2026-09-14 07:19 م

التوبيخ الأمريكي لإسرائيل بسبب المستوطنات أهو "فشة خلق" ؟

2013-11-16
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
الفارق الزمني بين اعلان وزارة الاسكان الاسرائيلية عن المخطط لبناء 24 وحدة سكنية في المستوطنات اليهودية السرطانية في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وتدخل نتنياهو لإيقاف المخطط يدل بشكل واضح على مدى قدرة الولايات المتحدة على لجم العنترية والرعونة الاسرائيلية ووضعها عند حدها متى ارادت الادارة الامريكية ذلك. وهذا الامر بالطبع مخالف للرأي القائل بأن اسرائيل تتحكم كلية بالإدارة الامريكية، وبالقرارات التي تصدر عنها فيما يختص بالقضية الفلسطينية أو غيرها من القضايا. بالإضافة الى ذلك لا شك أن الموقف الفلسطيني بالتهديد بالانسحاب من المفاوضات والتلميح باللجوء للمؤسسات الدولية ومجلس الامن فيما يتعلق بعدم شرعية المستوطنات وخاصة بعد اصباغ صفة الدولة على فلسطين في الامم المتحدة، قد لعب دورا في الضغط على الادارة الامريكية المنزعجة من نتنياهو وتصرفاته في الفترة الاخيرة، ومحاولاته المتكررة بالاستقواء بالكونغرس الامريكي ضد ادارته بالنسبة للتراجع عن الحلول العسكرية في الازمة السورية والتقارب النسبي مع ايران بشأن برنامجا النووي وغيرها من الملفات، والتي ترى بها اسرائيل أنها بداية تخلي امريكا عن حلفائها في المنطقة، مما أثار الكثير من المخاوف الاسرائيلية. أمريكا سائرة في طريق حل الكثير من الملفات العالقة في المنطقة بالشكل التي ترتئيه أنه يخدم مصالحها وخاصة بعد الفشل الذريع الذي مني بها حلفائها وادواتها في المنطقة وخاصة فيما يتعلق بالأزمة السورية. فلم يستطيعوا أن يسقطوا النظام السوري على الرغم من مليارات الدولارات التي وظفت ودفعت لذلك وتسليح الارهابيين والمجيء بعشرات الالاف منهم من كل بقاع العالم. فما زالت سوريا الشعب والجيش والقيادة والدولة بمؤسساتها صامدة وتعمل على الأرض بالرغم من كل الدمار الذي سببته الهجمة الكونية عليها. ليس هذا وحسب بل انتجت هذه الهجمة وبفعل الصمود الاسطوري لسوريا والدعم المبدأي لحلفائها من تأسيس نظام عالمي جديد وكسر الهيمنة والتسلط الامريكي في العالم وبروز الدور الروسي والصيني بشكل فاعل وموثر على الساحتين الإقليمية والدولية. وفشلت اسرائيل في حربها على لبنان 2006 والتي خاضتها نيابة عن الولايات المتحدة لتحقيق الاهداف الاستراتيجية الامريكية في المنطقة وبناء ما سمي بالشرق الاوسط الجديد التي بشرتنا به سيئة الصيت كونداليزا رايس عندما شغلت منصب وزارة الخارجية الامريكية. وفشلت اسرائيل في تحقيق اهدافها من العدوان الفاشي على غزة عام 2008. ولا شك أن أمريكا تضع نصب أعينها كل هذا، وكذلك التغيرات التي حدثت سواء على الوضع الاقليمي أو الدولي وتعيد حساباتها وبوصلة مصالحها بالدرجة الأولى، وهذا يأتي في سلم أولويات سياستها الخارجية، وهذه المصالح ليس بالضرورة ان تتطابق مع مصالح حلفائها وادواتها في المنطقة. وهذا ما قد يفسر اسباب التضارب والخلافات بين الولايات المتحدة من طرف واسرائيل والسعودية من الطرف الاخر وربما يفسر أيضا العلاقة الدافئة والمتنامية بين السعودية واسرائيل هذه الايام، وخاصة أن كلاهما يرفضان رؤية الوقائع الجديدة على الارض اقليميا ودوليا فهما كالنعامة التي دفنت رأسها بالأرض. ومن الملاحظ أن الولايات المتحدة لا تعير أهمية لحلفائها أو أدواتها مهما