2026-09-14 08:15 م

الائتلاف وزبانيته ومؤتمر جنيف الموعود

2013-11-28
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
ها نحن على أبواب انعقاد مؤتمر جنيف بعد تأجل انعقاده لعدة مرات لغاية الان، تحت ذرائع عدة منها عدم جهوزية المعارضة لتشكيل وفدها "الموحد"، وعدم درايتهم وانعدام خبرتهم في التفاوض (عداك عن جهلهم التام في إدارة دولة بحالها لا سمح الله) والطلب السعودي من الإدارة الامريكية بإعطاء أمير ارهابها بندر بن سلطان فرصة ومحاولة لتتغير الوقائع على الأرض في الداخل السوري على أمل أن ينجح في المهمة التي فشل بها كل زناة الليل الذي جيء بهم من كل بقاع المعمورة الى القلعة الدمشقية، حتى يتسنى لها أن تذهب وفي يدها ما تستطيع صرفه على طاولة المفاوضات. وكان من المفترض أخيرا أن يعقد في 12 ديسمبر أي قبل نهاية هذا العام، ولكن نظرا لاتفاق "سابق" "لمجموعة أصدقاء سوريا" على عقد اجتماع إعادة اعمار سوريا في سيول عاصمة كوريا الجنوبية في نفس الموعد، والذي من المفترض أن يتحدث فيه رئيس الائتلاف أحمد الجربا ورئيس ما يسمى بالحكومة المؤقتة أحمد طعمة، فقد تأجل مؤتمر جنيف الى 22 كانون الثاني/يناير من العام القادم. ورفض الابراهيمي والجانبين الأمريكي والروسي طلب "الائتلاف" المعارض بمزيد من التأجيل. ولا بد هنا من التوقف على بعض التصريحات والنشاطات المعلنة والتي تدور بالخفاء والتي ترتبط ارتباطا عضويا بمؤتمر جنيف القادم سواء عقد أم لم يعقد في الموعد الذي أعلنه الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. الذي يبدو أن "أصدقاء" سوريا يريدون أن يتقاسموا الكعكة قبل الحصول عليها ولن يحصلوا عليها طالما بقي سوري شريف وما أكثر الشرفاء. الكل يعلم أن 2003، وقبل الغزو الأمريكي للعراق كان هنالك نفس السيناريو حيث كانت تجتمع الشركات الامريكية والبريطانية بالتحديد لكي تناقش وتقتسم بينها غنائم الحرب تحت نفس الشعار "إعادة اعمار العراق بعد تدمير كل بناه التحتية والتي أخذت عشرات السنين لبنائها وحيث ارجع العراق الى العصور الحجرية لا ما صالح للشرب ولا كهرباء ولا مستشفيات ولا أجهزة طبية حديثة وسرقت المخطوطات والتحف النادرة التي تعود الى الالاف السنين ....الخ. وكل من تابع الموضوع يدري بأن الحكومة البريطانية آنذاك قد قدمت اعتراضا وشكوى لدى إدارة بوش لعدم تمكن الشركات البريطانية وخاصة البترولية منها من الحصول على حصة تتناسب والمشاركة البريطانية في الحرب بما فيها عمليات التلفيق التي أدرجت بما يخص امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل من قبل الاستخبارات البريطانية، حيث اتهم العراق يشراء كمية من اليورانيوم من احدى الدول الافريقية. وها هم "أصدقاء" سورية يجتمعون لنفس الغرض بعد تسليط جحافل التتار واكلة لحوم البشر لتدمير القلعة الدمشقية الصامدة بحكم ثالوثها المقدس، الشعب والجيش العربي السوري والقيادة السياسية الحكيمة برئاسة الدكتور بشار الأسد. ولم ننسى أيضا اجتماعات إعادة اعمار ليبيا والتي وقعت فيها الاتفاقيات حتى قبل