش العربي السوري والقوى المدافعة عن المنطقة تنظيم صفوفهم ، وبدأوا بهجوم معاكس شرس أسقط أهداف هذا الهجوم ، وحول إنجازاته المؤقتة إلى ما يشبه الإنتحار الجماعي للقوة المهاجمة ، وبعد أن تيقن الأمريكيون - الذين كانوا يُشرفون على الهجوم مع أجهزة إستخبارات كلّ من الكيان الصهيوني والسعودية والأردن وبعض الدول الأخرى - من فشل الهجوم ؛ تم التوقيع على إتفاق جنيف بين أيران ودول مجموعة (5+1) وضحك لافروف مليّاً . * الإرادة الصلبة والصبر المقرون بالعمل خاتمته النصر : منذ عقدين من الزمن تقريباً ، وايران تتمسك بحقوقها النووية ، وتدافع عنها بشراسة منقطعة النظير وإرادة صلبة لا تلين ؛ فكان لها إعتراف الكون بإيران دولة نووية . وكما أن الصبر على الشدائد وحده لن يكون سبباً كاف للنصر ، فإنه لا يمكن لدولة ما أن تحقق وتحصد نتائج عملها وفعلها التاريخيين فوراً ؛ بل يجب أن يكون العمل مقروناً بالصبر الذي يراكم الإنجازات ، ويجعل هذه الإنجازات تأخذ مفعولها وأثرها في مجريات الصراع وتدرجاته . * النفاق والعهر لا يهزمه إلا الجرأة والشجاعة : يعرف المهتمون جميعا أن مشروع ايران النووي موجودة أُسسه وأولياته منذ عهد الشاه ، ولكن سقوط الشاه يعني ، وتحول إيران من محور لآخر جعل من الضروري " نزع " هذا المشروع أو " تحطيمه " بأية وسيلة - مرة بهجوم إلكتروني ، وأخرى بمهاجمة حواسيب البرنامج النووي بالفيروسات ، وثالثة بقتل العلماء والخبراء النووين الإيرانيين ... - وسلب إيران هذه الميزة العلمية والحضارية والتقنية ... . ولكن واجهت ايران هذه الوقاحة والعهر الدوليين بجرأة وشجاعة مميزيتن ، والرد على عليهما ببلوغ مستويات عالية من التخصيب ( 20% ) وحراسة هذه الإنجازات بحركة تسليح هائلة كماً ونوعاً . * إيران تحسم خيارها ؛ لا " خروج " من محور المقاومة : بدون مجاملات ؛ كانت إيران على مفترق طرق خطير بين خيارين قبل إنتخاباتها الأخيرة ظهرت بوادره جليّة واضحة في إنتخابات الدورة الثانية للرئيس السابق أحمدي نجاد : أحدهما " تسووي " يُريد أن " ينسحب " من محور المقاومة ،والصراع الوجودي مع الكيان الصهيوني ، والتصادم الدائم مع مشاريع الإستكبار والإستعمار ... وآخر " مبدئي " أو " ثوري " مع هذه الخيارات ، وضد أي نيّة للتخلي عنها ، ومغادرتها إلى ما هو دونها . فكان الخيار لمنع " إنفجار " الداخل الإيراني يصب لمصلحة رجل " وسطي " وله علاقة بملف وطني جامع - الملف النووي - ، وليس معاد لمباديء الثورة الإسلاميّة الإيرانية ؛ فكان حسن روحاني الخيار الأمثل ، وهو أول من فاوض الغرب في ملف إيران النووي . مع إنطلاق المفاوضات النووية إكتشف الرئيس روحاني ووزير خارجيته وبقية طاقمه مدى الأهميّة الإستراتيجيّة العظمى يتمتع بها هذا الحلف المقاوم ، وفي واسطة العقد منه - كما يفضل الإمام السيد الخامنئي وصفها - سوريا . فكان الإستقبال الذي حظي به السيد رئيس وزراء الجمهورية العربيّة السورية وائل الحلقي حافلاً ومميزاً جداً ، ولا يقدم إلا لقادة الدول والملوك ، والدعم المُقدم لحكومة وشعب الجمهورية العربية غير محدود . * الإتفاق لحظة تاريخية تؤسس لتحول تاريخي : إثر التوقيع على الإتفاق النووي المؤقت بين إيران ودول مجموعة ( 5+1 ) ظهرت للعلن خلافات واضحة بين أطراف الحلف الذي يقوده الأمريكيون ، وشركاء لهم في العالم والمنطقة ، وتحديداً الكيان الصهيوني والسعودية بالدرجة الأولى ، وفرنسا الواقعة تحت تأثر مزدوج قوامه اللوبي الصهيوني فيها ، ومال الرشوة السياسية السعودي . وما زالت حتى اللحظة مقاومة مملكة آل سعود وكيان العدو تقفان بقوة ضد هذا الإتفاق ، وتحاربانه في واشنطن ومؤسساتها وحول العالم أجمع . ولكن تصريحات قاسية جاءت من الدولة - بريطانيا - التي أسهمت بشكل جذري بتأسيس هذين الكيانين - الكيان الصهيوني وكيان آل سعود - لتحسم الكثير من النقاش ، وتظهر مدى العزلة والخلاف بين أطراف هذا الحلف وأدواته ؛ حيث قال وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ في كلمة أمام البرلمان البريطاني " إن على زعماء العالم منح الاتفاق فرصة ، مؤكداً أنه من المهم السعي إلى فهم رأي المعارضين للاتفاق ، لكنه دعا " إسرائيل " وغيرها إلى قصر إنتقاداتهم على الأقوال لا الأفعال ، مشيراً ا لى أنه يجب ثني أي أحد في العالم بما في ذلك "إسرائيل" عن اتخاذ أي خطوات تقوض هذا الاتفاق ويجب ان يكون ذلك واضحاً جداً لكل المعنيين ، لافتا الى ان بريطانيا ستكون متنبهة " . * جوهر الصراع : لقد أظهر هذا الإتفاق بما لا يدع مكان للشك بأن كلّ مشكلة وأزمة في هذه المنطقة ممكنة الحل إذا إلتزم بالقوانين والأعراف والإتفاقيات الدولية ؛ فهل سيكون على كيان العدو في المستقبل القريب تقديم إلتزام مشابه ؟ ولنتذكر هنا كلام الرئيس الروسي فلادمير بوتين حول خلو " الشرق الأوسط " من أسلحة الدمار الشامل ، وضرورة حلّ القضية الفلسطينية . كما أنّه يؤكد أن الحقوق لا تذهب بالتقادم ، ولا تستطيع القوة إنتزاعها مهما تجبرت . كما أنه يظهر أن جوهر الصراع في هذه المنطقة لم يكن يوماً النووي في إيران ، أو الكيماوي في العراق أو سوريا ... إنما الصراع يتركز حول قضية كبرى إسمها السيطرة على قلب المشرق العربي ؛ أي بلاد الشام وفي القلب منه سوريا السيّدة والمقاومة . إن موقعها الحاكم ، وهويتها المستقلة ، وغناها التاريخي والإثني والديموغرافي والحضاري ، وتأثيرها الحاسم على هوية ومزاج المشرق والوطن العربي قاطبة ... عناصر قوة وتفرد وجذب هائلة وعميقة جداً جداً يندر توافرها في أي بقعة جغرافية أخرى .