كانوا صغارا أم كبارا. وليس أدل على ذلك حديثا مما ذكره توني بادران في مقال له نشرته مؤسسة للدفاع عن الديمقراطيات الامريكية في نشرتها بتاريخ 14 نوفمبر من هذا العام حيث يذكر بأن إدارة أوباما لم تستشر فرنسا عندما قررت التراجع عن ما سمي "بالضربة " العسكرية لسوريا في أخر لحظة. فقد كانت فرنسا على بعد بضعة ساعات من البدء بالهجوم عندما أبلغت أخيرا بأن أوباما قد غير رأيه. هذا مع العلم بأن فرنسا كانت الدولة الوحيدة التي وقفت بقواتها العسكرية مع الولايات المتحدة بالرغم من وجود معارضة شديدة جدا داخل فرنسا للمشاركة بالعدوان على سوريا. وكانت أن انسحبت بريطانيا من الحملة العسكرية بعد تصويت البرلمان البريطاني ضد المشاركة في الحرب. أما السعودية فلم تحظى حتى بمكالمة هاتفية من البيت الأبيض، وكان أن علمت بالخبر من وسائل الاعلام مثل أي دولة أو انسان عادي. وأن دل على شيء فانه يدل على أن الولايات المتحدة تعامل السعودية كنكرة وكدولة وظيفية. وكانت الولايات المتحدة قد رفضت طلبا سعوديا في أوج التحضيرات للعدوان بتزويدها بلائحة الأهداف التي كانت أمريكا قد حددت ضربها في الداخل السوري، هذا مع العلم بأن السعودية قد تكفلت بدفع كافة تكاليف العدوان على سوريا، وهذا ما أكده وزير الخارجية الأمريكي كيري في احدى جلسات الكونغرس التي تم بها استجوابه الى جانب وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان للجيش الأمريكي وذلك حول التحضيرات للعدوان على سوريا. أما إسرائيل فلم تكن في وضع أفضل قبل حوالي أسبوع فيما يتعلق بالمباحثات التي كانت تجري بين ايران والدول الست حول برنامجها النووي. فقد علمت عن التغير في الموقف الأمريكي من الملخصات التي كانت تعرض على الصحفيين ومن ثم من الفرنسيين والبريطانيين كما روى توني بادران في مقالته السابقة. وزير الخارجية الأمريكي كيري أكد في العديد من التصريحات بأن الخلاف بين أمريكا وحلفائها في المنطقة هي خلافات على التكتيكات المتبعة وليس على الاستراتيجية. ولكن هنالك عدد من المراقبين والمحللين في دوائر صنع القرار يعتقدون أن القضية أعمق من ذلك، ,أنها مرتبطة بالرؤية الامريكية للمنطقة وإعادة هيكلة أولوياتها ونظرتها الاستراتيجية في المنطقة. ويعتقد بعض المحللين بأن الولايات المتحدة الامريكية على أبواب العمل من أجل وضع ترتيبات أمنية إقليمية جديدة قائمة على مبدأ التوازن ما بين القوى الفاعلة والقوية في المنطقة، وهي تعتبر بأن إيران يجب أن تكون لاعب أساسي في هذه المنظومة الجديدة. وهذا ليس محبة بايران وبما يسمى بتيار روحاني المنفتح وغير المتشدد، بقدر ما هو اعترافا ضمنيا من قبل الولايات المتحدة بأن رهاناتها في المنطقة قد وصلت الى حائط مسدود وأن الاستمرار بالأوضاع على ما هي ربما تزيد من الخسائر الامريكية، واستمرار نشر اعداد كبيرة من قواتها في المنطقة، مما يطلق ايادي الغير وخاصة روسيا والصين في المناطق الاستراتيجية الأخرى في العالم مثل جنوب شرقي آسيا. عولت الولايات المتحدة الى فترة من الفترات على حدوث انتفاضة شعبية في الداخل الإيراني تؤدي الى اسقاط النظام من الداخل. وجاءت تحركات المعارضة الايرانية عام 2009 لتخيب آمال أمريكا، فلقد أثبتت الوقائع أن هذه "الانتفاضة" لم تشكل أي تهديدا حقيقيا للنظام في ايران. ولقد تبع ذلك بعد حوالي سنتين ما سمي زورا وبهتانا "بالربيع العربي" والذي كانت تأمل الولايات المتحدة أن يتمخض هذا الربيع بالمجيء