2026-09-14 05:16 م

قراءة في المشهد التونسي

2013-11-02
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
المتتبع للأحداث في تونس سيجد ان منحى العمليات الإرهابية التي تقوم بها العناصر السلفية الجهادية والتي يتضح يوما بعد يوم ارتباطها العضوي بالقاعدة في المغرب العربي، في تصاعد مستمر وانها مرشحة للتزايد وخاصة ضمن حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي تشهده البلاد، وعدم مجابهة هذا التيار بشكل جدي وحازم منذ البداية من قبل الحكومة التي سيطر عليها حزب النهضة الإسلامية التونسي. ولقد أدى ذلك الى استيطان وعشعشت هذا التيار في الداخل التونسي. وقد استطاع هذا التيار من خلال سيطرته على العديد من المساجد من استقطاب أعداد كبيرة من الشباب العاطل عن العمل في الاحياء المعدمة والفقيرة التي شكلت تربة خصبة لعمليات الشحن العقائدي التي تكفر الاخر من العلمانيين والاسلاميين ممن لا يدينون بنهج هذا التيار. هذا الشحن المذهبي والعقائدي كان المقدمة للاغتيالات السياسة الذي أودت بحياة شكري بلعيد في 6 فبراير وكذلك محمد البراهمي في 25يوليو من هذا العام وهم من أعمدة المعارضة التونسية الذين عرفوا بمواقفهم الوطنية والقومية والمناوئة للصهيونية والسياسة الامريكية في المنطقة. ولقد قام التيار السلفي الجهادي في تونس باستقطاب الالاف من الشبان والعمل على تدريبهم باستخدام السلاح في معسكرات داخل تونس وليبيا وارسالهم "للجهاد" في سوريا. ولقد نبهت العديد من القوى السياسية التونسية في المعارضة بوجود مثل هذه المعسكرات ومكاتب تجنيد الشباب وقاموا بتقديم لوائح بأسماء المتورطين في هذه العمليات ولكن "الترويكا" الحاكمة بقيادة حزب النهضة الإسلامية لم تتحرك بشكل جدي للحد من هذه الظاهرة ولا شك أن موقف النهضة الداعم للمعارضة المسلحة في سوربا لعب الدور الرئيسي في عدم مجابهة هذه الظاهرة التي بدأت تستفحل في الداخل التونسي. ويجدر التذكير هنا بالقرار المشين الذي اتخذته حكومة النهضة بإغلاق السفارة السورية بتونس وطرد السفير السوري من أراضيها. ولقد وصل حد الضلوع في سوريا الى القيام بإرسال الفتيات القاصرات وغيرهم تحت فتوى جهاد النكاح الى سوريا والذي ما هو الا تشريع لعملية البغاء تحت ستار الفتاوي التي لا تمت الى الدين الكريم بصلة. ولقد اعترف رسميا وزير الداخلية بان عدد من هؤلاء الفتيات عدن الى تونس وهن حوامل ومنهم من أصيب بمرض الايدز. وكان من الطبيعي أن تنعكس وترتد كل هذه الممارسات على الوضع الداخلي التونسي، فالارهاب لا يعرف حدودا ولا دين. ولقد حذر الكثيرون من ارتدادات الازمة السورية والصراع الدائر هناك على كل من ساهم بإرسال فرق الموت والتكفير والارهاب الى الداخل السوري، وأن العناصر الارهابية ستعود الى البلدان التي أتت منها وقد اكتسبت الخبرات العسكرية والقتالية وعمل اسلحة التدمير والقتل. ومع هذا لم تحرك الحكومة التونسية ساكنا الا في الفترة الأخيرة عندما استفحل الامر وبات الإرهاب يدق أبواب الداخل التونسي بشكل متنامي ومتصاعد. ولقد صرح الرئيس التونسي المرزوقي في نهاية شهر سبتمبر من هذا العام بأن بلاده قامت بمنع ما يقارب من 4500 شاب من السفر وذلك للاشتباه بنيتهم للتوجه الى سوريا للانضمام الى صفوف المعارضة المسلحة. وهذا يبين حجم التورط في الازمة السورية وطرح السؤال لماذا لم تتخذ هكذا خطوات من قبل بالرغم من معرفة الحكومة بالضالعين في تمويل وتجنيد وتدريب الشباب التونسي وارسالهم الا الاتون السوري. وفي معرض حديثه في مقابلة مع جريدة "الحياة" أعرب عن تخوفه من عودة هؤلاء لان " جزءأ منهم سنضطر الى محاربته لإنهم سيحاربوننا". ونود ان نذكر هنا بالمثل العربي القائل "جنت على نفسها براقش". وأتت أحداث جبل الشعانبي وخاصة التي أودت بحياة تسعة من الجنود التونسيين في كمين نصبه الارهابيون والتشنيع بجثثهم لتؤكد صحة استفحال ظاهرة الإرهاب وتواجده وتجذره على الأراضي التونسية. وما زالت قوات الجيش التونسي تحاول التصدي للمجموعات التي اتخذت من الجبال ملجأ آمن لها، ولا يبدو أن عمليات المجابهة هذه ستنتهي قريبا وخاصة مع السهولة النسبية لتحرك هذه المجموعات بين دول المغرب العربي. والذي يبدو أن التفجيرات الأخيرة في مدينة سوسة السياحية والمنستير حيث تقع تربة ال بورقيبة الذي تعتبر فترة حكمه رمزا للحداثة والانفتاح الاجتماعي، جاءت لتؤكد أن مجموعة "انصار الشريعة" التي وضعت على لائحة الإرهاب مؤخرا قادرة على التحرك والضرب في الداخل التونسي وليس فقط التواجد في الجبال ,انها تحظى على بؤر شعبية حاضنة وخاصة في أوساط الفئات الفقيرة والمهمشة في المجتمع التونسي. ولا بد من التوقف قليلا عند بعض دلالات هذه العملية والتي يرى فيها البعض أنها شكلت نقلة نوعية في المجابهة والاعمال العنفية لهذه المجموعة من حيث أنها أول عملية انتحارية تنفذ في تونس، حيث أقدم انتحاري بتفجير نفسه بالقرب من نزل سياحي قريب من الشاطئ. وهذا يشكل خطرا كبيرا ويدلل باكتساب هذه المجموعة الإرهابية لهذه المعرفة والمهارة في صنع الاحزمة الناسفة والمواد المتفجرة وربما تفجيرها عن بعد. ولذلك لن يكون مستغربا بعد الان أن نجد تكرارا لهذه العمليات على الأراضي التونسية. ان تنفيذ مثل هكذا عملية بالقرب من منطقة سياحية بامتياز تهدف الى التأثير على السياحة بشكل عام وتمرير الرسالة بأن المناطق السياحية لم تعد آمنة. ويشكل قطاع السياحة قطاعا حيويا بالنسبة للاقتصاد التونسي الذي شهد تراجعا ملموسا في السنتين الماضيتين حيث يعاني من صعوبات جمة متمثلة بارتفاع نسبة البطالة وانخفاض في مستوى المعيشة وتراجع في السياحة والصادرات والاستثمارات الأجنبية وصعوبة الحصول على الديون والقروض الخارجية نتيجة الأوضاع الأمنية المتردية وحالة عدم الاستقرار. وتأتي مثل هذه العمليات التي نأمل أن لا تتكرر لتزيد الأمور تعقيدا. وهذه العملية تأتي في الوقت الذي يجري به الحوار الوطني في محاولة للخروج من الازمة السياسية والأوضاع الأمنية والاقتصادية المتدنية والتي ما زالت تعصف بالبلاد نتيجة السياسات والممارسات الخاطئة التي انتهجتها حكومة الترويكا الحاكمة بقيادة حزب النهضة الإسلامي. ونأمل ان تتخذ الأطراف المتحاورة من هكذا عمليات قوة دافعة للتوافق وإيجاد الحلول التي تضمن الحفاظ على سيادة تونس وعدم الانجرار لأجندات خارجية تحت الاغراءات المالية، والوقوف بحزم وجرأة في مواجهة الإرهاب للحد من تأثيره على الداخل التونسي ومنع استخدام الأراضي التونسية لتصدير العناصر الإرهابية الى الخارج، والذي أصبح في الفترات الأخيرة تجارة رائجة في كل من تونس وليبيا. ولهؤلاء نقول من يريد الجهاد فها هو الاقصى يناديكم للوقوف ضد تهويده وتدنيسه من قبل الصهاينة. فأين أنتم منه؟.