جملة من المشاهد السياسية والميدانية فرضت إيقاعها على المسرح السياسي السوري خلال الفترة الماضية كانت الكفيلة بإعادة الحسابات ومقاربة التغييرات ولاسيما بعد أن تجاذبت الرؤى وتوحدت مسارات الوجهات بين الكبار, وتالياً لم يعد أمام الصغار سوى اللهاث والجري في الملعب الدولي الجديد في محاولة للانخراط في لعبة الأمم ولو بالجلوس على مقاعد الاحتياط.
السقوط المدوي لأدواتها الإسلاموية في الداخل السوري " جملة ً ومفرقاً ", والمعالم الجديدة التي ارتسمت في المشهدية الاقليمية والدولية شكلت العامل المحرض " لقطر الجديدة" لجهة إدراك وتحليل تداعيات المشهد السياسي السوري في محاولة لحجز دور ٍ لها حتى وإن كان هامشياً في مسلسل التوازنات الذي بدأت حلقاته تأخذ طريقها للعرض تباعاً بعد أن أعيد منتجته في المؤسستين الأمريكية والروسية.
الإدراك القطري للتموضعات الجديدة جاء بعد إشراك الأمريكي للسعودي كرأس حربة في الحرب على سورية , و تحديداً عند فشل الأخير عن تحقيق ما عجز الآخرون عن فعله ,إذ سارعت المشيخة للحاق بقطار التوازنات الجديدة في محاولة للانحناء أمام الرياح المرتدة من دمشق وعدم الخروج من المعادلة السياسية.
أولى المؤشرات التي صاغتها المشيخة بعد تسلم أميرها الجديد والتي تحمل بين طياتها تبدلاً واضحاً في الموقف, وتغيراً لا لبس فيه في النهج, وتحديداً حيال حزب الله هو مساهمتها في الإفراج عن المخطوفين اللبنانيين التسعة في إعزاز بريف حلب .
مصادر خليجية أكدت أن المشيخة قدمت سلسلة من العروض للحكومة السورية بحسب مانشرته صحيفة الأخبار اللبنانية بتاريخ 2/ 11/ 2013 تمثلت باستعداد الدوحة لوقف الحملة الإعلامية التي تبثها قناة الجزيرة ضد سورية والمساهمة الفاعلة في إعادة الإعمار, والابتعاد عن أي شيء يضر بالاقتصاد السوري وأمنه المالي, في حين أكدت نفس المصادر أن الرئيس الأسد واجه الرسائل الواردة من قطر بشيء من التأني والحذر مردفاً بحسب المصادر: أن دماءً سورية كثيرة قد أريقت وبالتالي مشكلة قطر ليست مع الدولة فقط إنما مع الشعب السوري أيضاً, وهذا الكلام أكده بالفعل الرئيس الأسد في مقابلته مع قناة الميادين عندما طرح موضوع " استفتاء الشعب السوري" حول عودة العلاقات مع قطر, مؤكداً أن الشعب السوري هو صاحب الكلمة الفصل في هذا الشأن.
بموازاة الانعطافة القطرية استمرت المملكة السعودية في تغريدها خارج السرب ورقصها الفريد على المسرح الدولي, وبالطبع من باب " الهذيان والرجفان السياسي" , وليس من باب "المطروب المنتشي" ولم تفلح خطواتها "الصبيانية" في الأمم المتحدة في جذب الأنظار وتسيد المشهد, ولم يترك رفضها لاستقبال المبعوث الأممي الأخضر الابراهيمي أية آثار جانبية إذ بادلها الأخير نفس الأحاسيس " التنافرية "عندما أكد أن عدم مشاركة المملكة " العتيدة " لن يؤثر على جنيف2, وهو نفسه ( أي الابراهيمي) قد أكد من طهران أن حضور إيران طبيعي وضروري.
مسلسل التوازنات بدأ, وقطار الكبار استعد للمضي نحو جنيف2, لاسيما أن الأخضر الابراهيمي أكد أنه من الممكن تفهم انتقاد جنيف2 لكن من الضروري المشاركة فيه ..فهل تحجز المملكة "كرت الصعود" في الوقت الضائع وتتعلم من الدرس القطري والدروس الأخرى الكثيرة عندما تضحي فيها الولايات المتحدة بحلفائها وأدواتها بأبخس الأثمان؟؟ وهل سينجح " الأمراء الحكماء" في الداخل السعودي في لملمة التناثر والتنافر والسيطرة على " التشظي السلطوي" وقولبته في إطار " التعقل والقراءات الصحيحة" ؟؟ أم إن أمراء " التصعيد " سيتمرون في المشهدية العسكرية في الداخل السوري التي ستدخل المملكة عاجلاً أم آجلاً في نفقٍ مظلم لاتحمد عقباه ؟؟
* كاتب فلسطيني مقيم في سورية
mbkr83@hotmail.com

