2026-09-14 11:38 ص

فابيوس المعترض بالوكالة

2013-11-12
بقلم:الدكتور بهيج سكاكيني
انتهت جولة المباحثات الخاصة ببرنامج إيران النووي بين إبران ومجموعة الدول الست، المتضمنة الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا بالإضافة الى المانيا، دون التوصل الى التوقيع على اتفاق نظرا لبوز بعض المعوقات والخلافات في الساعات الأخيرة. وكان ان ارتفع الشعور بالتفاؤل الى توقيع اتفاق في الاوساط الدولية وخاصة مع توجه وزراء خارجية كل الدول الست الراعية للمباحثات. والذي يبدو ان وزير خارجية فرنسا قد لعب الدور الأكبر في فرملة التوجه الى التوقيع على الاتفاق الي كان على الطاولة على حسب تعبير هيغ وزير الخارجية البريطاني. وهنالك مؤشرات عدة تثير العديد من الأسئلة حول الدور الفرنسي في هذه المباحثات، وما اذا كانت فرنسا قد أخذت على نفسها تمثيل الموقفين الإسرائيلي والسعودي في أن واحد في هذه المباحثات الدولية. وهذا يعد موقفا مشينا فعلا، لأنه يقف عائقا أمام إمكانية التغلب على احدى الملفات الشائكة في المنطقة وحلها بالطرق الدبلوماسية والسياسية واضفاء نوع من الاستقرار في المنطقة الملتهبة، وذلك لأغراض ضيقة ومصالح ذاتية محضة. ولم يعد سرا من أن كل من إسرائيل والسعودية تعملان بشكل متوازي وبالتنسيق فيما بينهما بالخفاء ربما، لإفشال الوصول الى أية اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي لا يؤدي في نهاية المطاف الى تجريد ايران من قدرتها النووية عدا عن وضع الحائل أمام امتلاكها السلاح النووي، والذي اكدت ايران مرارا وتكرارا على أنها لا تنوي ان تسير في هذا المنحى على الاطلاق. إسرائيل والسعودية تسعيان ليس الى وضع البرنامج النووي تحت المراقبة الدولية والتحكم بمدى البرنامج بل تريدان انهاء البرنامج النووي وهذا بالضبط المعني بتجريد ايران من قدرتها النووية. وتأتي الاغتيالات للعلماء النوويون الايرانيين على ايدي الموساد الإسرائيلي بين الحين والأخر في هذا الإطار للقضاء على المعرفة وامتلاك التكنولوجية النووية. وكلنا يذكر عمليات الاغتيالات لعشرات بل المئات من العلماء العراقيين بعد الغزو الامريكي للعراق عام 2003 والذي وثق من قبل العديد من الباحثين. ومن الجدير التذكير هنا بأن المفتشين الدوليين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم يذكروا في أي من تقاريرهم العديدة من وجود أية دليل مادي يدل على أن إيران تسعى لامتلاك السلاح النووي. عملية التنسيق بين إسرائيل والسعودية وفرنسا يستدل عليها من التصريحات الفرنسية حيث صرح وزير خارجيتها مؤخرا بأن المخاوف الإسرائيلية ودول أخرى في المنطقة بشأن برنامج ايران النووي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في أية اتفاقية مع ايران، وعلى أنه يجب ضمان أمن إسرائيل. ويأتي هذا الكلام متناغما مع تصريحات نتنياهو حول خطورة الاتفاقية " ما ذكرته بهذا الشأن يشاركني به العديد من الدول في المنطقة بغض النظر عما اذا ما كانت أفصحت بهذا علنا أم لا". وزير خارجية فرنسا ينصب نفسه للدفاع عن إسرائيل مستغلا الخلافات بين إدارة أوباما ونتنياهو حول التفاهمات بين الإدارة الامريكية وإيران. أما بالنسبة للسعودية فقد ذكرت الصحيفة الإسرائيلية يديعوت احرونوت أن الضغط الفرنسي يأتي بطلب ودعم سعودي لإفشال الوصول الى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني، لما قد يترتب عليه من