2026-09-14 01:54 م

شتان بين الخيارين

2013-11-23
بقلم: عبد الحكيم مرزوق

مع وصول محادثات جنيف إلى المراحل النهائية للوصول لاتفاق بين الدول الستة الكبار مع إيران حول أنشطة إيران النووية يبدو السؤال الأهم هو كيف استطاعت الجمهورية الإسلامية الإيرانية أن تروض الدول العظمى وتجبرهم على الجلوس معها على طاولة المفاوضات للتباحث معها حول برنامجها النووي الذي يبدو في الظاهر عملاً ديبلوماسياً بدرجة ممتازة لكنه في المضمون يحمل الكثير من الرسائل الضمنية لتلك الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية مفادها أن المسألة فيها نوع من كسر العظم استطاعت في النهاية أن تربح الجمهورية الإسلامية الجولة لصالحها وتجعل التاريخ يسجل بأحرف من ذهب أنها لم تعد دولة الأرقام "هامشية" بل أصبحت من الدول الكبرى التي ينبغي أن يحسب لها ألف حساب عبر المعادلات الدولية .
هذا النجاح للجمهورية الإسلامية لم يأت من فراغ ويمكن القول بكثير من الثقة أنها استطاعت منذ أربعة وثلاثين عاماً أن تستفيد من الثروات البشرية والمادية في رفع شأن تلك الدولة التي كانت في زمن الشاه تابعاً للسيد الأمريكي والشرطي الذي يسلط عصاه على دول منطقة الخليج ، لكن الثورة الإيرانية التي انطلقت في الحادي عشر من شباط عام 1979،بقيادة مفجرها الإمام الخميني كانت ثورة لم تحد عن المبادئ التي قامت عليها، على الرغم من التحديات والصعوبات، وعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة عقود على انطلاقها. وأصبح ذلك التاريخ منارة وشاهد عصر على انتصار ثورة غيرت مجرى تاريخ المنطقة برمتها وهي اليوم باتفاقها مع الدول العظمى تغير مجرى التاريخ وتغير المعادلات الإقليمية والدولية في العالم .
لقد وظفت موارد ثرواتها الباطنية في التطور العلمي والتقني واستطاعت بفضل علمائها وانجازاتهم أن تلحق بركب التطور في العالم وتحقق تطورات مذهلة في المجالات العلمية والتقنية كانت بمثابة نقلة نوعية أنجزتها طليعة من جيل الشباب ومنها أن المجلس الوطني الأمريكي للمعلومات اعتبر إيران من إحدى الدول العشرة في العالم المتميزة في مجال التقدم العلمي والتقني خلال العقدين القادمين، مؤكداً أن مصادر الإنتاج العلمي في إيران كانت ملفتة للنظر خلال الأعوام الأخيرة، وحصول إيران على المرتبة 13 بين دول العالم في مجال إنتاج العلم حسب تقييم منظمة (آي أس آي)، وإن المقالات والأبحاث العلمية المقدمة لهذه المنظمة والموجودة على الموقع الالكتروني (اسكوبوس) وصلت إلى 14 ألف مقالة.
حصول الدكتور غلام علي بيمان على الميدالية الوطنية الأمريكية للعلوم للعام 2013، وذلك بسبب اختراعه تقنية جراحة الليزيك للعين. وقد اختارت الأكاديمية الوطنية للعلوم في أمريكا هذا الطبيب الإيراني لأهمية اختراعه المذهل الذي أحدث ثورة كبرى في عالم طب العيون وجراحتها.
تواصل التبادل العلمي والهندسي بين إيران وحوالي 30 دولة في آسيا، أفريقيا وأمريكا اللاتينية في مجال علوم الجيولوجيا و كشف المناجم، وتقيم المؤسسات الإيرانية دورات تدريبية وتأهيلية لتعليم المهندسين في هذه الدول بإشراف خبراء ومتخصصين من إيران.
تعتبر إيران من أولى الدول في العالم من حيث إنتاج المحاصيل الزراعية المعدلة وراثياً. وقد نجح العلماء الإيرانيون في التعديل الجيني للرز الإيراني المشهور عالمياً بنكهته وطعمه المميز، وكذلك في إنتاج المحاصيل المقاومة للآفات الزراعية والوقاية من الأمراض الحقلية ومكافحتها.
التطور العلمي في مجال النانو حيث نجح الشباب الإيراني في تقديم اختراعات رائعة كإنتاج ألواح الزجاج ذات التنظيف الذاتي، والذي يستخدم في الأبراج العالية التي يصعب الوصول إليها لتنظيفها أو إنتاج الأصباغ والدهانات بسرعة تنشيف وجفاف فائقة أو بقية استخدامات الناتو في الطب والهندسة وغيرها.
هذه بعض تلك الانجازات التي جعلت الدولة الإسلامية تدخل النادي النووي العالمي من أوسع أبوابه وتجعل الدول العظمى تعترف بها وبحقها في تخصيب اليورانيوم وهذا مالم تفعله أي دولة عربية غنية بالثروات النفطية من دول الخليج التي تهدر أموالها على موائد القمار في أندية العهر الليلية في واشنطن ودول أوربا وليس ذلك فحسب بل تغرق في الخيانة أو التآمر على جيرانها من الدول التي تعادي أمريكا وإسرائيل وعلى هذا ليس مستغرباً أن نرى دولاً تناطح الكبار وهي تنضح بالكرامة وأخرى غارقة بالوضاعة والذل وهي ممتلئة بالعار والانحطاط وشتان بين الخيارين.