2026-09-14 10:54 ص

هل ستنزل السعودية عن الشجرة؟

2013-11-06
الدكتور: بهيج سكاكيني
عندما أطلق الرئيس أوباما تهديداته "بالضربة" العسكرية لسوريا وقام بحشد الاساطيل البحرية الامريكية العملاقة في عرض لاستعراض القوة التدميرية الامريكية في محاولة لنشر الخوف والرعب معتقدا أن هذا الحشد كاف لهرولة سوريا للاستسلام، فوجئ بالعناد السوري والتمسك بالمقاومة بما أتيح لسوريا من إمكانيات متواضعة ماديا أمام هذه الرعونة العسكرية الامريكية، صدم أوباما وأخذ يبحث عن أسباب ومبررات للتأجيل أو التراجع وخاصة بعد كل التحذيرات من قبل القيادة العسكرية الامريكية التي أوضحت له أننا نستطيع أن نبدأ ولكن لن نكون في وضع لنحدد متى ستنتهي وماذا ستكون العواقب والارتدادات على المستوى الإقليمي والعالمي. وكان أن قامت روسيا عندها بتقديم الخشبة لأوباما لمساعدته للنزول عن الشجرة مع حفظ ماء الوجه. وها هو الموقف يتكرر مع السعودية في تقديري. فلقد أطلقت السعودية التهديدات والوعيد بأن تشعل المنطقة على لسان أمير الإرهاب بندر بن سلطان والذي وصلت به الوقاحة للتطاول على البيت الأبيض وراعيه وسيده، الذي كان يتوقع منه أن يكون العبد المطيع وليس أداة للتشويش على السياسة الامريكية في المنطقة. ولم يكن وزير الخارجية الفيصل بأفضل منه حال وهو الذي يمتلك زمام المبادرة في التأثير على المعارضة الخارجية المتمثلة بما يسمى بالائتلاف المعارض والذي يصر سموه على الرجوع اليه بأنه الممثل الشرعي للشعب السوري بالرغم من عدم مشاطرة الاغلبية الساحقة للمهتمين يالشأن السوري والمعارضين للنظام في سوريا بذلك، لان معظمهم يستطيع قراءة الواقع على ما هو. ليس هذا فحسب بل سارع البعض منهم وخاصة الذين انغمسوا حتى النخاع في محاربة الشعب السوري ودعم المجموعات الإرهابية المسلحة، سارع هؤلاء في ارسال الرسائل المباشرة والغير مباشرة للقيادة السورية بأنهم في طور مراجعة حساباتهم ويودون فتح القنوات مع القيادة. ولم يترك الفيصل فرصة الا وهاجم بها ايران واعتبارها دولة محتلة لسوريا، ويأتي تصريحه في المؤتمر الصحفي الي عقده مع نظيره الأمريكي حول ايران بأنها محتلة لسوريا ليؤكد ما ذكرناه سابقا على صفحات المنار من أن الكلمة التي القاها رئيس الائتلاف أحمد الجربا في الاجتماع الاستثنائي لوزراء الخارجية العرب في مقر الجامعة العربية بالقاهرة حديثا، أنها كتبت من قبل الخارجية السعودية ومررت له لقراءتها. التصريحات التي أدلى بها كيري في المؤتمر الصحفي حول الازمة السورية ومؤتمر جنيف والموقف من الرئيس الدكتور بشار الأسد وخاصة من أنه فقد شرعيته وأنه لا يمكن أن يكون جزءا من الحل المستقبلي ومن أن الولايات المتحدة الامريكية متفقة مع السعودية بالأهداف فيما يخص الازمة السورية ولكن الاختلاف في التكتيكات جاء استرضاء للسعودية وتقديم الخشبة للسعودية أن تنزل من على الشجرة ، وخاصة وأن السعودية تعي أنها مهددة بفقدان دورها ونفوذها في المنطقة اذا ما تشبثت بمواقفها من مؤتمر جنيف 2، وكذلك اذا ما بقيت على مواقفها المتعنتة حيال التقارب الأمريكي الإيراني والجهود المبذولة لإيجاد حلا سياسيا للملف النووي الإيراني. وكان من الضروري لكيري أن يتحدث ويصرح بما صرح به بالعلن حتى لا تظهر السعودية وكأنها قد تراجعت عن مواقفها. ومن المؤكد أننا سنرى تحولا في موقف الائتلاف من جنيف 2 قريبا وربما قبل التاسع من هذا الشهر تحت حجت أنهم قد تسلموا ضمانات عربية أو أمريكية بأن مؤتمر جنيف 2 سيكون لصالح المعارضة. وهذا ما يمكن استخلاصه مما قاله الفيصل في المؤتمر الصحفي فيما يتعلق بحضور المعارضة السورية لاجتماع جنيف 2 " هناك حوارا بين السوريين أنفسهم اليوم حول المشاركة ...