سقوط نظام القذافي. ولقد حصلت الشركات الفرنسية والانكليزية على نصيب الأسد من العقود بينما حصلت كل من ايطاليا ودولة قطر على بقية الغنائم. لهولاء الذين سيجتمعون بشأن سوريا نقول لن تنالوا الا الخيبة كما نالها الذين من قبلكم من الغزاة على ممر العصور ولنا في التأريخ عبرة وستبقى القلعة الدمشقية صامدة وعتية عليكم اجمعين. أما الائتلاف المعهود فإنه ومن خلال الجولات المكوكية التي يقوم بها رئيسه هذه الأيام فإنه يحاول أن يحصل على الدعم، وخاصة الدعم العربي لأنه يعلم أن الائتلاف وبغض النظر عن التصريحات المتكررة والممجوجة، والتي يحاول اعضاءه من خلالها جاهدين لإعطاء صورة وصبغة تمثيلية له، فانه لا يملك تمثيلا ذو مصداقية او حجما ذو قيمة في الداخل السوري، وخاصة بعد اعلان الكثير من المعارضة المسلحة في الداخل السوري علانية بأن الائتلاف لا يمثلها. ليس هذا فحسب بل ذهبت هذه المجموعات للهجوم عليه وعلى اعضاءه الين نعتوا بمعارضة الفنادق. أما بالنسبة للجيش الحر الذي يدعي الائتلاف أنه جناحه العسكري في الداخل، فقد أعلن موقفه بعدم الذهاب الى جنيف، وبالإضافة الى ذلك عصفت في بنيته الانقسامات الحادة وانضم الكثير من عناصره الى حبهة النصرة، والدولة الإسلامية في العراق والشام. والبعض سلم سلاحه الى الدولة السورية وعادوا الى القتال الى جانب الجيش السوري العربي بعد تسوية أوضاعهم. وهنك العديد من التقارير التي تشير بأن الجيش الحر قد فقد الكثير من مواقعه الى المجموعات التكفيرية والارهابية التي كان يقاتل الى جانبها. والائتلاف وبغض النظر عن "الحكومة" التي شكلها فهي كغيرها السابقة لا تستطيع أن تدعي أنها تسيطر على أية قطعة ارض في الداخل السوري، والتي يمكن أن تستخدمها كورقة ضغط وتجييرها لصالحه على طاولة المفاوضات. وفي محاولة لتدارك هذا الامر فأن الجربا قام بزيارته الأخيرة الى مصر واجتمع مع وزير الخارجية المصري وبعدها اجتمع مع نبيل العربي في الجامعة العربية، وطلب منه أن يعطى الائتلاف مقعد سوريا في الجامعة العربية وخاصة بعد تشكيل "حكومة" الائتلاف. ,لا توجد هنالك أية دلائل تشير الى أن الائتلاف سيحصل على هذا المقعد. ولا نعتقد أن ذلك سيتم على الاطلاق وذلك لاختفاء دور قطر المندفعة ووزير خارجيتها سيء الصيت حمد بن جاسم، والمعارضة داخل الجامعة العربية لهكذا خطوة ولو أنها معارضة مل زالت خجولة ولكن لديها الان القدرة على تعطيل أي مقترح بهذا الشأن. الى كل هذا يضاف الصمود الاسطوري السوري والتفاهمات على التخلص من الأسلحة الكيميائية السورية والاتفاقية التي وقعت مؤخرا بين الدول الست وايران حول برنامجها النووي. ضمن كل هذه المعطيات لا يجرؤ أحد في الجامعة أن يظهر بمظهر المعطل لمؤتمر جنيف 2 المزمع عقده في 22 كانون الثاني/يناير من العام القادم. وهذا ما ورد على لسان نبيل العربي الذي حث الائتلاف بالذهاب الى مؤتمر جنيف 2 وعلى أن الحل السياسي هو الحل الوحيد والامثل لتناول الازمة السورية. والجربا يدرك تماما بأن الائتلاف في موقع ضعيف جدا، ليس من حيث معرفة أصول واليات