2026-09-14 08:15 م

تصريحات كيري الأخيرة حول جماعة الاخوان المسلمين بمصر

2013-11-24
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
أثارت تصريحات وزير الخارجية الأمريكي كيري حول الإخوان المسلمين في مصر مؤخرا جدلا واسعا. فبينما اعتبرها البعض أنها تمثل انعطافا سياسيا واستراتيجيا في السياسة الخارجية الامريكية في المنطقة، فأن البعض الاخر رأى انها تعكس حالة التخبط وعدم وجود رؤية واستراتيجية واضحة المعالم في التعامل مع ما يجري على الساحة المصرية. وكان ان تحدث كيري عن الشباب المصري الذي قام بالثورة المصرية عام 2011 " فتيان ميدان التحرير لم يتحركوا بدافع من أي دين أو أيدولوجية" بل " كانوا يريدون أن يدرسوا وأن يعملوا وأن يكون لهم مستقبل....لا حكومة فاسدة (حكومة مرسي) تحرمهم من ذلك كله". وهاجم كيري في تصريحاته جماعة الاخوان المسلمين بقسوة واتهمها ب "سرقة" الثورة في مصر. وفي معرض الكلمة التي القاها في المجلس الاستشاري للأمن الخارجي بوزارة الخارجية الامريكية تطرق كيري الى التحرك الشعبي في 30 يوليو ضد الرئيس مرسي واعتبر أن الهدف من تدخل الجيش المصري بقيادة الفريق أول عبد الفتاح السيسي لعزل مرسي هو "إعادة الديمقراطية". مما لا شك فيه أن هنالك خلافا وتباينا في المواقف بشأن الملف المصري بين وزارتي الخارجية والداخلية الممثلتين بكيري وهاغل وبين مجلس الامن القومي الممثل بمستشارته رايس. ولقد كتب عن هذا بشيء من الاسهاب الصحفي الأمريكي جوش روجن في صحيفة ذي ديلي بيست الامريكية 18 نوفمبر. ومن الواضح أن الخلاف الرئيسي يدور حول الموقف من الاخوان المسلمين ودورهم المستقبلي، فمستشارة الامن القومي الأمريكي والبعض في الإدارة يرون أن فكرة التعامل والشراكة مع جماعة الاخوان المسلمين والتي بنت عليها الإدارة الامريكية استراتيجيتها في المنطقة بعد صعود الاخوان في مصر وتونس وسيطرتهم على زمام السلطة والتي لعبت تركيا أردوغان دورا هاما في اقناع الإدارة الامريكية بهذه الشراكة، نقول أن رايس وزبانيتها ما زالوا يعتقدون أن هذه الاستراتيجية والشراكة ما زالت ممكنة وذلك لان التيارات الاسلامية ما زالت أقرب الى الشارع بحسب تقدير مجلس الامن القومي الأمريكي. ولقد وضحت الاختلافات في وجهات النظر عند مناقشة المعونة الامريكية التي تقدم من البنتاغون للجيش المصري، حيث صرح أحد الخبراء الامريكيين بالشؤون المصرية في واشنطن والقريب من الإدارة بأن " هنالك خلافات حقيقية وجوهرية بين سوزان رايس وجون كيري بالنسبة للسياسة التي يجب اتباعها في مصر. ويتابع ويقول " لم نكن لنرى أي تعليقا للمعونة لو ترك الامر لجون كيري وتشاك هاغل". وبغض النظر عن هذا الخلاف في الإدارة الامريكية أو تعليقات البعض الذين يأخذون على إدارة أوباما طريقة تعاملها مع الملف المصري وموقفها حيال ما جرى ويجري في مصر بأنه مبني على ردة فعل وغياب استراتيجية واضحة التي يمكنها أن تخدم المصالح الامريكية على المدى الطويل في مصر كما يقول تمارا كوفمان من مؤسسة بروكينغ الامريكية، فان ما صرح به كيري في هذا الوقت بالتحديد له دلالاته وأسبابه. فهذا الخلاف في الرؤيا في الإدارة الامريكية ليس وليد الساعة بل أنه متواجد منذ فترة طويلة، وذلك يحتم علينا أن نبحث عن الاسباب المرتبطة بالتوقيت وما يجري على الساحة