2026-09-14 06:57 م

الى متى يبقى شعبنا الفلسطيني رهينة لمفاوضات عبثية؟

2013-10-31
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
الى متى يبقى الشعب الفلسطيني يدفع مزيدا من التنازلات ويخضع لمزيد من الابتزازات ويقع ضحية التجاذبات والخلافات السياسية داخل الكيان الصهيوني كما يتضح في كل محطة من مفاوضات "السلام" العبثية. نشاطات سرطانية استيطانية مقابل اطلاق حفنة من السجناء الفلسطينيين لا يتجاوز عددهم عن 26 سجينا وذلك لامتصاص المعارضة اليمينية داخل الائتلاف الحاكم للكيان الصهيوني.كل هذا باتفاق إسرائيلي امريكي وتقبل فلسطيني على ما يبدو فهو الطرف الأضعف في المعادلة. نحن نفرح لكل سجناء الحرية الفلسطينيين الذين يطلق سراحهم ونقبل أيديهم وارجلهم وهم خيرة شباب الوطن المسلوب والمنهوب والذي ما زالت الذئاب تنهش من جسده الجريح. ولكن هذا لن ينسينا أن طريق المفاوضات "الاستراتيجية" ليس فقط طريق محفوف بالمخاطر انما هو طريق كارثي ومدمر بامتياز كما دللت كل نتائج الاجتماعات والمفاوضات مع الكيان الغاصب تحت المظلة الامريكية المطلقة وإدارة أمريكية منحازة لكل الطروحات والاملاءات الإسرائيلية. ومنذ اتفاقية أوسلوا المشؤومة أثبتت الحكومات المتعاقبة في الكيان الصهيوني يوما بعد يوم وسنة وراء سنة وعقد بعد عقد أن إسرائيل غير معنية بالسلام فهذه الكلمة غريبة على الفكر الصهيوني. فالكيان الصهيوني كان دائما معني بما سيقدم الفلسطيني من تنازلات تاريخية على طاولة الاملاءات والتي تسمى زورا بالمفاوضات، في الوقت الذي يتهرب من الاستحقاقات التي يجب أن يقدمها للطرف الفلسطيني لأنه ببساطة ليس في وارد السلام على الاطلاق. ومرة أخرى سيق الطرف الفلسطيني الى حلقة من المفاوضات. وما يميز هذه المفاوضات عن غيرها ربما هي سريتها التامة ( مع انها ليست المرة الأولى فاتفاقية أوسلوا بنيت على مفاوضات سرية للغاية بين العناصر المتنفذة في منظمة التحرير التي غيبت وما زالت مغيبة لوقتنا هذا) وعدم الإعلان عما يدور في كواليسها ، حيث أعلن وزير خارجية الولايات المتحدة أنه هو الطرف الوحيد فقط المخول للتحدث عما يجري. ان خطورة هذه المفاوضات لا يكمن في سريتها فقط بل وأيضا في توقيتها. فهي تأتي وتستمر في حالة ترتيب الأوضاع في المنطقة العربية وما حولها في الوقت الذي تشهد فيه الدول العربية حالة من التشرذم السياسي لم يسبق له مثيل على أعقاب التعاطي مع الازمة السورية، وخروج الجامعة العربية عن خطها العربي بشكل مفضوح وسافر وظهورها كأداة من أدوات الولايات المتحدة وسياستها وإستراتيجيتها في المنطقة، واخراجها لسوريا من الجامعة. وها هي الجامعة تصرح أنها تقبل بما يقبل به الفلسطينيون في المباحثات بمعنى اذهبوا وقاتلوا لوحدكم. نحن لا نتوخى خيرا من الجامعة التي أصبح مشكوكا بأمرها أصلا عما إذا كانت عربية أم عبرية كما يستخلص البعض، ولكن هذه التصريحات تأتي لتزيد الضعف الفلسطيني ضعفا وتخرج العربان من المسؤولية الاخلاقية على الأقل تجاه الشعب الفلسطيني. وهذه المباحثات تأتي وسط بروز تحالفات ضمنية أو علنية بين الكيان الصهيوني وبعض الدول الخليجية التي انغمست بكل طاقاتها وقدراتها