2026-09-14 11:38 ص

الائتلاف السوري في الجامعة العربية صدى سعودي بامتياز

2013-11-04
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
من الواضح أن المعارضة السورية في الائتلاف تغرد خارج السرب كما هو الحال لراعيها وممولها الرئيسي السعودية الذي لم تخفي امتعاضها الشديد من التراجع الامريكي بِشأن ما سمي "بالضربة" العسكرية لسوريا والذي حشدت من أجله أساطيلها الحربية في استعراض فظ للقوة التدميرية التي تمتلكها البحرية الامريكية، الى جانب التقارب النسبي بين الادارة الامريكية وايران، وبروز امكانية جدية لحلحلة الخلافات حول برنامج ايران النووي والذي ترتئيه السعودية بانه يشكل خطرا على أمنها القومي وأمن الخليج بشكل عام. ولم يكن احد يتوقع خروج الائتلاف المعارض عن الرغبات والسياسات السعودية التي تنتهجها بالنسبة لسوريا وخاصة فيما يختص بالموقف من مؤتمر جنيف 2 والذي يحضر له من قبل روسيا وامريكا، ضمن وجود شبه اجماع دولي على ضرورة عقده باعتبار ان الحل السياسي هو الطريق الوحيد المتاح حاليا للتعاطى مع الازمة السورية، وايجاد سبل لحلها عبر الحوار بين المعارضة والحكومة السورية دون وضع أي شروط مسبقة لانطلاق هذا الحوار. وها هو رئيس الائتلاف للمعارضة السورية أحمد الجربا يطلق التهديدات والشروط التعجيزية التي يضعها الائتلاف لحضور مؤتمر جنيف 2، وذلك من خلال كلمته التي القاها في الاجتماع الطاريء لوزراء الخارجية العرب الذي عقد البارحة (3-11-2013) بمقر الجامعة العربية في القاهرة. فقد أعلن الجربا بالتناغم مع الموقف السعودي بأن الائتلاف لن يحضر المؤتمر اذا ما حضرت ايران المؤتمر، واذا لم يكن هنالك اطار جدول زمني محدد لرحيل الأسد واذا لم يكن هنالك حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات وأن يتم نقل كامل للسلطة بكامل مؤسساتها وأجهزتها ومكوناتها. بمعنى انهم يريدون الإمساك بزمام الأمور قاطبة والاستيلاء على السلطة بالكامل ليعيدوا برمجة فلسفة وعقيدة الجيش العربي السوري والسلطات الأمنية بالتحديد والهوية العربية والقومية والوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي للشعب السوري، بما يخدم المصالح الغربية وعلى راسها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني والاصطفاف بالكامل لمشروع الشرق أوسط الجديد الذي لم تستطع السيدة كونداليزا رايس والارعن بوش الابن والمحافظين الجدد تحقيقه بالحروب. والذي استمع الى الكلمة التي القاها الجربا في الجلسة الافتتاحية للاجتماع الطاريء لوزراء الخارجية العرب، يخيل له أن الائتلاف ومعارضته المسلحة المسماة بالجيش الحر على قاب قوسين من تحقيق النصر العسكري في سوريا وان العاصمة على شفا السقوط بعد أيام معدودة، وليس العكس، بمعنى ان الائتلاف وزبانيته على قاب قوسين من الاندثار عسكريا وسياسيا. ولا أحد من المتابعين عما يجري على الساحة السورية يستطيع أن يتفهم هذه العنتريات الزائدة والسقوف السياسية الوهمية العالية التي قاربت أن تناطح السماء بعلوها. فما يسمى بالجيش الحر عصفت في بنيته الانقسامات الحادة فالمجموعات والعناصر التي تمردت عليه وأعلنت أن الائتلاف لم يعد