2026-09-14 05:43 م

طرابلس صندوق بريد إقليمي لن يهدأ

2013-10-29
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
من الواضح أن ما يجري على الساحة اللبنانية مرتبط ارتباطا عضويا بما يجري على الساحة السورية ويخضع للأجندات الإقليمية بشكل كبير. ومنذ دخول السعودية بكل طاقتها على المشهد السوري، وبالتحديد منذ تولي الأمير بندر بن سلطان الملف السوري بعد انكفاء الدور القطري النسبي شهد الداخل اللبناني توترات وتجاذبات واحتكاكات داخلية متصاعدة أكثر من المعتاد. ومما لا شك فيه أن دخول تنظيم القاعدة والمجموعات الإرهابية الى الداخل اللبناني قد أضفى عاملا جديدا لم يكن متواجدا من قبل أو على الأقل لم يكن متواجدا بهذا الحجم وقد بينت ظاهرة الشيخ الأسير وأحداث طرابلس الغير بعيدة زمنيا تجلى هذه الظاهرة وما يمكن أن يكون ارتداداتها على الامن القومي اللبناني وعلى التوازنات الطائفية والمذهبية والسياسية التي حكمت لبنان لعقود من الزمن. لم تهدأ طرابلس بعد ما كان يعتقد أن ظاهرة الشيخ الأسير قد انتهت بدخول الجيش اللبناني حينذاك وأخذه لزمام الأمور دون غطاء سياسي كامل، وذلك لأنه تدخل لحفظ مؤسسته واسترجاع كرامته التي مرغت بالأرض من قبل الأسير وزمرته، والذي ما زال مكانه مجهولا أو ربما معروفا لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية التي لا تستطيع الوصول اليه لأسباب عدة لا مجال للخوض بها هنا. ما يهمنا هو أن ننبه هنا الى وجود بيئات حاضنة لمثل هذه المجموعات المتطرفة ليس فقط على نطاق البؤر الشعبية هنا وهناك بل وأيضا على المستوي قيادات سياسية فاعلة في الساحة اللبنانية والتي أعطت وما زالت تعطي غطاء سياسيا وربما امنيا لهذه المجموعات وذلك لاستخدامها لأجنداتها في الداخل اللبناني والإقليمي. بقي التوتر على حاله في طرابلس ومتوازيا مع الاحداث على الساحة السورية. فكلما تعرضت المجموعات الإرهابية في سوريا لهزيمة أو حصار في منطقة ما كانت الصواريخ تنهال على الداخل اللبناني عند المناطق الحدودية لفترة زمنية محدودة. ومما لا شك فيه ان الاحداث الأمنية في الداخل اللبناني بدأت بالتصعيد بعد معركة القصير ووقوف مقاتلين من حزب الله مع الجيش العربي السوري في المعركة. وقد شكلت الهزيمة التي منيت بها المجموعات الإرهابية في القصير ضربة قاسمة ومؤلمة على كافة الأصعدة وكانت المحطة التي توالت بعدها هزائمهم هنا وهناك في الداخل السوري كما شكلت مفصلا نوعيا للجيش العربي السوري بانتقاله الى أخذ زمام المبادرة في مجابهة العناصر والمجموعات الإرهابية. والاحداث المتسارعة وتدهور الأوضاع الأمنية التي تشهدها طرابلس الان تأتي ضمن توجيه الرسائل للداخل اللبناني وبالتحديد لحزب الله من قبل السعودية عن طريق أمير القاعدة الجديد الامير بندر بن سلطان. وقد سبق ذلك التفجير بالضاحية الجنوبية الحاضنة الشعبية لحزب الله بالإضافة الى التفجير الدموي في طرابلس في احدى المساجد يوم الجمعة والذي راح ضحيته العشرات من القتلى التي تناثرت جثثهم وتطايرت اشلائهم في الهواء. والاحداث التي تدور في طرابلس الان بين التبانة وجبل محسن تدخل ضمن هذا المسلسل من توجيه الرسائل، وخاصة بعد الفشل الذريع التي تمنى به المجموعات الإرهابية في الساحة السورية والنجاحات المستمرة التي يحققها الجيش العربي السوري. ,يأتي تدهور الأوضاع الأمنية في طرابلس والتي ذهب ضحيته مل يقرب من 12 قتيلا و 80 جريحا على اعقاب التهديدات التي أطلقها أمير الإرهاب بندر بن سلطان" بإشعال لبنان من صيدا حتى طرابلس في حرب داخلية تستمر عقود تحرق لبنان وتستنزف الحزب وتخرجه من معادلة الصراع مع إسرائيل بشكل نهائي" فيما اذا