المالية والاعلامية والسياسية وعلاقاتها مع القاعدة ضد سوريا ، وأبدت امتعاضها الشديد ٌلإمكانية حلحلة الملف النووي الإيراني بالطرق السياسية، وأزبدت وعربدت عندما تراجعت الإدارة الامريكية عن العدوان العسكري على سوريا وفتح الطريق على عقد مؤتمر جنيف 2. ولا شك أن الضغوط على الجانب الفلسطيني ستزداد وربما يتم ادخال أطراف عربية لهذا الغرض ولقد أفادت بعض المصادر بأن كيري يعمل على "تجنيد الدول العربية لدعم مساعيه لإحداث تقدم على عملية السلام". ولقد أوردت المنار بأن " الوزير كيري أبلغ المسؤولين العرب الذين التقاهم مؤخرا أن الأجواء التي يطالبون بها لتحقيق تقدم في عملية السلام، لا يمكن أن تتحقق فقط عبر خطوات إسرائيلية لتسهيل حياة الفلسطينيين، وانما هنالك ضرورة وأهمية لخطوات من جانب تلك الدول حتى تتوفر الاجواء الطيبة ..". ولا بد من التأمل بما قاله كيري فهو ينطق بما يريده الكيان الصهيوني من تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل قبل أيجاد الحلول للقضية الفلسطينية والتي لن تتعدى تسهيل حياة الفلسطينيين. والحقيقة هنا ان بعض هذه الدول قد طبعت علاقاتها مع العدو الصهيوني وأقامت العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية معه ولكن إسرائيل تود أن يكون ذلك بالعلن وليس بالخفاء وتحت الطاولة. ولم يعد سرا أن بعض الدول الخليجية وعلى رأسها السعودية وقطر ترى أن العدو الرئيسي هو ايران وليس الكيان الصهيوني المغتصب، وهي تعمل وتخطط الان مع هذا الكيان لمجابهة التقارب النسبي بين الولايات المتحدة وايران وإمكانية إيجاد الحلول السياسية للملف الايراني النووي، وهذا ما صرحت به بعض وسائل الاعلام الإسرائيلية. إسرائيل تريد أن تقيم العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية وخاصة الخليجية منها، وما تخطط له إسرائيل مستقبلا أن تلعب دور المحطة والمركز لتصدير الغاز والبترول الخليجي والتي ستعمل على ايصالها عن طريق انابيب تربط منطقة الخليج بالموانىء الإسرائيلية، هذا الى جانب استخدام المليارات الخليجية للعمل على بناء مشاريع مشتركة تستخدم فيها الايدي العاملة العربية والتكنولوجيا الاسرائيلية ( النظرة العنصرية للعرب) بهدف تحقيق حلم السلام الاقتصادي الذي نادى به شمعون بيريس والذي سيكون الوسيلة لتقبل الكيان الصهيوني وتكامله في المحيط العربي والذي يعطي الفرصة لهذا الكيان بفرض سيطرته على المنطقة، وربما انضمامه الى الجامعة العربية بعد تغيير الاسم الى جامعة الدول الشرق أوسطية مثلا، أو إعطاء هذا الكيان دور المراقب دون حق التصويت. هذا السلام الاقتصادي من المخطط له أن يبدأ من فلسطين المحتلة وضمن هذا الإطار نستطيع أن نتفهم المساعي المبذولة من قبل جون كيري وبالتنسيق مع مبعوث الرباعية الدولية توني بلير وبين أطراف إسرائيلية وفلسطينية لوضع خطة "الانبعاث الاقتصادي" التي تقوم على ضخ مليارات من الدولارات لمشاريع اقتصادية مشتركة فلسطينية-إسرائيلية كنا قد أشرنا لبعضها في مقال سابق على صفحات المنار. هذه المشاريع التي يراد لدول الخليج أن تلعب الدور الرئيسي ربما في التمويل والاستثمار، ستكون النواة التي