2026-09-15 02:26 ص

دلالات محكمة مرسي في مصر والاخوان الى أين؟

2013-11-09
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
كيف ستتطور محاكمة الرئيس المعزول مرسي لاحقا وماذا ستكون الارتدادات والنتائج السياسة والاجتماعية بالتحديد على الساحة المصرية، قد يكون من المبكر التنبؤ به. ولكن من المؤكد ان محاكمته ذات دلالات ومعاني كثيرة الى جانب طرحها للعديد من الأسئلة حول حركة الاخوان المصرية ومستقبلها وافاق وامكانيات مشاركتها في الحياة السياسية المستقبلية في مصر ضمن المعطيات الجديدة التي ستتمخض عن تطبيق خارطة الطريق وانهاء المرحلة الانتقالية. بالرغم من أن التهم الموجهة الى الرئيس المعزول مرسي هي قضايا جنائية كما يريد النظام القضائي في مصر التأكيد عليه، الا أنها في الجوهر هي محاكمة سياسية بامتياز وهذا ما يجدر الاعتراف به وليس في هذا ما يعيب على الاطلاق بل بالعكس تماما، فالمحكمة تأتي لتؤكد أن الشرعية الحقيقية هي الشرعية المستمدة من الشعب، وعلى أن صناديق الاقتراع لا تعطي الحزب الحاكم أو الرئيس صك مفتوح لإجراء أية تغيرات جوهرية في المدة التي نص عليها القانون وهي أربعة سنوات، دون الرجوع الى القاعدة الشعبية، وخاصة اذا ما كانت هذه الإجراءات والتغيرات مرفوضة من معظم الشرائح الشعبية والنخب السياسية للمجتمع التي قد ترى فيها تعديا واضحا على الأسس التي قامت عليها التحركات الشعبية الواسعة الغير معهودة والغير مسبوقة بتاريخ الأمم. وربما أهمية اجراء المحاكمة يأتي ضمن ما يمكن تسميته عودة دولة المؤسسات. ففي فترة الرئيس مرسي كان الشعور السائد ان الذي كان يحكم مصر هو المرشد العام لحركة الاخوان المسلمين وأن مكتبه كان بمثابة مركز أخذ القرارات فيما يخص الدولة المصرية وتعاطيها مع الشؤون الإقليمية والدولية والمحلية. وعلى الرغم من ان الرئيس مرسي كرر عدة مرات أنه يريد أن يكون رئيسا لكل المصريين الا أن الممارسات على أرض الواقع كانت تشير الى غير ذلك، حيث كانت سياسة اقصاء الغير والتفرد بالسلطة وتعين عناصر معروفة بانتمائها الى جماعة الاخوان المسلمين أو تعاطفها الشديد مع الحركة، كانت هي السائدة على ارض الواقع. لقد اعتقدت الحركة والرئيس المعزول أن فوزها بالانتخابات عبر صناديق الاقتراع يعطيها التفويض الشعبي لان تعمل ما تريد. وكان هذا من أحد الأخطاء الفادحة التي ارتكبها تنظيم الاخوان المسلمين في مصر. وما لا يريد أن يراه الرئيس المعزول مرسي بالإضافة الى تنظيم الاخوان المسلمين أن الناس الذي صوتت لمرشح التنظيم لم يكونوا بالضرورة من الاخوان المسلمين أو المناصرين لسياستهم. فإلى جانب هؤلاء الذين ينتمون الى التنظيم كان هنالك العديد ممن صوتوا لهم تعاطفا معهم لما تعرض تنظيمهم وقادته من قمع وسجن وتعذيب على ايدي نظام مبارك وغيره سواء بحق أو غير حق، فهؤلاء صوتوا لهم من باب التعاطف والشفقة وليس من باب السياسة وأيدولوجية الاخوان المسلمين. كما أن جزءا قد صوت لهم بناءا على ما كانوا يطرحونه من كلام، والذي تبين بعدها أنه يدخل ضمن إطار الكلام المعسول. وهنالك جانب لا يتم التركيز عليه وهو أن قوة تنظيم الاخوان المسلمين نابع من الخدمات الاجتماعية والمادية والطبية التي يقدمونها خاصة في المناطق الفقيرة والمعدمة وهذا بحد ذاته أكسبهم نوع من الشعبية التي ليس بالضرورة ان تكون مبنية على أسس عقائدية. وهنالك العديد ممن صوتوا لمرسي في الجولة الثانية من الانتخابات خوفا من أن يكسب أحمد شفيق الجولة، لان الشعب أراد القطيعة الكاملة مع عناصر نظام مبارك. وإذا ما أخذنا كل هذا بعين الاعتبار فأنه من الخطأ القول بأن الأغلبية انتخبت مرشح الاخوان. وربما خير دليل على ذلك إصرار الرئيس المعزول مرسي برفض اجراء انتخابات رئاسية مبكرة كما اقترحت عليه القيادة العسكرية للخروج من الازمة قبل الاطاحة به من قبل التحركات الشعبية التي لم يرى الجيش بديلا عن دعمها. لقد شكل عدم تبني تنظيم الاخوان المسلمين مبدأ التعددية السياسية والقبول بفكرة بأن الدولة العلمانية لا تعني بالضرورة أنها دولة ضد الإسلام أحد النقاط الاساسية التي أدت الى هذا السقوط المدوي والسريع لهم، ولما سمي بمشروع الإسلام السياسي في مصر. ولا بد من الإشارة هنا الى أن الغنوشي رئيس حزب النهضة التابع لتنظيم الاخوان المسلمين في تونس قام في يوليو 2012 بتقديم النصيحة للإخوان في مصر مفادها أن الجماهير المنتفضة في ميدان التحرير لن تقوم بدعم مرسي اذا لم يقم بأشرك السياسيين