يمثلها وانفصلت عنه، قام بعضهم بالانضمام الى الدولة الإسلامية في العراق والشام والبعض الى جبهة النصرة والبعض الاخر الى لواء الإسلام كما قام البعض الاخر بتسليم أنفسهم الى الدولة السورية التي قامت بتسوية أوضاعهم وأنضم بعض هؤلاء الى الجيش العربي السوري وهم يحاربون الان ضمن صفوفه الارهابيون القتلة وأكلي الأعضاء البشرية. أما من بقي فقد تكفلت به المجموعات القاعدية كجبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق وسوريا الذين أجبروا بقايا الجيش الحر من ترك معظم مواقعه المتاخمة للحدود التركية. ومع اقفال المكاتب والشقق السكنية التي كانت تديرها عناصر من المخابرات السعودية في تركيا فأن الوضع العسكري لما يسمى بالجيش الحر قد تراجع الى حد كبير ويتلاشى يوما بع يوم. ولا يستطيع الائتلاف أن يدعي بأن لديه أية مقومات على الأرض السورية التي تمكنه من الادعاء بأنه يمثل قطاعا من الشعب السوري في الداخل واستخدامها ضمن أي حل سياسي مرتقب. وكما صرح أحد المطلعين على الوضع الميداني في الداخل السوري، اذا ما اختزلت جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام من المعارضة المسلحة فلن يتبقى سوى معارضة الفنادق خمسة نجوم في الخارج. ولا أدل على الحالة المزرية التي وصل اليها الائتلاف مما قد صرح به رئيس المجلس العسكري الثوري في حلب التابع للجيش الحر العقيد العكيدي الذي استقال مؤخرا من منصبه بتاريخ 3 نوفمبر، بأن من أسباب استقالته تشرذم المعارضة سياسيا وعسكريا واقتتال المعارضة فيما بينها على السلطة والصراع بين أمراء الحرب ولقد وجه انتقادات لاذعة للمعارضة في الخارج قائلا من ضمن انتقاداته هنيئا لكم فنادقكم. والملاحظ ان معظم كلام الجربا، هو نسخة طبق الأصل عن المواقف السعودية ولن نستغرب اذا ما كان نص الخطاب قد كتب من قبل وزارة الخارجية السعودية وقدم اليه لقراءته على أنه موقف الائتلاف. الذي يبدو أن التلميذ (السعودية) قد سبق استاذه (أمربكا) الى جانب أنه يتنمرد عليه حاليا. ألم تقم الخارجية الامريكية بكتابة مشروع القرارات التي يجب تبنيها من قبل الجامعة العربية أو حتى القمم العربية. نحن لا نقل هذا الكلام تجنيا على أحد أو لاتهام أحد، فقد قالها سيء الصيت وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم الذي لم يعد يسمع به أحد، فقد غيبته المخابرات الامريكية عن الأنظار. عودة الى نص الخطاب فلقد طالب الجربا مجلس الجامعة باعتبار ايران دولة محتلة لسوريا ووضع حزب الله "وميلشيا" أبو العباس العراقية على ما أذكر على لائحة الإرهاب ووضع الدول الدائمة العضوية أما مسؤولياتها ( يعني استخدام البند السابع الذي يتيح العدوان العسكري على سوريا). فالائتلاف العاجز والذي لا يمثل الا حفنة من المنتفعين ورواد الفنادق والطائرات المدفوعة الاجر بالطبع، يريد من المجتمع الدولي القيام بغزو سوريا وتقديم البلاد والعباد لهم على طبق من فضة والسؤال الي لا يطرحه الائتلاف على نفسه ولماذا يقوم المجتمع الدولي بذلك؟ ويذهب الجربا ويقول باننا في الائتلاف قد اتخذنا قرارا بأن لا ندخل جنيف الا معززين مكرمين. ولا بد لنا من القول للسيد جربا وزبانيته أن المعزز والمكرم هو الشهيد الذي دافع عن الوطن والعرض والأرض أمام غزو جحافل المغول والتكفيريين وأكلي أعضاء البشر، وليس الذي يتنقل من فندق الى اخر مستجديا على اعتاب البيت الأبيض وقصر الاليزيه التدخل العسكري وتدمير الوطن ومقدراته والشعب الذي تدعون انكم تدافعون عنه. ويسترسل الجربا في كلمته ليقول أننا (أي في الائتلاف) اتخذنا قرارنا بالمواجهة حتى الرمق الأخير. وهذا امر فعلا مضحك للغاية فلم نراكم في الميدان مثلا مع المقاتلين لا أنت أو أحد من الزبانية فقد خبرنا ثوار الفنادق الذين على استعداد للتضحية حتى أخر نفر من الشعب في سبيل مصالحهم. ولقد حاولت السعودية الراعية لكم أن تقاتل في سوريا حتى اخر جندي امريكي عندما شجعت الإدارة الامريكية على الحشد العسكري واستعدادها لتمويل العدوان الأمريكي على سوريا بالكامل طبعا دون ارسال أي جندي سعودي. واغلب الظن أنكم هذا ما قصدتموه بالمجابهة حتى الرمق الأخير. وطالب الجربا في كلمته بتسليح المعارضة وقال اننا نتعهد بأن لا يصل السلاح للأيدي الخطأ. الجربا ينصب الائتلاف وكأنه هو المسيطر والمتحكم على ما يدور على الارض السورية في الوقت الذي تشهد به كل مخابرات الدول الغربية دون استثناء بأن الجيش الحر لم يعد لديه القدرة أو الامكانية للسيطرة على اية بؤرة في الداخل السوري كما أن الكثير من عناصره انضمت الى المجموعات التي تنتمي الى القاعدة، وانه لم يعد له وجود يذكر او ذو أهمية. ليس هذا فحسب بل أن إدارات هذه المخابرات تدعو للضغط على الائتلاف بالتحديد للذهاب الى جنيف قبل فوات الأوان وافتضاح أمره بانه لم يعد لديه أي من أوراق يمكن الاستفادة منها على طاولة الحوار، وعندها لن تجد الحكومة السورية أية داع للحوار مع معارضة الخارج والاكتفاء بالحوار مع المعارضة الوطنية بالداخل التي وقفت ضد العدوان على سوريا ولم تستقوي يوما بالخارج. وفي نهاية هذه العجالة نود أن نؤكد أن قرار الائتلاف عند السعودية وأن القرار السعودي عند الأمريكي، وانه وبغض النظر عن كل هذه الجعجعة واثارة الزوبعة فانه اذا ما قرر الأمريكي الذهاب الى جنيف فان ادواته في المنطقة ستنصاع الى أوامره لأنها تخشى أن ترمى على قارعة الطريق اذا ما تجرأت على الخروج من تحت مظلته وبيت طاعته. ففي مؤتمر أصدقاء سوريا الاخير الذي عقد مؤخرا في لندن لم يتفوه وزير الخارجية السعودي ببنت شفة عندما أكد كيري بأن الحل السياسي هو الطريق الوحيد للخروج من الازمة السورية. هذا لا يعني بان هذه الأطراف المشاكسة ستخمد بل أنها ستحاول خلط الأمور والأوراق، وخاصة مع تنامي الوهن والتخبط السياسي الذي أصاب الولايات المتحدة وادارتها، وذلك في محاولة لتحسين أوضاعها وتحقيق بعض المكاسب هنا وهناك وقد تنجح في تأجيل مؤتمر جنيف لفترة زمنية معينة في محاولة مستميتة لتحسين الوضع الميداني لصالحها في الداخل السوري، ولكن الشيء المؤكد أن العجلة تدور في صالح الثالوث المقدس المتمثل بالجيش العربي السوري والشعب والقيادة السياسية الحكيمة وأن رهانات المعارضة والسعودية على تغيير جوهري في الوضاع وموازين القوى الحالية ستبوء بالفشل وان القضية ما هي الا قضية وقت قد تطول وقد تقصر.