2026-09-14 10:55 ص

قطاع غزة الى أين؟

2013-12-04
بقلم: بهيج سكاكيني
متى سنجد حلا للمشاكل التي يعانى منها أهلنا في قطاع غزة فقد بات الوضع الانساني والمعيشي اليومي حدا لا يطاق مهما كانت الأسباب والمبررات، فلم تمر على سكان القطاع حتى في أحلك الظروف في تأريخه مثل هذه الظروف الصعبة والتي تمس الانسان العادي في جميع مجالات حياته اليومية. وفي تقديرنا أن هذه الظروف معظمها مفتعل والذي يبدو أنها تهدف لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة وأنانية لهذا الطرف أو ذاك دون الأخذ بعين الاعتبار الانسان الغزي وما يعانيه من نتائج الاحتلال الصهيوني منذ احتلاله. وتأتي المضايقات المتجددة من الطرف المصري والسلطة الفلسطينية لتزيد هما على هم. ولا يمكن اعتبارها الا نوع من أنواع العقاب الجماعي لسكان القطاع. إن إنقطاع الكهرباء على 1.7 مليون إنسان بالاضافة الى المؤسسات بما فيها المستشفيات ومحطات التعامل مع المياه الاسنة والمجاري، قد شكلت ظروفا صحية لا سابق لها وباتت تهدد الوضع الصحي العام في القطاع وانتشار الأوبئة. ولا يمكننا رؤية هذه الأحوال الا ضمن خطة ممنهجة للضغط على الأهالي للتخلي عن نهج المقاومة، وكأن هنالك من يريد أن يقول لهم هذا هو الحال الذي ستكون عليه في حالة بقائكم الى جانب المقاومة، وهذا يندرج في الاطار العام الذي تشهده المنطقة والتي يتعرض لها محور المقاومة الى الهجمة الشرسة الكونية في سوريا. وقد يلجأ البعض للقول بأن حماس قد أسقطت خيار المقاومة من باب المزايدات، لنذكر هنا ان المقاومة في غزة لا تقتصر على حماس هذا اذا صح الكلام على الحركة. ولقد بدأت الأزمة الجديدة منذ 1 نوفمبر عندما توقفت محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة والتي تغطي 30% من احتياجات القطاع، وذلك نتيجة لعدم توفر الوقود لتشغيلها. ويعيش 1.7 مليون غزي منذ ذلك الحين ولغاية يومنا هذا دون كهرباء لمدة 16 ساعة يوميا. وعلى حسب التقديرات فان حاجة قطاع غزة من الكهرباء تبلغ حوالي 400 ميغاواط وقد تصل الى حوالي 600 ميغاواط في حالة رفع الحصار الخانق الذي يفرضه الكيان الصهيوني والذي أخذ منحى تصعيديا مع تصاعد المقاومة في قطاع غزة منذ عام 2007، وهو العام الذي استولت فيها حماس على السلطة في قطاع غزة. ولتغطية جزءا من الاحتياجات يشتري القطاع حوالي 120 ميغاواط من الشركات الإسرائيلية و20 ميغاواط من شركة الكهرباء المصرية. وهذه الأرقام تبين بوضوح أنه وحتى قبل الأزمة الأخيرة كان قطاع غزة يعاني من النقص في امداد ما يحتاجه من الطاقة الكهربائية. ولقد عمد الاحتلال الصهيوني بشكل دائم وممنهج على إبقاء الوضع المتأزم في القطاع من ناحية الطاقة الكهربائية، وذلك بالقيام بتدمير محطة الكهرباء بين الحين والأخر بغارات جوية من قبل طائراته الحربية أو بعدم تزويد المحطة بالوقود الازم لتشغيلها، مما جعل القطاع بأكمله رهينة لمشيئة الاحتلال وسياساته العنصرية. مما لا شك فيه أن الاوضاع في قطاع غزة هي أوضاع مأساوية بامتياز وأنها أخذت بالتفاقم بشكل متسارع مع تدمير الانفاق من الجانب المصري كلية، والتي كانت توفر الكثير من الاحتياجات اليومية الأساسية المعيشية لسكان القطاع، الى جانب أنها كانت تساهم في تحقيق ما يقارب من 230 مليون دولار شهريا لاقتصاد القطاع. ومع اغلاق شريان الحياة هذا بالإضافة الى عدم فتح المعبر الحدودي مع مصر بشكل دائم لتسهيل عبور جزء من البضائع التي يحتاجها القطاع بشكل رسمي، تفاقمت الأوضاع الإنسانية في القطاع. وقد عبر عن ذلك أحد المسؤولين في وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين( الاونروا) فيليبو