العملية التفاوضية والتي يخضع بسببها بعض عناصره الى دورات تدريبية مكثفة في المانيا وسويسرا على أمل أن يكون أدائهم حسنا في المفاوضات اذا جرت، بل من حيث أنه لا يمتلك أوراق تفاوضية تمكنه من الحصول على شيء يذكر. وكان الجربا يأمل في مقابلة بوتين في موسكو ولكن بوتين لم يقابله، لان روسيا تدرك أن مقابلة الجربا لرئيس دولة قد يضفي صفة شرعية تمثيلية للائتلاف وهو الفاقد لهذه الصفة. الولايات المتحدة تدرك جيدا الورطة والمأزق السياسي للائتلاف وعدم وجود أوراق نمكنه من الضغط على النظام السوري وابتزاز التنازلات ولذلك نراها تتحرك على أكثر من محور، في محاولة لرأب هذا الخلل والوهن السياسي. أما المحور الأول فيتركز على الناحية الإعلامية والتصريح بأن الهدف من مؤتمر جنيف 2 هو تطبيق مقررات جنيف 1 ( والتي أساسا أختلف عن تفسيرها وخاصة فيما يتعلق بالرئيس الدكتور بشار الأسد) وهي تشكيل حكومة أو هيئة حكم انتقالية كاملة الصلاحيات، بما فيها الصلاحيات التنفيذية على الجيش والشرطة والامن وأجهزة المخابرات في سوريا. بالإضافة الى أن الرئيس د. بشار الاسد لن يكون له دورا في "هيئة الحكم الانتقالي" ولا أي دور في مستقبل سورية السياسي. وهو أيضا ما جاء على لسان الجربا حيث أعلن الائتلاف رفضه لمشاركة الرئيس الأسد في "هيئة الحكم الانتقالي" أو لعب أي دور في المستقبل. بمعنى أن على الحكومة السورية المجيء الى جنيف لتسليم مفاتيح البلد للغزاة والعملاء والخونة. وينضم الى الجوقة كل من وزيري الخارجية البريطاني هيغ والفرنسي فابيوس حيث أدلى كل منهما بأن لا مكان للرئيس الأسد في المرحلة الانتقالية والمستقبلية بالطبع. أما بان كي مون فقد لخص الهدف من عقد "جنيف2" هو تشكيل "حكومة انتقالية تتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة بما في ذلك بشأن الأجهزة العسكرية والأمنية، على أساس تفاهم متبادل". وذلك في البيان الذي أعلن فيه تحديد عقد المؤتمر. أما الرئيس أوباما فقد نصب نفسه ممثلا عن الشعب السوري (وقد يتساءل البعض من فوضه بذلك) حيث صرح مساعد المتحدث باسم البيت الأبيض أن الرئيس أوباما يرى أن مفاوضات جنيف ينبغي أن "تنتهي بالضرورة برحيل الأسد من السلطة. وأضاف المتحدث " الرئيس (أوباما) ما زال يؤمن بذلك، والاهم انه رأي السوريين". هذا في الوقت التي تشير به استطلاعات الرأي التي أجرتها الدوائر المخابراتية الغربية بأنه إذا ما كان هنالك انتخابات حرة فأن الرئيس الاسد سيفوز بها بأغلبية مريحة جدا. وهذا ما صرحت به أيضا العديد من مراكز القرار الغربية. فيا هل ترى من اين يستقي الرئيس أوباما معلوماته حول هذا الموضوع أم أنه يتحدث عن كوكب اخر ودولة أخرى؟ نتساءل. وتحاول كل من الإدارة الامريكية وبريطانيا اصباغ الصفة التمثيلية للمعارضة السورية وحصرها بالائتلاف وذلك في محاولة رخيصة للالتفاف على المعارضة الوطنية وتهميشها ان لم يكن شطبها من معادلة جنيف 2. ومن هنا نستطيع أن نتفهم التصريحات التي أدلى بها وزير الخارجية البريطاني هيغ من أن " الائتلاف هو من يمثل المعارضة في جنيف". وان المعارضة يجب أن تذهب تحت مظلة الائتلاف وهو (الائتلاف) الذي سيحدد الطاقم التفاوضي. وجاء الرد سريعا على هذا المقترح من رئيس "هيئة التنسيق" في الخارج هيثم مناع بأن " فكرة أن يكون الائتلاف المظلة التي نذهب تحتها الى جنيف، مرفوضة كليا، لأن ذلك يعني اننا نتحمل مسؤولية ما ارتكبوه من أخطاء. لن نذهب في وفد تحت مظلة الائتلاف، ولن ندخل المفاوضات الا في وفد تحت اسم المعارضة السورية". ومحور اخر تتحرك عليه الولايات المتحدة والتي من خلاله تأمل أن تعطي بعض عناصر القوة للائتلاف هي المحاولات التي يقوم بها السفير الأمريكي السابق لسوريا روبرت فورد في تركيا. وتتضمن هذه المحاولات اجتماعات مكثفة مع قيادات من "جماعة "احرار الشام" وأيضا من "لواء التوحيد" وكلاهما جماعات مسلحة، لها ارتباطات مع جبهة النصرة المصنفة على لائحة الإرهاب، وان لم يكونوا نظريا من المجموعات التي تعلن أنها من القاعدة. "وأحرار الشام" تشكل المجموعة الرئيسة من "جيش الإسلام" الذي يأتمر بإمرة زهران علوش الذي تربطه علاقات وثيقة مع امير الإرهاب بندر بن سلطان، والذي تتواجد معظم قواته التي تقدر بخمسة عشر الفا من المقاتلين في القلمون. والعمل يدور على اقناعهم بالانضمام لما تبقى من الجيش الحر تحت امرة سليم ادريس واذا ما نجحت مساعي فورد فقد يعطي هذا نوع من الدعم للائتلاف المتهالك سياسيا قبل مؤتمر جنيف. ومما لا شك فيه أن الإدارة الامريكية لن تدخر أي جهد من الان ولحين انعقاد مؤتمر جنيف اذا ما أتيح عقده، لتحسين وضع الائتلاف والضغط بكافة الوسائل على الحكومة السورية. وفي هذا السياق ذكرت بعض المصادر بأن الإدارة الامريكية أعطت الضوء الأخضر لبندر بن سلطان لآخر محاولة في اضعاف النظام السوري بعدما تعذر القضاء عليه. هكذا يفهم بعض المحللين ادخال ما يقرب من خمسة الاف مسلح من الحدود الأردنية مؤخرا دفعة واحدة بعد تدريبهم ومدهم بالأسلحة الثقيلة لفك طوق الحصار الذي يفرضه الجيش العربي السوري على ما تبقى من العناصر المسلحة المتواجدة في الغوطة الشرقية وما حولها. والواضح أن هذه المحاولات ستستمر وسيتصاعد العنف بكل أشكاله وفي العديد من المناطق ونحن ماضون الى مؤتمر جنيف 2. في نهاية المطاف نقول أن قطار الحل السياسي يتحرك، وأن الولايات المتحدة ترى أن عملية التأجيل لن تكون في صالح المعارضة، وخاصة مع المتغيرات التي طرأت على الساحة السورية الداخلية من حيث الانتصارات التي يحققها الجيش العربي السوري على أرض الواقع، هذا بالإضافة الى أن المعارك الدائرة الان في الداخل السوري هي ما بين المجموعات التكفيرية والارهابية الاتية من كل بقاع العالم والتي تحمل أفكارا غريبة على المجتمع السوري بكل مكوناته، وأن هذا الصراع قد بدأ يهدد فعليا وليس نظريا كل دول المنطقة ودول العالم التي قدم منها هؤلاء الإرهابيين. ونقطة أخيرة نهمسها في اذن الائتلاف وزبانيتهم ما لم تستطيعوا تحقيقه على الأرض، لن تستطيعوا تحقيقه على طاولة المفاوضات مهما كان عدد ونوعية الدورات التي تحضرونها لتحسين اداءكم التفاوضي.