من متغيرات. بداية قد ينظر لهذه التصريحات أنها تأتي ضمن الخطوات التي تقوم بها الإدارة الامريكية لاسترضاء ادواتها في المنطقة وبالتحديد السعودية وبعض الدول الخليجية، التي شعرت بأن التقارب الأمريكي-الإيراني ومحاولة حل الملف النووي الإيراني عبر المباحثات، والتخلي عن الخيار العسكري ضد ايران، يعني بالضرورة التخلي عن الالتزامات الأمنية التي قطعتها الادارات الامريكية المتعاقبة منذ أكثر من 70 عاما على نفسها للسعودية، وذلك مقابل ضمان تدفق النفط والسيطرة على منابعه. ولقد أبدت السعودية غضبا تجلى في التصريحات العلنية من قبل الامير بندر بن سلطان على سبيل المثال لا الحصر، بات على المملكة ان تبحث عن حلفاء جدد وعن شراء أسلحة من دول أخرى غير الولايات المتحدة. وقامت السعودية بعقد صفقة بمليارات الدولارات مع فرنسا وكذلك مع باكستان للحصول على صواريخ حاملة للرؤوس النووية، على ان يتم الحصول عليها فيما إذا وقعت اتفاقية بين الدول الست وايران لا ترضى عليها السعودية. وبالإضافة الى ذلك العمل على تعطيل التحضيرات لمؤتمر جنيف لحل الازمة السورية عن طريق المفاوضات. وهذا الغضب والرعب الذي أصاب السعودية لا يقتصر على الملف النووي الإيراني فقط، بل يتعداه الى هو أبعد من ذلك فالسعودية ترى أن هذا (أي الاتفاق) سيشكل اعترافا ضمنيا بإيران كدولة نووية وذات فعل وازن في المنطقة، مما يعني أنه سيكون لها دور رئيس في معظم الملفات الساخنة في المنطقة والتي تتضمن سوريا، والعراق، ولبنان، والبحرين، واليمن..الخ. وهذا ما سيضعف الدور السعودي وقدرته على المناورة والهيمنة التي مارسها باستخدام دولارات النفط واللعب على التناقضات في البلدان المعنية. ومصر كانت موقع خلاف رئيسي بين السعودية والإدارة الامريكية حيث قامت السعودية بتقديم الدعم السياسي والمالي والإعلامي لخطوة الجيش المصري في عزل الرئيس مرسي والوقوف بحزم ضد جماعة الاخوان المسلمين، بينما تدخلت الإدارة الامريكية للإفراج عن مرسي وعدم محاكمته ولم ترتضى عما قام به الجيش المصري، وحاولت بكل السبل دفع الجيش لعملية المصالحة مع جماعة الاخوان المسلمين. ولذلك يمكن أن ترى تصريحات كيري الأخيرة من باب إرضاء السعودية في الملف المصري، على أمل أن تكف السعودية عن محاولات التعطيل أو التشويش على السياسة الامريكية والمنحى الذي تتخذه إدارة أوباما في الملفين السوري والإيراني. وليس من المستغرب أن نرى مزيدا من "المكاسب" السعودية في المنطقة لتهدئتها. أما السبب الاخر للموقف الذي عبر عنه كيري قد يعود لوصول الإدارة الامريكية بأن مشروع التحالف مع الإسلام السياسي الممثل بجماعة الاخوان المسلمين في المنطقة قد باء بالفشل، أو على الأقل أنه لن يعود بالفائدة على الولايات المتحدة، وخاصة في تحقيق مصالحها الاستراتيجية في المنطقة وما يحيط بها، عدا عن أنه من الممكن أن يشكل عبئا عليها ويؤخر دخولها الى مناطق حيوية واستراتيجية لها وخاصة في آسيا ومحيط الباسفيك. ولا شك أن السقوط المدوي والسريع لجماعة الاخوان المسلمين في مصر التي تعتبر تاريخيا مهد الجماعة الإقليمي والدولي، والتراجع الذي شهدته وتشهده الجماعة في تونس، الى جانب الفشل الذريع للسياسة الخارجية التركية التي قادها اردوغان ووزير خارجيته أوغلو التي انتهت الى علاقات اشتباك وصراع مع دول