غراندي مؤخرا " بعد إغلاق معظم أنفاق التهريب وحيث أن إسرائيل لا تسمح لتصدير البضائع أو العودة الى ممارسة الأنشطة الاقتصادية العادية، فان أسعار السلع ارتفعت بسبب ندرتها في الأسواق". وأضاف " إن الاونروا مسؤولة عن تقديم المعونات لحوالي ثلثي سكان القطاع ومن هذه الناحية يجب أن اذكركم مرة أخرى بأن قطاع غزة ينحى بسرعة لان يكون منطقة غير صالحة للعيش به". ومع الوضع الاقتصادي المتدهور في القطاع فقد وصلت معدلات البطالة الى ما يقرب من 43% والصادرات الى حوالي 9% فقط من الإنتاج، مما يهدد بكارثة إنسانية حقيقية. وتأتي مشكلة الكهرباء لتزيد وتفاقم الأوضاع الإنسانية المأساوية التي يحياها سكان القطاع يوميا. ما نود أن نؤكده هنا على أن التوظيف السياسي للمشاكل التي يمر بها القطاع من أي طرف كان يدخل ضمن الدناءة السياسية لأنه ببساطة يعبث بحياة الناس الضعفاء والذين هم بأمس الحاجة الى الرعاية والاهتمام وخاصة المرضى من كبار السن والأطفال. نعم أن المسؤولية الرئيسية تقع على عاتق الاحتلال الصهيوني الذي ما زال جاثما على أرضنا الفلسطينية، ولكن هذا لا يمنعنا من القول بأن هنالك أطرافا تريد أن تستغل الأوضاع المأساوية في القطاع مستغلة تغير الوضع في مصر بعد تنحية الرئيس مرسي وعودة الجيش المصري للامساك بزمام الأمور، وتهاوي مشروع الإسلام السياسي في مصر والمنطقة بأكملها. ولنقلها أكثر صراحة هنالك بعض الأطراف الفلسطينية في السلطة وخارجها التي ترتئي أن هنالك فرصة ذهبية للضغط على القطاع وتعميق أزماته الاقتصادية والمعيشية والإنسانية الى حد قد يصل الى تأليب غالبية سكان القطاع على حكومة حماس وربما يحلمون "بربيع عربي" في قطاع غزة الذي قد يودي الى سقوط حكومة حماس وسيطرتها على الاوضاع في غزة وعودة القطاع الى السلطة الفلسطينية. وهذا الطرف الفلسطيني يأمل بدور مصري في هذا الإطار وخاصة أن علاقة مصر مع حماس في الفترة الحالية علاقة متأزمة جدا. وسبق وأن أشار البعض الى أن محمد دحلان الفلسطيني والمسؤول الأمني السابق في قطاع غزة قد اجتمع مؤخرا مع السيسي في القاهرة، ربما لتقديم خدمات استخباراتية أمنية خاصة عن بعض العناصر أو التنظيمات التي تعتقد مصر أنها إرهابية او لها صلات بالعناصر الإرهابية في سيناء. ولا شك ان الدحلان على الرغم من وجوده خارج القطاع منذ 2007 الا انه ما زال على تواصل مع الداخل في القطاع عن طريق زلمه ومؤيديه. ويجب التذكير هنا أيضا بأن مصر والامارات تضغط في سبيل اجراء المصالحة بين الرئيس محمود عباس ودحلان مما يتيح لدحلان العودة الى نشاطاته السياسية ضمن السلطة الفلسطينية، وربما الترشح للرئاسة مستقبلا في حالة أن تمسك الرئيس عباس بعدم الترشح لمنصب الرئاسة مرة أخرى. ولكن الذي يبدو لغاية الان على الأقل أن مصر غارقة في مشاكلها الداخلية ولن تستطيع أن تفتح جبهة أخرى في هذا المجال، وهي لغاية الان لم تبدي اهتماما حتى في ملف المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس. وما زال ملف المصالحة مؤجلا الى اجل غير مسمى. وهنالك محاولات من قبل الامارات وتركيا لاستلام هذا الملف ولكن على ما يبدو أن حركة فتح والسعودية ترفضان ذلك. في النهاية نقول نعم ان الاحتلال الصهيوني هو المسؤول عن معظم ما يجري في داخل ارضنا المحتلة، ولكن هنالك بعض الأطراف الفلسطينية والعربية تتحمل جانبا من المشاكل الذي يمر بها شعبنا، ونحن ليس مع المثل القائل كل الناس خير وبركة، لأن هنالك البعض ممن يريدون الاصطياد في المياه العكرة لمصالح فئوية أو اقتصادية أو سلطوية على حساب شعبنا وقوته اليومي وعيشه بكرامة، وهذا مرفوض ومدان قلبا وقالبا.