سيبنى عليها مستقبلا لتشمل المنطقة العربية إذا نجح هذا المخطط. ان التحرك الأمريكي يهدف الى إعادة هيكلة المنطقة العربية بأسرها من خلال إنهاك الوضع العربي وإشغاله بمشاكله الداخلية وتصفية القضية الفلسطينية وضمان أمن الكيان الصهيوني. وما عجز عن تحقيقه عسكريا يحاول أن يحققه من خلال "الانبعاث الاقتصادي" والوعود البراقة لما سيجلب هذا الانبعاث من رخاء وتحسين الوضع المعيشي للفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال الصهيوني. وتكمن خطورة هذا التوجه عندما نعلم أن مجيء السلطة الفلسطينية الى الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967 قد تمخض عن تغيرات اقتصادية واجتماعية معينة ربما أهمها وجود ما يقرب من 200000 موظف في قطاعات السلطة المختلفة وهؤلاء بالطبع ارتبط مصيرهم بمصير السلطة والتي تتعرض لضغوطات شديدة من قبل الدول الغربية وبعض الدول العربية وتوضع أمام خيارين إما الذهاب الى المفاوضات واما انهيار السلطة. ولا شك أن انهيار السلطة يعني ببساطة خسارة كل الامتيازات المتعددة التي يتمتع بها رجال السلطة والمرتبطين بها بشكل مباشر أو غير مباشر. وتحت هذه الظروف والسيناريوهات يصر البعض على الذهاب والاستمرار في المفاوضات على الرغم من قناعاتهم الداخلية بأن المفاوضات لن تحقق شيئا لشعبنا. رحم الله الدكتور حيدر عبد الشافي الذي انسحب من المفاوضات منذ البداية ونبه عن ان إسرائيل غير معنية بالسلام وان المفاوضات معها لن تثمر. ولقد اعتقد البعض عندها أن ذلك يعود الى سوء الأداء التفاوضي للطاقم الفلسطيني وأن هذا الخلل يجب العمل عليه واستبدلت بعض الوجوه وهكذا دواليك. ومنذ ذلك الحين ونحن ندور بحلقة مفرغة، بينما إسرائيل عملت وتعمل على تغيير الوقائع على الأرض يوميا، وتبخرت آمال الكثيرين اللذين حلموا في تحقيق الوهم الذي سمي حل الدولتين. وأخيرا لا بد أن نذكر بأن كافة الفصائل الفلسطينية كانت ضد الذهاب الى المفاوضات الأخيرة، وكذلك أغلبية أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ومع ذلك أخذ القرار بالذهاب الى هذه المفاوضات. وقيل لنا عندئذ، أو على الأقل هذا ما قرأناه في الصحف، بان المرجعية الفلسطينية للذهاب الى المفاوضات ترتكز على ثلاثة عناصر وهي أولا إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية وثانيا إطار زمني محدد وثالثا الوقف الكامل لكافة النشاطات الاستيطانية. فأين نحن من هذه المرجعيات اليوم؟ وما هي الية أخذ القرار الفلسطيني؟ والسؤال الاخير يذكرني بنقاش سمعته مؤخرا على احدى المحطات التلفزيونية حول اعتذار السعودية عن شغر المقعد الذي فازت به كعضو غير دائم في مجلس الامن للأمم المتحدة. سؤل كاتب ومحلل سياسي سعودي عن السرعة التي تم بها أخذ القرار بالاعتذار فقال نحن ليس لدينا برلمان أو وزراء ليجتمعوا ويناقشوا لأخذ القرار نحن لدينا ولي أمر، وولي الامر أعطى أوامره لممثلنا في الأمم المتحدة وانتهى الامر. وسؤالي الأخير هل الية القرار لدينا كشعب ومنظمة تحرير وقيادات سياسية شبيهة بتلك المتواجدة في المملكة العربية السعودية؟ وإذا كان الجواب بنعم فمن هو ولي أمرنا؟ فيدونا أفادكم الله.