الجوار الاقليمية والمحورية والفاعلة، هذا عدا عن التراجع في شعبية حزبه على المستوى الداخلي نتيجة سياسة القمع والبطش التي انتهجها في التعامل مع المتظاهرين والمحتجين الاتراك، كل هذه الأمور والاحداث قد لعبت دورا في التغير في الموقف الأمريكي. أما السبب الذي ربما يكون الأخير هنا، فهو التقارب الروسي-المصري الذي تمخض عن زيارة وزير الخارجية ووزير الدفاع الروسي الى مصر مؤخرا، وما نتج عن هذه الزيارة من اتفاقيات وتفاهمات التي يمكن أن تؤسس الى علاقات قوية واستراتيجية في المستقبل. فقد تم التعاقد على شراء أسلحة روسية بما قيمته 2 مليار دولار، وهي أكبر صفقة لتصدير أسلحة روسية لمصر، وذلك منذ عام 1977 عندما انهى الرئيس السادات التعاقدات مع كافة شركات الأسلحة الروسية ومتوجها الى الشركات الامريكية. وأغلب الظن أن السعودية هي التي ستقوم بتغطية تكاليف هذه الصفقة. وهنالك العديد من الاتفاقيات فيما يختص بالتدريب لضباط الجيش واجراء المناورات العسكرية المشتركة ومكافحة الارهاب. كما أن هنالك عقود تجارية وبيع القمح لمصر، ودراسة احياء المصانع الحربية المصرية ..الخ. كل هذا يشير الى أن مصر الجديدة ستسلك طريقا تحاول من خلاله إقامة علاقات متوازية ومتوازنة على الساحة الدولية والتحرر من التبعية الامريكية في المجالات الاقتصادية والعسكرية وغيرها والتي كبلتها لعقود طويلة من الزمن. ومن المؤكد أن هذا سيتيح لها الدخول التدريجي والفاعل على الساحات العربية والإقليمية والدولية، والتي غيبت عنهم ولفترة طويلة. ونحن لا ندعي هنا أن مصر ستتخلى عن علاقاتها الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، فهذه العلاقة قد استمرت لعقود من الزمن وليس من السهولة بمكان فك هذا الإرتباط حتى لو توفرت النية وهي غير متوفرة بالتأكيد. ولا ندعي أن مصر ستعود مصر عبد الناصر مع اننا نأمل ذلك وبشدة، وربما خير دليل على ذلك عدم عودة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا لغاية الان على الرغم من انقضاء ثلاثة أشهر من عزل الرئيس مرسي، بينما يعود ويستقبل سفير الكيان الصهيوني في القاهرة. ولكن هذا لا يمنع القلق الأمريكي من التقارب الروسي-المصري وخاصة وانها تدرك ان الدور الروسي في تزايد مستمر، وأنه يحاول استغلال تراجع الدور الأمريكي في المنطقة. ومرة أخرى نقول أننا مدركين بان روسيا اليوم هي ليست بقدر الاتحاد السوفياتي سابقا، ولكن في نفس الوقت يجب أن لا نقلل على الاطلاق من الدور الايجابي الذي لعبته وتلعبه روسيا اليوم في منطقتنا وأن العالم اليوم أصبح متعدد الأقطاب. في النهاية نعود لنذكر أن هنالك العديد من الأسباب التي جعلت كيري ينطق بالتصريحات الأخيرة وكلها مرتبط بالقراءة الجديدة للواقع الإقليمي والدولي من قبل الإدارة الامريكية، وهي بالتأكيد ليست نابعة من موقف شخصي أو انه يعبر عن وجهة نظره فقط كما يقول البعض. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا متى يفيق بعض العربان ويستدركوا المتغيرات الإقليمية والدولية ويتجهوا لحل النزاعات بالطرق السلمية والحوار، بدلا من إشاعة الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية في المنطقة، والاتيان بكل الإرهابيين والتكفيريين واكلة لحوم البشر من بقاع العالم، وصرف المليارات في محاولة لتحقيق ذلك؟