2026-09-14 01:06 م

قراءة في زيارة الرئيس الفرنسي هولاند للكيان الصهيوني

2013-11-18
الدكتور بهيج سكاكيني
لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي هولاند للكيان الصهيوني لتحظى بالاهتمام لولا سببين أساسيين. أولهما الضجة التي أثيرت في إطار الترتيبات البروتوكولية للزيارة قبل المجيء، وذلك عندما قام الجانب الفرنسي بإعلام الطرف الإسرائيلي بإلغاء القاء كلمة في الكنيست الإسرائيلي من قبل الرئيس هولاند. عندها ثار واحتد يولي ادلشتاين رئيس الكنيست وهدد بإلغاء المراسيم الرسمية لاستقبال الرئيس الفرنسي. وهذا بدوره استفز الفرنسيين خاص وسائل الاعلام التي وجدت في ردة الفعل الإسرائيلية على حدث بروتوكولي عادي أنه غير مبرر وأنه قد يؤدي الى توتير العلاقة بين البلدين ومن الممكن أن تفضي الى أزمة دبلوماسية. ودخل على الخط كبار شخصيات الجالية اليهودية في فرنسا. وكل هذا أدى الى تراجع الرئيس هولاند عن الموقف والقبول بإلقاء كلمة في الكنيست، مما أدى الى تغير نبرة ولهجة ادلشتاين حيث صرح بعدها " إنه لشرف عظيم أن يستضيف الكنيست الإسرائيلي رئيس فرنسا، البلد الذي هومن بين أصدقاء إسرائيل المقربين". وقد يكون من المجدي التنويه هنا بأن الرئيس الأمريكي أوباما في احدى زياراته لإسرائيل قام بإلغاء ترتيب لزيارة الكنيست والقاء كلمة فيه، ولكن عندها لم يجرء رئيس الكنيست أن ينبس بكلمة للاعتراض على القرار الأمريكي. ولا شك أن التراجع الفرنسي لا يعود فقط الى شخصية الرئيس الفرنسي كما صورت الكثير من وسائل الاعلام، بل يعود بالأساس الى التدني الشديد في شعبيته الى أدنى مستوى إذا ما قورنت بأي رئيس فرنسي سابق منذ عام 1958، حيش أبدت استطلاعات الرأي الذي أجراه معهد ايفوب والذي نشر مؤخرا في صحيفة لوجورنال دو ديمانش بأن شعبيته استقرت على 20% في فترة تشرين الثاني/ نوفمبر. ومن هنا فأن هولاند يريد أن يثبت من خلال زيارته أنه زعيم دولي ولاعب أساسي في تحريك الملفات الدولية، على أمل أن ينعكس ذلك إيجابا على مستوى شعبيته المتهاوية بمعدلات غير مسبوقة في التاريخ الفرنسي، الى جانب الامل في تحصيل بعض المكاسب الاقتصادية لفرنسا. أما السبب الاخر الذي أثار اهتماما بالزيارة فهو توقيتها. فهي تأتي على خلفية المباحثات التي جرت في جنيف بشأن الملف النووي بين ايران والدول الست والتي تضمنت الولايات المتحدة وروسيا والصين وانكلترا وفرنسا وألمانيا، وقرب انعقاد الجولة الثانية من المباحثات وذلك في 20 نوفمبر أي بعد بضعة أيام. وكان أن تدخلت فرنسا بواسطة وزير خارجيتها فابيوس في اللحظة الأخيرة من المباحثات بالنيابة عن إسرائيل والسعودية كما كنا أشرنا في مقال سابق من على صفحات المنار، مما وضع العراقيل أمام التوصل الى الوصول الى اتفاق والتوقيع عليه من قبل وزراء خارجية الدول الست وايران كما كان متوقعا. ولقد ابدى العديد من وزراء الخارجية الحاضرين امتعاضا من الموقف الفرنسي بهذا الخصوص. وهذا الموقف المشين الذي وقفته فرنسا والمتناغم مع المواقف الاسرائيلية يتبدى من خلال التصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو حيث أكد في معرض حديثه " إسرائيل ترى في فرنسا صديقا حقيقيا" وربما هذا التصريح قد يكون موجها الى وزير الخارجية الأمريكي كيري الذي من المفترض أن يأتي للاجتماع بنتنياهو قريبا. وكذلك ذكر نتنياهو بأن زيارة هولاند "تحظى بأهمية خاصة في ضوء محادثات جنيف حول الملف النووي الإيراني"، وبالتالي فهو لا يخفي الهدف من هذه الزيارة. ولقد أصبح من الواضح لكل مراقب بأن إسرائيل وفرنسا والسعودية تسعى مجتمعة لوضع كافة العراقيل أمام التوصل الى اتفاقية مع ايران حول برنامجها النووي. وتعمل إسرائيل على التحرك على عدة جبهات لتحقيق ذلك وهي الغاضبة على الإدارة الامريكية لإسقاطها الخيار العسكري للتعامل مع ايران وتفضيلها لمسار المفاوضات بهذا الخصوص. وبهذا الخصوص تسعى إسرائيل لايجاد شرخ بين الدول الست المشاركة بالمفاوضات من خلال استغلالها لفرنسا كما انها تسعى لكسب غيرها من الدول الأوروبية لتشكيل قوة ضاغطة أوروبية. وتأتي كلمات الغزل الإسرائيلي لهولاند لتشعره بأنه زعيم دولي فاعل في هذا الإطار، سواء من نتنياهو أو بيرس فقد أشاد بيرس على سبيل المثال بموقف هولاند الذي "لا يتزعزع لمنع ايران من امتلاك هذا السلاح". وعلى ما يبدو أن هولاند أمضى بعض الوقت قبل مجيئه حتى ينطق بالعبرية في المطار قائلا انه "سأبقى دائما صديقا لإسرائيل". كما صرح " تعتبر فرنسا الانتشار النووي خطرا وتهديدا، وخصوصا لإسرائيل والمنطقة، والعالم بطبيعة الحال. وطالما لم نتيقن من تخلي إيران عن السلاح النووي، سنبقي على كل شروطنا والعقوبات". وفي معرض حديثه عن الشروط ذكر هولاند أن فرنسا مع فكرة التوصل الى اتفاق مرحلي مع ايران ضمن أربعة شروط أساسية وهي وضع كامل المنشآت النووية الايرانية تحت الرقابة الدولية حال التوقيع على الاتفاق، تعليق تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، خفض المخزون الموجود حاليا ووقف بناء مفاعل اراك الذي يعمل بالماء الثقيل. ولقد اقحمت قضية مفاعل آراك في اللحظة الأخيرة في المفاوضات من قبل فرنسا وبتوجيهات إسرائيلية وبناءا على معلومات استخباراتية إسرائيلية كاذبة، وهذا بشهادة أمريكية قبل أن تكون من أي طرف أخر، حيث نقلت صحيفة ورلد تربيون الامريكية عن مستشارة الامن القومي الأمريكي سوزان رايس القول " ان بعض التقارير التي قدمتها إسرائيل كانت مضللة بشكل صريح". هذا وقد أشارت أجهزة الاستخبارات الامريكية أن التقييم الإسرائيلي فيما يخص القدرة الإيرانية على امتلاك الأسلحة النووية أمر مبالغ فيه. وبالتاكيد هذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة التي تحاول فيها إسرائيل خداع الرأي العام العالمي بتقارير ملفقة وكاذبة، ليقاتل بالنيابة عنها وعن مشروعها التوسعي وسيطرتها وهيمنتها على المنطقة. وقد عملت ايران على سحب البساط من تحت الحجج الفرنسية حيث أتمت اتفاقية مؤخرا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفريق التفتيش وذلك قبل يومين فقط، استباقا لدورة المفاوضات القادمة، لتبين مرة أخرى على حسن نواياها وجدية موقفها من ابرام الاتفاقية بشأن برنامجها النووي في مقابل رفع نظام العقوبات