اشترك مقاتلين من الحزب في معركة القلمون المرتقبة. ولذلك يمكن اعتبار أن ما يدور على الساحة اللبنانية هو بمثابة حرب استباقية على حزب الله في الداخل اللبناني والذي بدأ بالسيارات المفخخة بالتفجيرات في الضاحية وطرابلس كما ذكرنا على أمل جر حزب الله الى معارك في الداخل اللبناني وتفجير حرب طائفية ومذهبية. من الواضح أن السياسة السعودية ترتكز على ثلاثة مرتكزات أساسية في الداخل اللبناني وهي، العمل على عدم استقراره ووضع العراقيل أمام أية حلول سياسية لتكوين حكومة لبنانية تضم كافة المكونات اللبنانية، والعمل على تثوير البيئة الحاضنة لحزب الله. ومما لا شك فيه أن عدم تدهور الأوضاع الأمنية بالشكل الذي تسعى له السعودية في الداخل اللبناني يعود على الأقل الى سببين رئيسيين. السبب الأول يعود الى ممارسة سياسة ضبط النفس من قبل حزب الله اما السبب الثاني فيعود الى أن الكثير من الدول ومن ضمنها الولايات المتحدة وفرنسا لا ترى لها أي مصلحة في اثارة الفتنة في لبنان. السعودية لا تريد أن تقرأ التطورات والمتغيرات الإقليمية والعالمية فهي ما زالت تأمل في اسقاط النظام في سوريا وما زالت الوحيدة في الميدان بجانب الكيان الصهيوني التي تسعى لتغيير موازين القوى في الداخل السوري. وبينما تسعى الأطراف الإقليمية والعالمية للتحضير لمؤتمر جنيف 2 بأقرب فرصة ممكنة، نرى السعودية تعمل على نسف كل إمكانية لانعقاده وتطالب بتأجيله مدة سنة في محاولة لتغيير موازين القوى على الأرض السورية وهو ما فشلت فيه كل الأطراف الخارجية بالرغم من ضخ مليارات الدولارات لهذا الغرض والمجيء بكل ارهابيي العالم للأرض السورية. السعودية تريد أن تحتفظ بدور لها في المنطقة والحلول السياسية المرتقبة لكثير من الملفات الاقليمية، وستستخدم الساحة السورية واللبنانية لهذا الغرض ما أمكنها ذلك. ولكن كما صرح رئيس هيئة التنسيق الوطنية المعارضة السورية مؤخرا " من الغباء أن تتوقع السعودية أن يكون لها وزن في هذه التسوية فهي ليست الا أداة تستخدمها الولايات المتحدة متى شاءت ..." . وعودة الى القلمون ولماذا هذا التهديد السعودي بتفجير لبنان؟ يتمركز حاليا في القلمون مقاتلي "لواء الإسلام" بقيادة زهران علوش الذي يرتبط ماليا وعسكريا بمدير الاستخبارات السعودي وأمير القاعدة الجديد بندر بن سلطان والذي يصدر له الأوامر. ولم يعد خافيا أن الجيش العربي السوري يعد لمعركة القلمون للقضاء على العناصر الإرهابية هناك قبل أن تتمكن وتتخذها ملجا آمنا لها وخاصة مع تضاريسها الجغرافية الصعبة ويساهم حزب الله في التحضير لهذه المعركة المصيرية فهو كما صرح أنه "في مهمة دفاعية" تندرج ضمن حماية ظهر المقاومة وقطع الطريق على الإرهابيين والتكفيريين من الدخول بأعداد كبيرة الى الداخل اللبناني. وخسارة القلمون تعني خروج السعودية والبقاء على قارعة الطريق. ان تدخل حزب الله في سوريا يأتي في إطار الوفاء للمقاومة والدفاع عن محور المقاومة والحفاظ على الامن الداخلي اللبناني الذي تحاول السعودية وأطراف لبنانية داخلية للعمل على تفجيره. ولا بد أن نشير في النهاية أن الدعوات التي تطلق الان من بعض القوى اللبنانية والتي تمنت على حزب الله من خلالها الا يدخل في معركة القلمون السورية لان ذلك سيجلب الخراب الى لبنان كما تعتقد، كان الأولى بها أن تطلق دعواتها الى السعودية بعدم نقل المعركة السورية الى الداخل اللبناني وان تكف على التدخل بالشأن اللبناني والسوري وان تعطي فرصة للحلول السياسية ,ان لا تقف حجر عثرة في سبيلها. وأن تذكر امير الارهابيين الجديد بندر بن سلطان ماذا كان مصير الطاووس حمد بن جاسم وأن يتعظ قبل فوات الأوان واللحاق بركبه.