2026-09-14 01:06 م

طرابلس الجريحة والرهينة

2013-11-14
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
مرة أخرى تضرب يد الظلاميين والإرهابيين في طرابلس وتغتال الشهيد الشيخ المناضل سعد الدين غية أمام منزله. أصبحت الاغتيالات السياسية نمط وأسلوب خسيس للقضاء على الرموز الوطنية المقاومة لقوى الظلام والتكفير والكيان الصهيوني والغطرسة الامريكية في المنطقة. فقد ذهب الشهيد الى العراق وقاتل جيش الاحتلال الأمريكي وأعتقل في لبنان عند عودته لفترة، وهو من المؤيدين والداعمين لخط المقاومة. ولا يسعنا الا أن نلاحظ الارتباط بين عملية الاغتيال هذه وعمليتي اغتيال الشهيدين المناضلين محمد البراهمي وشكري بلعيد في تونس على الرغم من بعد المسافات، فأيادي الظلام والتكفير التي امتدت لتخطف هذه الرموز المقاومة واحدة والاهداف الاستراتيجية من وراء مثل هكذا اغتيالات واحدة. ومما لا شك فيه أن عملية اغتيال الشهيد الشيخ سعد الدين غية لم تكن وليدة الساعة، بل هي عملية مبرمجة، وتأتي ضمن مخطط جهنمي يريد أن يدفع بلبنان الى حرب طائفية ومذهبية لتدمير البلاد والعباد، وجرهم الى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، ويخرج الكل من وراءها خاسرين لان بها دمار للوطن. ولقد سبق عملية الاغتيال الخسيسة هذه عمليتي التفجير في الضاحية الجنوبية، والتفجيرات في طرابلس، ومؤخرا الاشتباكات بين باب التبانة وجبل محسن، والذي أودت بحياة أكثر من عشرة أشخاص وجرح العشرات. وكان أن انتشرت قوات الجيش على أثرها في جبل محسن ولكنها لم تستطيع ولم يسمح لها من الانتشار في باب التبانة الذي ما زال يشكل حاضنة وبؤرة أمنية للعناصر الإرهابية مدعومة للأسف من قيادات سياسية لبنانية متنفذة. وتأتي عملية الاغتيال هذه لتزيد الوضع المحتقن أساسا في طرابلس احتقان والذي ينذر بانفجار لا يحمد عقباه. فعمليات الشحن الطائفي والمذهبي والسياسي لم تتوقف وهي في تصاعد مستمر من أمراء الحرب والإرهاب والتي كان اخرها المهرجان الذي أقيم تحت شعار "إحقاق الحق لأولياء الدم" في تفجيري مسجدي طرابلس قبل أقل من يومين من عملية إغتيال الشيخ الجليل. فقد تنادى الخطباء الواحد تلو الاخر بالتهجم على كافة القوى الوطنية من قوميين وناصرين وبعثين والحزب العربي الديمقراطي ولقد وصل التهجم الى حد المطالبة بعدم القبول بتواجدهم في المدينة. وفي تهديد واضح وتحريض سافر ذهب أحدهم ليقول " أما الذين من ملتنا ويتحدثون مثلنا، ولكنهم ليسوا معنا، فهؤلاء نترك أمرهم للناس ليتدبروا أمرهم". هل تريدون أكثر من هذا التحريض وضوحا لكي تتحرك القوى الأمنية اللبنانية لعمل شيء ما. لم يعد خافيا على أحد أن كل هذه الاعمال الاجرامية تأتي في محاولة لجر المقاومة اللبنانية وبالتحديد حزب الله الى معارك جانبية لا تخدم في نهاية المطاف الا العدو الصهيوني المتربص على الحدود اللبنانية، والذي أقام في الفترة الأخيرة الأبراج والرادرات وأجهزة التجسس الحديثة، التي تتيح له التجسس وجمع المعلومات من كل سنتيمتر من الوطن اللبناني، بحيث أصبح لبنان الدولة وشعبه بكافة مكوناته الطائفية والمذهبية والسياسية مستباحا بامتياز. ولا يسع أي محلل سياسي الا أن يربط بين توقيت عملية الاغتيال الدنيئة والجبانة والخطوة الإسرائيلية، التي تبين بشكل واضح التناغم وارتباط هذه العناصر الإرهابية بقوى اقليمية ومحلية، وكذلك بالكيان الصهيوني والمخطط الكبير المرسوم للمنطقة والهادف الى تفتيت المنطقة الى جزر أرخبيل طائفية ومذهبية وعرقية ضعيفة مما يتيح ويمكن الكيان الصهيوني من التحكم في المنطقة. هذا الفلتان الأمني في طرابلس والمرشح للامتداد الى بقية المدن والمناطق والصعود والهبوط تبعا للأوضاع الميدانية في سوريا، لم يكن من الممكن أن يصل الى هذا الحد لولا الأكذوبة الكبرى التي سميت زورا سياسة