العلمانيين والاحزاب الأخرى. أما أردوغان فلقد تأمل من الاخوان في مصر تبني الديمقراطية وتفهم أن العلمانية لا تعني عدم التدين. ولقد كانت هذه النصائح تقدم خوفا من فشل التجربة المصرية وانعكاساتها على تنظيم الاخوان الاقليمي والعالمي. فلقد كان من المخطط له هو إقامة تحالف اخواني في المنطقة تكون تركيا أردوغان وتونس الغنوشي ومصر مرسي النواة لهذا التحالف. وجاء السقوط المدوي لمرسي وحكمه الى جانب المشاكل في تونس بالتحديد لوضع حد لهذا التحالف وهذه الرؤية. والكل بات يدرك الان أن الإسلام السياسي يعاني من المشاكل الجدية في المنطقة فها هي تونس غارقة في مشاكلها الداخلية المتعلقة بشكل الحكم والتحالفات وقد يضطر حزب النهضة الإخواني للتخلي عن الحكم لصلح المعارضة، هذا الى جانب الازمات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تعايشها تونس. أما في مصر فان الاخوان وصلوا الى مأزق تأريخي يحتم عليهم طرح العديد من الأسئلة على الذات حول مشروعهم ورؤيتهم للدين والمجتمع والسياسة وكيفية التعايش مع الاخرين وتقبلهم. ما نراه اليوم في مصر بالنسبة للإخوان ومنذ أربعة شهور هو حاله من الغليان والهيجان ووضع العراقيل أمام أية حلحلة وتقدم في الوضع الداخلي، والعمل على نشر الفوضى في بؤر من البلاد. ولكن من المؤكد أن هذه الحال لن تدوم طويلا ويعود هذا لعدد من الأسباب، منها انفضاض العديد من مؤيديهم عنهم، وخاصة مع ارتكاب البعض من العناصر الاخوانية لأعمال العنف والمشاركة بأعمال الشغب مما أدى الى تصدي الأهالي لهم وكانت أخر الاشتباكات مع الاهالي في الإسماعيلية. وهذا الانكفاء وتدهور الدعم الشعبي لهم يتضح من الانخفاض الحاد في الاعداد التي أصبحت تشارك في التظاهرات التي يدعي اليها التنظيم. ويزيد من هذا المخاوف عند العديد من المصريين عن احتمال تواجد علاقة بين التنظيم والاعمال الارهابية من تفجيرات وحرق للكنائس والمساجد، وخاصة وأن صور ما يدور في العراق من تفجيرات يومية تزهق حياة العشرات من السكان المدنيين يوميا حاضرة أمامهم من خلال ما يبث يوميا على شاشات التلفزيونات. والانكفاء للجماعة يتضح أيضا من خلال انحسار الدعم الخارجي لهم وخاصة من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية الذين لم يخفوا دعمهم لتنظيم الاخوان المسلمين ومحاولات التوسط بينهم وبين المؤسسة العسكرية المصرية ولكن هذه المحاولات بائت بالفشل ربما لإصرار الاخوان على عودة الرئيس المعزول مرسي وتمسك المؤسسة العسكرية بخارطة الطريق التي تتضمن التعديلات الدستورية، انتخابات برلمانية ورئاسية. ومما لا شك فيه أن قرار المحكمة الأخير بشأن إعطاء الحق للدولة والحكومة المصرية بوضع يدها على أموال الجماعة وشبكة مؤسساتها الاجتماعية والخيرية سيضعف من مكانتها وتأثيرها في الحشد لمناصريها. بالإضافة الى كل ذلك فان الوضع الاقليمي يشهد تراجعا ملحوظا لحركة الاخوان المسلمين من سوريا الى تركيا الى تونس وغيرها، مما ينعكس سلبا على التنظيم في مصر. والسؤال الذي يطرح نفسه في النهاية هو هل هذا يعني اندثار جماعة الاخوان المسلمين؟ والجواب على هذا السؤال هو لا. فمما لا شك فيه أن هذا التيار الديني متواجد على مساحة الوطن العربي وان لم يكن بنفس النسبة والقوة والنفوذ والانتشار الافقي والعمودي في كل البلدان العربية والمناطق المجاورة. ولكن تبقى الأمور مرهونة فيما ستذهب اليه الجماعة في مصر وكذلك في البلدان الأخرى وما هو الدور الذي ستلعبه. فان اختارت دورا تدميرا في المنطقة كما هو الحال للحركة في تركيا التي عادت معظم الدول في المنطقة بانتهاجها سياسة رعناء وعدم احترام الجار والتدخل في الاوضاع الداخلية لدول الجوار، مما وضعها في موقف التصادم مع الغير في الخارج والداخل أيضا. وبالنسبة للوضع في مصر فلقد عبر وزير الخارجية عن موقف الحكومة من حزب الحربة والعدالة الذي يعتبر الذراع السياسي لحركة الاخوان المسلمين في مصر بأنه حزبا شرعيا ويحق له الدخول في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في فبراير ومارس من العام القادم فهل سيدخل الحزب في هذه الانتخابات أم يبقى الحال على ما هو عليه الان والذي من الممكن أن يودي في نهاية المطاف الى عودتهم للعمل السري وهل ستؤدي التجربة الى عملية انشقاقات في التنظيم وبالتالي مزيدا من التراجع في دوره؟ هذا ما ستجيب عليه الفترة القادمة وكلنا أمل أن تتعافى مصر وأهلها حتى تعود الى دورها الإقليمي والقومي والدولي الذي تستحقه.