اضعاف الدور السعودي في المنطقة بشكل عام والخليج بشكل خاص. ومع ظهور الخلافات السعودية-الامريكية على السطح بالنسبة للعديد من الملفات في المنطقة وخاصة فيما يتعلق بالأزمة السورية ومؤتمر جنيف 2 والملف المصري بجانب الملف الإيراني، فأن السعودية كالطفل الحردان، قامت باللجوء الى فرنسا في البعض من هذه الملفات، كما يستدل بالزيارات المكثفة لبندر بن سلطان ووزير الخارجية السعودي الفيصل. وما سرب مؤخرا عن وجود صفقة أسلحة بمليارات الدولارات مع فرنسا كنوع من شراء الموقف الفرنسي، وخاصة أن الاقتصاد الفرنسي يعاني من أزمة شديدة وبأمس الحاجة الى هذا النوع من الضخ المالي. هذا ما تبين، ولا شك أن هنالك العديد من صفقات أخرى مع شركات فرنسية فالمنطق السعودي السائد في العلاقات الدولية يعتبر بأن السعودية تستطيع أن توظف مليارات الدولارات من العائدات النفطية لهذا الغرض. والأمير بندر بن سلطان حاول أن يشتري الموقف الروسي سابقا تجاه سوريا بنفس الطريقة أي بحفنة من المليارات لشراء أسلحة روسية وعقد صفقات في مجال الطاقة وتصدير الغاز، الا أنه فشل فشلا ذريعا بذلك وعاد بخفي حنين. وتهدد السعودية بأنها بصدد شراء قنبلة نووية من الباكستان. والسعودية تنظر الى شراء مثل هذا السلاح النووي وكأنها تشتري سيارة من السوق. هذا هو المنطق السعودي، فالسعودية لا تدرك أن التعامل النووي يحتاج الى بيئة علمية وتكنولوجية حاضنة وليس الى المليارات المكدسة في البنوك والتي تصرف وتوظف في عمليات الهدم والتدمير وشراء الذمم والمواقف، وليس للبناء والتقدم في جميع المجالات. إسرائيل تصر على عدم قبولها أو اعترافها بالاتفاقية المرتقبة وتعمل على تقويض الجهود الدولية بهذا الخصوص بوضعها طلبات تعجيزية، وكأنها تريد فرضها على طرف قد خرج من المعركة مهزوما. وتتمحور الطلبات الإسرائيلية بتوقف ايران عن عمليات تخصيب اليورانيوم والتخلي عن هذه العمليات، وإزالة كل أجهزة الطرد المركزي وخاصة الحديثة منها وأخذها الى خارج إيران، اغلاق المفاعل النووي في آراك الخاص بإنتاج البلوتونيوم، العمل على نقل كل كميات اليورانيوم المخصب الى خارج ايران وتفكيك المنشآت الايرانية النووية وتجريدها من أية قدرة نووية. وإسرائيل تريد أن تفرض شروطها على المفاوضين من الدول الغربية ومنع عقد اتفاقية مع ايران لا تستجيب للطلبات والشروط الإسرائيلية، ولقد جندت لهذا الغرض منظومة إعلامية وسياسية ودبلوماسية متكاملة والتحرك الكثيف على كل مراكز القرار في دول العالم. فقد قام رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو بالاتصال بالرئيس باراك أوباما والرئيس الفرنسي فرنسا هولاند، والمستشارة الألمانية انجيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون محذرا من توقيع الاتفاقية، ومن أن هذا يشكل خطأ تاريخيا وان هذا لا يشكل خطرا على إسرائيل فحسب بل كذلك على دولهم وعلى السلام العالمي. ويرسل وزيرا الى الولايات المتحدة للعمل على الاستقواء بأعضاء الكونغرس الأمريكي للوقوف ضد ما أسماه بالهرولة الامريكية لإبرام اتفاق مع إيران حول برنامجا النووي. ويرسل الرسائل والمبعوثين لحث المنظمات الصهيونية العالمية للعمل على حث الدول التي يعيشون بها بعدم تأييد الاتفاقية المرتقبة وعلى أن ايران ما زالت تهدد السلام العالمي وتسعى للحصول على الأسلحة النووية. الى جانب ذلك يحاول نتنياهو طرح الخيار العسكري الإسرائيلي للتعامل مع الملف