النأي بالنفس، التي ما فتأ يرددها الرئيس ميشال سليمان منذ بداية الازمة السورية. والنأي بالنفس عنى فتح الحدود على مصراعيها دون رقيب لتهريب السلاح والمقاتلين اللبنانيين وغيرهم الذين جيء بهم من أنحاء المعمورة وأتخذوا من لبنان محطة للدخول الى الداخل السوري لقتال الجيش العربي السوري. لقد استمر الحال ما يقارب السنتين والنصف على هذا المنوال وأوجدت المربعات الأمنية للمجموعات السلفية والارهابية في طرابلس وأعطيت الغطاء والحماية السياسية من أطراف متنفذة من فريق 14 أذار. وكلنا يعلم بظاهرة الشيخ الأسير وعصابته الاجرامية في طرابلس وعلى ماذا انتهت، وهو ما يزال حرا طليقا ليومنا هذا. ذهب الأسير ولم يذهب الإرهاب والمجموعات التكفيرية من طرابلس. ومع تزايد الضربات التي تتلقاها المجموعات الإرهابية على الأرض السورية، توجه الكثير منهم الى الشمال اللبناني. وهناك العديد من التقارير التي تشير الى تواجد مكاتب لجبهة النصرة الى جانب مكاتب الى ما يسمى بالجيش الحر في طرابلس هذا الى مع ظهور مسلحين أجانب مرتبطين بالقاعدة على الساحة الطرابلسية. ولقد كنا قد أشرنا في مقال سابق الى التهديدات التي أطلقها الأمير بندر بن سلطان السعودي بإشعال لبنان من صيدا حتى طرابلس في حرب داخلية تدوم لعدة سنوات لإنهاك حزب الله واخراجه من معادلة الصراع مع العدو الصهيوني بشكل نهائي، فيما اذا شارك الحزب الى جانب الجيش السوري العربي بمعركة القلمون المرتقبة، حيث يتمركز الالاف الإرهابيين الذين يأتمرون بأوامر أمير الإرهاب بندر بن سلطان. وهنالك أموال تصرف من قبل السعودية في الشمال اللبناني بغرض اشعال نار الفتنة في لبنان. السعودية خسرت الكثير من رهاناتها في المنطقة وخاصة في سوريا حيث كانت تأمل أن تقوم الولايات المتحدة بالعدوان العسكري على سوريا وبنت كل تحالفاتها واستراتيجيتها في المنطقة على هذا الأساس وتلقت الصفعة القاسية من الإدارة الامريكية التي قررت فتح الحوار مع إيران وإيجاد حلا سياسيا للملف النووي الإيراني، كبديل عن سياسة المجابهة والعقوبات الاقتصادية والتهديد باستخدام القوة. ومع هذه الخسائر الجسيمة تسعى السعودية للاحتفاظ بلبنان كرهينة قد تساعدها في تحصيل بعض المكاسب أو تحسين وضعها التفاوضي في حالة قبول السعودية بالتغيرات التي عصفت بالساحتين الاقليمية والدولية والتي ما زالت السعودية ترفض قراءتها وما زالت تأمل بإحداث تغيرات وعودة الزمن الى الوراء. الاستقرار والامن في لبنان ليس من أولويات السعودية بل العكس هو الصحيح. وهذا يتمثل في التمويل والتسليح المستمر للمجموعات الإرهابية والمليشيات التكفيرية المسلحة الذي تعمل على تقويض الامن الداخلي اللبناني من خلال المحاولات المستميتة لإشعال الفتنة، وإفتعال الاشتباكات المسلحة مع القوى الوطنية اللبنانية كما حدث في طرابلس وصيدا، الى جانب التفجيرات بالسيارات المفخخة أو ارسال الانتحاريين بالأحزمة الناسفة وعمليات الاغتيالات والتصفيات الجسدية للعناصر الوطنية الداعمة لخط المقاومة وتحويل المدن اللبنانية كما هو الحال في طرابلس الى مراكز وبؤر لإيواء الارهابيين والتكفيريين. وبالضافة الى كل هذا ما زالت السعودية تعطل تشكيل أية حكومة لبنانية تتمثل فيها كل المكونات الاجتماعية والطائفية والسياسية للمجتمع اللبناني. فما زالت السعودية تضع الشروط التعجيزية لتشكيل حكومة لا تشتمل على حزب الله، وهذا من سابع المستحيلات. وللأسف أن الكثيرون على الساحة اللبنانية ما زالت تراهن كما هو الحال مع السعودية على سقوط النظام السوري ورحيل الرئيس بشار الأسد، حتى يتسنى لهم تشكيل الحكومة التي ترضي السعودية ويكون على رأسها الشيخ سعد الحريري الذي ما زال يتأمل ويحلم بالعودة الى لبنان من مطار دمشق الدولي، وهذا الحلم والامنية هما كحلم وامنية ابليس بالجنة، لن ولن تتحقق.