وان لم يحضروا المؤتمر لا فائدة منه، وأن حضورهم سيرسخ أنهم هم الذين أعطوا الفرصة للسلام، وجنيف لن ينجح من دونهم". الواضح أن هذه رسالة موجهة الى الائتلاف الذي يقبع على قاعدة الهرم والمتلقي للإملاءات الامريكية عن طريق الأداة السعودية. ولن نستبعد أن يظهر علينا تركيبة جديدة للائتلاف فيما إذا أصر المجلس الوطني السوري الذي يشكل جزءا رئيسيا من الائتلاف المعارض بعدم الذهاب الى جنيف 2، هذا فيما عدا حالة التهميش الذي يعيشها الائتلاف بعد أن فقد العديد من المجموعات المسلحة والغير مسلحة في الداخل السوري، وربما هذا ما استدعى مبعوث الأمم المتحدة الأخضر الابراهيمي بالتصريح أنه لن يكون مؤتمر جنيف بدون معارضة مقنعة. فالولايات المتحدة تريد لمعارضة الفنادق تبوء الساحة في مؤتمر جنيف 2 هذا فيما إذا عقد، وليس المعارضة الوطنية بالداخل التي وقفت ضد التدخل العسكري ولم تستقوي بالخارج. ما أراد ان ينقله وزير الخارجية الامريكية الى العاهل السعودي بالتحديد من خلال لقائه لمدة ساعتين معه لم يكن ما صرح به في المؤتمر الصحفي. ان الجانب الرئيسي والاهداف من زيارة كيري الى السعودية كانت منصبة على التأكيد للسعودية أن الأوضاع الإقليمية والدولية لم تعد كما كانت سابقا حيث كانت الولايات المتحدة تسرح وتمرح دون رابط أو حساب في المنطقة، وأن على السعودية أن تتكيف مع هذه الأوضاع الجديدة اذا ما ارادت أن تبقى تحت مظلة الحماية والرعاية الامريكية وان تبقي لها دورا في المنطقة. وربما كان هذا هو سبب إصرار كيري على مقابلة الملك عبدالله شخصيا بالرغم من علمه بحالته الصحية الغير جيدة، وذلك في محاولة لثني وزير خارجيته الفيصل وأمير الإرهاب بندر بن سلطان عن رعونتهم وتصريحاتهم النارية التي من شأنها الاضرار بالمصالح الامريكية والمسار الذي تنتهجه الولايات المتحدة في لملمة الأوراق وترتيب الأوضاع في المنطقة العربية وما حولها، للتقليل من الخسائر التي منيت بها في المنطقة نتيجة عدم تمكنها من فرض مشروعها الشرق أوسطي من خلال إعادة ترتيب وتشكيل المنطقة بالشكل الذي ترتئيه. فقد فشل عدوانها العسكري واحتلالها للعراق، وها هي ترتب لانسحابها من أفغانستان وتفاوض وتترجى من زرعته في كابول ليقبل ببقاء قوة عسكرية أمريكية هناك، وتراجعت عن عدوان عسكري فاجر مبيت على سوريا وسقوط كل الرهانات على اسقاط الدولة السورية على الرغم من الحشد الإعلامي والاقتصادي والسياسي والمجيء بالمجموعات الإرهابية من 84 دولة من انحاء وبقاع العالم وعشرات البلايين من الدولارات التي صرفتها ورصدتها لهذا الغرض دولة قطر والسعودية، دون أن تحقق هذا، على الرغم من مرور ما يقارب من الثلاث سنوات. هذه هي الحقيقة المرة التي جاء كيري ليقنع السعودية بها، وأن عليها أن تتجرع كأس المر كما تجرعته الإدارة الامريكية. السعوديون لا يريدون أن يدركوا بأن ما لم يستطيعوا أن يحققوه من خلال أدواتهم وارهابهم على الأرض السورية بالنار والحديد لا يستطيعون تحقيقه سياسيا على طاولة المفاوضات. السعودية التي بنت استراتيجيتها وعلاقاتها الاقليمية والدولية خلال أكثر من 70 سنة مضت على أساس أن الولايات المتحدة باقية وقوية ولا يمكن أن تقهر أو تنسحب أو تتخلى عن اصدقاءها، ترى بأم اعينها أن الولايات المتحدة تخرج مهزومة من العديد من المناطق ولا يهمها ما الذي سيجري لحلفائها وأصدقاءها وبالتالي فهي مصدومة ومأزومة ، تتخبط وتلعن وفي حالة هيجان هستيرية، قد يجرها الى منحى خطير وارتكاب حماقات سياسية أو عسكرية من خلال عملائها وأدواتها من العناصر الإرهابية المنتشرة هنا وهناك. ولعل زيارة كيري أرادت أن تنبههم الى الواقع الجديد وضرورة النزول من على الشجرة والبدء بالتعاطي مع الأمور بعقلانية وتأني ومراجعة جدية للمواقف كما هو الحال مع الولايات المتحدة. ويبقى السؤال المطروح هل ستتعظ السعودية وتنزل عن الشجرة أم ستبقى تغرد خارج السرب الى أن تنتهي وتزول الجغرافية السعودية التي نعرفها؟ الجواب سيترك للأيام المقبلة والتي من المؤكد أنها ستشهد الكثير من المتغيرات والارتدادات المتسارعة في المنطقة والتي تبشر بميلاد فجر جديد لشعوب المنطقة.