بأنظمة "ليبرالية" بالمقاسات الامريكية، ولكن هذا لم يحث، حيث أدى ذلك الى وصول الاخوان المسلمين الى سدة الحكم في الانتخابات التي جرت في مصر وتونس. ودخلت تركيا على الخط لتعمل مع أمريكا على بناء حلف مع حركة الاخوان المسلمين أو ما سمي بالإسلام السياسي في المنطقة. وكانت تركيا تسعى لان تكون الشريك الأساسي للولايات المتحدة لبناء الشرق أوسط الجديد من خلال إقامة منظومة إسلامية تشكل تركيا ومصر عنوانها الرئيسي. ولكن مع السقوط المدوي لسلطة ونظام الاخوان المسلمين في مصر بالتحديد، سقط معه الرهان الأمريكي والتركي وأصبحت تركيا اردوغان تعاني هي الأخرى من مشاكل داخلية تهدد سلطة اردوغان، كما شهدت تراجعا واضحا في شعبية حزبه الحاكم، وذلك بسبب السياسات الداخلية والخارجية التي انتهجها هو ووزير خارجيته أحمد أوغلو، وخاصة فيما يتعلق بالأزمة السورية وتدخله السافر في الشؤون الداخلية العراقية، والذي يحاول رأب صدعها الان. اما بالنسبة للسعودية فان العلاقة قامت منذ حوالي 70 عاما على أساس البترول والتحكم به وضمان امداداته في مقابل تعهد أمريكي بحماية العائلة المالكة وبقاء عرشها. والذي يبدو أن هذه العلاقة في طريقها الى التغير وخاصة بعد أن أصبحت الولايات المتحدة الامريكية في وضع يمكنها من استخراج البترول والغاز الصخري بأسعار تجارية مربحة مع التطور التقني في عمليات استخراجه واستغلال الكميات الهائلة المتواجدة في أمريكا، بالرغم من وجود بعض الاعتراضات على استخراجه في الداخل الأمريكي لأسباب سياسية وبيئية. ومن المرشح ان تكون أمريكا من الدول المصدرة للغاز الطبيعي والبترول بكميات أكبر بكثير من العديد من دول الاوبيك. هذا بالإضافة الى التعقيد في السياسة الخارجية السعودية واستراتيجيتها في المنطقة والتي لا تتقاطع بالضرورة مع سياسة الولايات المتحدة في المرحلة الحالية والمقبلة. أما إسرائيل فقد تبين بوضوح منذ عام 2006 أن الولايات المتحدة الامريكية لا تستطيع الاعتماد عليها كقوة عسكرية قادرة على فرض الاجندة الامريكية، هذا الى جانب عجزها على حل المشكلة الإيرانية بالقوة العسكرية دون اقحام الجيش الأمريكي، الذي يستطيع أن يبدأ الحرب ولكنه بالتأكيد لن يكون الطرف الذي سيحدد انتهائها والسيطرة على امتدادها الى مساحات جغرافية ودول أخرى. لكل هذه الأسباب مجتمعة تبنت أمريكا سياسة الحوار والمفاوضات السياسية كأسلوب لحل الملفات العالقة في المنطقة. ولهذا فهي لا تريد من أحد من حلفائها او أدواتها التعطيل على المنحى التي تسلكه الإدارة الامريكية في إدارة الصراع في المنطقة. وهذا ما يستشف من قول وزير الخارجية الأمريكي كيري بأن الإدارة تؤمن بأن لديها " ادراك قوي في كيفية قياس ما اذا كنا نتصرف للمحافظة على مصالح بلدنا ومصالح العالم". ولقد أشارت المنار في اعداد سابقة بأن كثير من الدوائر في أمريكا تقول " ان الرئيس أوباما خلال الاجتماعات التي يديرها مع كبار المسؤولين في مجلس الامن القومي ومسؤولي دوائر أمريكية مختلفة يوجه انتقادات ضد إسرائيل واصفا إياها بانها تقاد من أشخاص لا يدركون خطورة المرحلة الراهنة التي يمر بها الشرق الأوسط..". والذي يبدو أنه الى حين أن يدرك الكيان الصهيوني المتغيرات التي طرأت في الأوضاع الإقليمية والدولية والاستدارة التدريجية الامريكية وغيرها من دول المنطقة ستبقى التجاذبات والاحتكاكات الامريكية الاسرائيلية قائمة آخذة بالصعود والهبوط بين الفينة والأخرى.