النووي الإيراني مجددا على الطاولة ويهدد بأن إسرائيل ستتخذ كل الإجراءات اللازمة بما فيها ضرب المنشآت النووية الايرانية وتوجيه ضربة للبنية التحتية لقدرات إيران النووية من قبل الجيش الإسرائيلي منفردا، وذلك للحفاظ على أمن إسرائيل. هذه التهديدات التي تعود العالم على سماعها وتردادها بشكل ممجوج حتى فقدت مصداقيتها انما تهدف الى ابتزاز الدول، فنتنياهو يعلم حق العلم أنه لا يستطيع أن يفعل هذا دون أن يعرض الكيان الصهيوني الى خطر وجود حقيقي، هذا بالإضافة الى أنه لا يستطيع أن يفعل هذا دون الدعم الأمريكي والذي لم يعد ممكنا على الأقل في المرحلة الحالية وفي الوقت الذي تتجه كل الجهود لحل المشكلة بالحوار والمفاوضات. نتنياهو يقف ليحاضر القيادات السياسية العالمية وكأن العالم بحيرة إسرائيلية، وأن على كل الأطراف الانصياع لأوامر إسرائيل ورغباتها ورعونة رئيس وزرائها، وهي الدولة التي ترفض بشدة حتى النقاش في برنامجها النووي وترسانتها من أسلحة الدمار الشامل. لقد سئم العالم هذه اللهجة ولعل أكثرهم ضيقا الان هو وزير الخارجية الأمريكي كيري وهذا يتضح من التصريحات التي يطلقها في وسائل الاعلام الامريكية سواء المباشرة أو الغير مباشرة والتي تنم عن مدى الانزعاج من نتنياهو وتصريحاته بهذا الشأن. المشكلة الرئيسية عند نتنياهو كما هو الحال مع حلفائه الجدد من السعوديون بأنه لا يريد أن يقرأ الوقائع على الأرض. فهو كالنعامة التي تدفن رأسها في التراب، فهو لا يريد أن يرى أو يستوعب أن هنالك متغيرات جديدة طرأت على الساحة الإقليمية والدولية والتي كان من الطبيعي أن تلقي بظلالها على ملفات المنطقة وخاصة تلك المتعلقة بالملف النووي الإيراني والملف السوري وغيرها من الملفات الاقليمية والدولية العالقة. لقد استدركت الدول ذات المصالح الجيوسياسية في المنطقة أن طريق الصدامات والتدخلات العسكرية المباشرة على الأقل، والعقوبات الاقتصادية على الدول الفاعلة والتي لها تأثير مباشر وهام في المنطقة لم يعد يجدي ولم يعد صالحا ولم يعد في مصلحتها الحالية أو المستقبلية. إسرائيل والسعودية تشعران بالعزلة لأنهم يغردان خارج السرب وخارج التوجهات العالمية لحل الملفات الساخنة بالطرق السلمية. ومما لا شك فيه أن بعض الدول مثل فرنسا ستحاول استغلال الموقف لمصالح جيوسياسية ضيقة وإعطاء الانطباع بأنها مهمة وتلعب دورا فاعلا على الساحة الدولية والكل يعلم أن الدور الفرنسي قد تقزم لأسباب عديدة على ممر السنين وخاصة وأن اقتصادها يئن من وضع لا تحسد عليه. وان لعبت فرنسا دور الوكيل مؤخرا فهو دور قزم ولن يكون له التأثير الذي تتوخاه إسرائيل أو السعودية، ففرنسا في نهاية المطاف لا تستطيع أن تجابه الولايات المتحدة ولا تستطيع أن تحل مكانها في حماية حلفائها وادواتها وعملائها في المنطقة، ولا تستطيع أن تسد أي فراغ قد يتسبب عن خروج أمريكا النسبي من المنطقة. قد تستطيع فرنسا ربما من تأجيل الحصول على اتفاق بضعة أسابيع ولكنها لا تستطيع إيقاف الوصول اليه عاجلا ام اجلا فهو حاجة غربية بجانب أنه حاجة إيرانية. ولكن من المؤكد أن لإيران خطوط حمر لا يمكن تجاوزها والتي تتمثل بحقها في امتلاك الطاقة النووية واستخدامها في الأغراض السلمية والأبحاث العلمية والطبية، وتخصيب اليورانيوم على أراضيها وعدم تسليم اليورانيوم المخصب للدول الغربية والوقوع تحت رحمتها وابتزازها، وترفض إيران أي شروط أو طلبات تتعدى على سيادتها.