الاقتصادية الجائرة عليها. وبينما ترى إسرائيل ان هذه الشروط ضرورية، الا أنها تذهب الى أبعد من ذلك فهي على حسب التصريحات لوزير الاقتصاد الإسرائيلي الذي أرسله نتنياهو لتأليب أعضاء الكونغرس الأمريكي على إدارة أوباما، فأن إسرائيل لن تكتفي بوقف البرنامج النووي الإيراني فقط بل تريد تفكيك البرنامج النووي بالكامل حيث أن إسرائيل ترى " ان اتفاقا لا يفكك البرنامج النووي لإيران سيسمح للجمهورية الإسلامية بأن تصبح دولة نووية وهذا ما نسميه اتفاقا سيئا". ولا يجد مبعوث نتنياهو حرجا في التهديد بالهجوم على ايران فهو يذكر بأن إسرائيل قامت بتدمير المفاعل العراقي عام 1981 الذي بناه الرئيس صدام حسين وكذلك الامر على ما يبدو عام 2007 في سورية. وليس غريبا التسريبات التي أوردت عن وجود تنسيق سعودي إسرائيلي بشأن ضربة إسرائيلية محتملة لبعض المنشآت النووية الإيرانية وعلى أن السعودية ستسمح لإسرائيل باستخدام أجوائها لهذا الغرض، وذلك في حالة فشل المفاوضات والتي تعمل عليها كل من إسرائيل والسعودية. وأسلوب تخويف وإرهاب الدول الغربية بأن إسرائيل ستقوم بضرب المنشآت النووية الإيرانية منفردة هو احدى الوسائل التي تتبعها إسرائيل لابتزاز المواقف الدولية لصالحها، وهي تجند وتحشد كل ما في استطاعتها لهذا الغرض. ولقد أشارت صحيفة ذي تايمز أوف إسرائيل 10 نوفمبر، بأن عضو البرلمان الفرنسي مائير حبيب قد اتصل شخصيا بفابيوس أثناء جولة المباحثات السابقة في جنيف وحذره من أن نتنياهو سيقوم بمهاجمة ايران اذا ما تم التوقيع على الاتفاق بصيغته المطروحة وقال من ضمن حديثه " أنا أعرف ذلك. أنا أعرفه (نتنياهو). يجب عليك أن تتشدد في مواقفك لتمنع حدوث حرب". ومائير هذا صديق شخصي لنتنياهو وحامل لجواز سفر إسرائيلي، وكان سابقا يشغل منصب المتحدث الرسمي لحزب الليكود الإسرائيلي في فرنسا بالإضافة الى كونه نائب الرئيس لمنظمة يهودية صهيونية في باريس على مشابهة AIPAC في الولايات المتحدة. يبقى أن نقول بأن هولاند جلب معه العديد من رجال الاعمال الذين يمثلون شركات فرنسية في محاولة لإبرام بعض الصفقات التجارية مع إسرائيل، لتحسين الأوضاع الاقتصادية المتردية في فرنسا، ففي العلاقات الانتهازية والنفعية والطفيلية لكل شيء له ثمن، والسعودية دفعت ما عليها من خلال عقد صفقة أسلحة بقيمة حوالي ملياري دولار مع شركات فرنسية تتضمن طائرات وسفن حربية وأجهزة صواريخ متطورة وهنالك إمكانية لابرام اتفاقية لإنشاء محطة مفاعل نووي لتوليد الطاقة، مشابه للاتفاقية التي ابرمت بين شركة أرفا الفرنسية العملاقة والامارات العام المنصرم. ويجب أن لا ننسى أن دولة قطر قد استثمرت 15 مليار دولار في فرنسا في مشاريع مختلفة. وهذا يدلل بشكل واضح المصالح الاقتصادية الجمة التي تجنيها فرنسا وتأمل في زيادتها بلعب دور الوكيل لهذه الدويلات الكرتونية على الساحتين الدولية والإقليمية كما هو الحال بالموقف من الازمة السورية. والسؤال هنا، ماذا يا هل ترى ستقدم إسرائيل لفرنسا في مقابل لعب دور الوكيل في المفاوضات حول الملف الإيراني النووي؟ لننتظر ونرى ما ستكشفه لنا الأيام القادمة.