2026-09-14 12:21 م

خيبة أمل إسرائيل والسعودية

2013-11-26
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
على الرغم من حشد كل الطاقات والامكانيات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والإعلامية لكل من إسرائيل والسعودية والتي أجمع المراقبون على التحالف الدافئ بينهما بخصوص الملف النووي الإيراني وعملهما الدؤوب لمنع التوصل الى اتفاقية بين الدول الست وايران، فقد أخفقت هذه الجهود وبائت بالفشل الذريع، والذي من المؤكد انه سينعكس عليهما بشكل سلبي وإن أخذ هذا بعض الوقت. أما خيبة أمل إسرائيل والمرارة التي تجرعتها من التوقيع على الاتفاقية في جنيف 2 ، فيستدل عنها بالتصريحات التي أطلقها كل من رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو وغيره من المتواجدين في قمة الهرم السياسي والعسكري في الكيان الغاصب. فقد صرح نتنياهو أن الاتفاقية ليست "اتفاقية تاريخية" بل هي "خطأ تاريخي" وعلى أن "العالم تحول الى مكان أخطر بكثير، بسبب أن أخطر نظام في العالم خطا خطوة مهمة للحصول على أخطر سلاح في العالم". ولم ينسى نتنياهو أن يردد تهديداته الجوفاء حول أن إسرائيل لا تعترف بالاتفاقية وستعمل ما تراه مناسبا لمنع ايران من امتلاك أو تطوير قدراتها النووية، وأنها قادرة على أن تتصرف بشكل منفرد لتحقيق هذا الغرض. تلك التهديدات لم يعد أن يصدقها أحد. لقد ارتكب نتنياهو خطأ استراتيجيا في إدارة الصراع في هذا الملف بحسب الكثير من المحللين وخاصة في عملية الصدام العلني مع الإدارة الامريكية على الرغم من الاتصال الهاتفي الذي أجراه أوباما معه والذي طلب منه بالتحديد عدم التشويش على مسار المفاوضات الجارية في جنيف حول الملف النووي الإيراني. ويرى الكثيرون اذا ما بالغ نتنياهو في ردة فعله على ما اتفق في جنيف 2، فانه سيدفع ثمن ذلك في الداخل الإسرائيلي. أما وزير خارجيته ليبرمان فتحدث عن أن الاتفاقية تعتبر " أكبر نصر دبلوماسي عرفته ايران في السنوات الأخيرة" وأن هذه الاتفاقية " تفرض على إسرائيل إجراء تقدير جديد إزاء تغير الواقع" وعلى ان الاتفاق " يؤسس عمليا لواقع جديد لنا وللسعوديين أيضا". ولا شك أن اجمال السعودية هنا له دلالته وخاصة مع تكاثر التقارير التي تشير الى التنسيق بين الكيان الصهيوني والسعودية بشأن الملف النووي الإيراني وما يمكن عمله. أما وزير الدفاع موشيه يعلون فلم يعتبر أن تحقيق الاتفاقية إنجازا للدول الغربية وحذر من أن الاتفاق سيسمح لإيران باستمرار السعي نحو القنبلة النووية، وبتنفس الصعداء بفضل تسهيل العقوبات" وعلى أن البرنامج النووي الإيراني يجب أن يوقف بأي ثمن. أما السعودية فانها تشعر بخيبة أمل كبيرة إزاء توقيع الاتفاقية وترى بالاتفاقية اعترافا رسميا من قبل المجتمع الدولي بايران كدولة نووية وأنها دولة محورية وقوية في المنطقة، وأن كل ذلك سينعكس سلبا على السعودية لان ذلك سيكون على حساب الدور والنفوذ السعودي في المنطقة. والتخوف السعودي الأكبر هو فيما هو قادم ما بعد هذه الاتفاقية حيث أنها ستفتح الطريق الى سلسلة من التفاهمات للعديد من الملفات الساخنة في المنطقة والتي كانت السعودية ولفترة خلت ما زالت الاعب الرئيس في التحكم بسيرها وخاصة في البحرين واليمن وسوريا بعد أن حلت محل قطر في إدارة الصراع على الأرض السورية وتحشيد وتدريب عشرات الالاف من المرتزقة في الأراضي الاردنية وأرسالهم الى الداخل السوري على أمل تغير موازين القوى على الأرض. وربما التخوف السعودي مما هو أت عبر عنه في العنوان الرئيسي لجريدة الشرق الاوسط السعودية التي تصدر في لندن اذ جاء العنوان الرئيسي على صفحتها الأولى " جنيف النووية" تمهد الطريق الى "جنيف 2" السورية. ولا شك أن السعودية منزعجة من موقف بعض دول مجلس التعاون الخليجي التي رحبت بالاتفاقية ومنهم الامارات وقطر والبحرين. أما سلطنة عمان فقد أبقت على علاقاتها مع طهران وكان أن قام السلطان قابوس بزيارة رسمية لإيران مؤخرا، هذا بالإضافة الى أن السلطنة كانت قد استضافة المباحثات السرية بين امريكا وطهران حول الملف النووي الإيراني وكثير من ملفات المنطقة منذ عام 2011، ولقد توجت نتائج هذه الاجتماعات بالاتفاقية التي وقعت في جنيف بين الدول الست وايران. والذي يبدو أن هنالك تباين واضح في مواقف الدول الخليجية بهذا الملف مما يشكل شرخا إضافيا الى الشرخ الذي احدثته الخلافات بين السعودية وقطر في الملفات السورية والمصرية واليمنية. حيث تبنت قطر المواقف الداعمة لجماعة الاخوان المسلمين في هذه الدول وهي مواقف متعارضة تماما للموقف السعودي من الجماعة والتي ترى السعودية أنهم يشكلون خطرا على الامن القومي الخليجي. ومما لا شك فيه هذه التباينات في مجملها ستضعف مركز وثقل السعودية في مجلس التعاون الخليجي والحد من هيمنتها هناك. والاجتماع الذي عقد مؤخرا في السعودية بين السعودية والكويت والامارات بناءا على طلب العاهل السعودي الملك عبدالله انما اتى لمناقشة الخلافات الخليجية ومحاولة احتوائها. بالإضافة الى ذلك فان هنالك عدد من الدول الخليجية غير راضية على ما يقوم به الأمير بندر بن سلطان في سوريا، وترى أن السعودية بذلك قد غادرت مواقف الاعتدال وانخرطت في حرب دامية عدمية ضد دولة عربية، ولا ترى لها أي مصلحة في ذلك لا من بعيد ولا من قريب وأنها تخشى انعكاساتها على منطقة الخليج برمته نتيجة هذا التهور السعودي والعقلية البدوية الثأرية التي أصبحت السمة المميزة للسياسة الخارجية السعودية في التعامل مع هذا الملف. في النهاية نود أن نقول أن الولايات المتحدة ماضية في طريق الحل السياسي للملف النووي الإيراني على الأقل في المدى المنظور، واتفاقها مع ايران على ما يبدو هو حاجة استراتيجية أمريكية، وهذا ما يفسر لماذا أقدمت الإدارة الامريكية على المجازفة السياسية لفتح قنوات اتصال ومباحثات سرية مع ايران منذ عام 2011 قبل مجيء روحاني. وهذه المباحثات كثفت وأصبحت على مستويات عالية منذ شهر مارس اذار من هذا العام، حيث ضم الوفد الأمريكي وليم بيرنز نائب وزير الخارجية السابق وجاك سلفان مستشار نائب الرئيس جو بايدن للسياسة الخارجية ووندي شيرمان رئيسة الوفد الأمريكي الذي تولى المباحثات النووية في جنيف 2. لقد جرت كل هذه الاجتماعات في سرية مطلقة ولم يبلغ عنها الطرف الأمريكي حتى لأقرب الحلفاء الا بعد أن انتهت الطبخة وذلك في سبتمبر الماضي. وينبع هذا التوجه الأمريكي من عدة عوامل كنا قد أشرنا اليها في مقالات سابقة هنا من على صفحات المنار. فالأمبراطورية الامريكية خسرت على أكثر من جبهة سواء على الجبهة الاقتصادية او السياسية أو العسكرية، مما أدى الى التراجع في دورها وقدراتها وموقع الريادة التي تمتعت به على المستوى العالمي وخاصة بعد غياب الاتحاد السوفياتي. ومما لا شك فيه أن ظهور التكتلات الجديدة وخاصة منظومة البريكس وتعاظم الدور الروسي والصين على الساحة الدولية، والتغيرات الحاصلة في التوازنات الاقليمية والدولية قد أثرت على المواقف الامريكية وأجبرتها على التكيف مع هذه المعطيات الجديدة إن ارادت الحفاظ على مصالحها الحيوية في المنطقة. ولقد عودتنا الولايات المتحدة على التخلي عن ادواتها وعن حلفائها اذا ما تعرضت مصالحها للخطر، ولهذا لن نستغرب إذا ما كان هنالك مزيدا من الخيبة لكل من الكيان الصهيوني والسعودية بالتحديد، فالولايات المتحدة تبحث عن مصالحها ولا تعير نباح حلفائها وأدواتها اهتماما كبيرا.