2026-09-15 12:07 ص

فـي الـعـمـق ،،، مـصـارحـة وحـسـاب ونـصـر ومـيـلاد زعـيـم

2013-10-26
بقلم: سمير الفزاع
العشرات من وسائل الإعلام العربيّة والإقليميّة والدوليّة تتسابق للحصول على أيّ مقدار من الزمن يجمعها برئيس شاب أشغل هو وبلده كلّ الدنيا ، وأصبح إسمه وإسم وطنه مادة إعلاميّة ثابتة في أشهر الصحف ومحطات التلفزة في هذا الكون . قبل بضعة أيام أجرى هذا الرئيس مقابلة هي الأطول مع واحدة من أشهر القنوات العربيّة - قناة الميادين - ، تحدث فيها مطولاً عن أسئلة ومواقف شغلت بال الكثيرين من أبناء شعبه وأمته ، وكشف فيها عن مواقف وخبايا لم تكن تخطر ببال . ساعتان كاملتان تقريباً رسم فيهما الأسد لوحة للمشهد الحالي ، مع العودة لبعض الجذور والخلفيات من الأمس لإيضاح بعض تفاصيل اليوم وزواياه " المُعتمة " ، دون إغفال الحديث عن الغد حتماً ؛ كيف لا والثمن أغلى من أن ينسى . لكل متابع قرائته الخاصة لهذا اللقاء بحسب زاوية النظر ، والموقف السياسي والشخصي ، والخلفيّة الثقافيّة والفكريّة ... . سأركز فقط على أهم ما لفتني في هذا اللقاء . 1 - السوريون - أفراد وشعب ومؤسسات وحكومة ... - هم المسؤل الأول عن توفير أرضيّة مناسبة لنشوء الأزمة ، وتطورها . " نستطيع أن نلوم الغرب ودول الخليج وتركيا ولكن بالمحصلة النهائية نحن المسؤول الأول . الوطن هو المنزل ؛ عندما تفتح أبوابك للصوص لا تستطيع أن تلوم اللص لأنه لص " . 2 - يرى الأسد أن حرب تشرين التحريرية نقطة فاصلة في التاريخ العربي بعدة معان ، منها أن أعداء الأمة العربيّة بدأوا بعمل دؤوب لإسقاط أي بادرة لعمل عربي مشترك ، وبذلوا جهود مضنيّة لإفراغ مؤسسات هذا العمل العربي المشترك في حال لم يتمكنوا من إسقاطها ؛ فتحولت جامعة الدول العربية إلى منصة لتمرير المشاريع الغربية كمحطة أولى ثم إلى مظلة لإحتلال الأقطار عربيّة وتدميرها في نهاية الأمر ، وأُدخل النفط العربي في معركة مصيريّة ضد الدولة الوطنيّة والفكر القومي والإسلامي المتنور وصولاً لتمويل الحروب الغربيّة المباشرة ضد الأقطار العربيّة . 3 - في سابقة نادرة جداً لسياسة الجمهوريّة العربيّة السوريّة الخارجيّة ؛ قررت سوريا - وعلى لسان رئيسها – الإنتقال بالصراع مع أمريكا إلى مستوى جديد " كليّاً " عبر هجوم شامل على واحدة من أكبر القواعد الأمريكيّة في المنطقة ، وأكثر دول أنظمة العالم تخلفاً ورجعيّة ؛ مملكة آل سعود . فقد أوضح الأسد أن مملكة آل سعود خنجر حقيقي في خاصرة الأمة العربيّة منذ نشأتها وحتى اليوم ، وآنت لحظة ضرب هذه القاعدة بذات القوة والعمق والعلنيّة والوضوح الذي تُجابه به أمريكا . صحيح نحن نقاتل اليد التي تحمل السكين – كما قال الأسد يوماً – لكن جاء اليوم الذي تكسر فيه هذه اليد وهذا السكين في آن معاً . فقد إنتهى عهد تبويس اللحى ، وأنقضى زمن مراعاة العلاقات " الشخصيّة " على حساب مصالح الشعب والمؤسسات . 4 - تلقينا الكثير من صنوف الأذى القادم عبر الحدود اللبنانيّة ، وهناك الكثير من الكذب والخداع والوقائع المزورة الذي تمارسه قوى ومؤسسات في لبنان ؛ وعلى أعلى المستويات ، والحقيقة الأبرز هناك هي المقاومة ، وستحضى دائماً بدعمنا المستمر . المقاومة خير شعبي في حال " تعذر " قيام الدولة بمهامها ، والدولة السوريّة لن تقمع ظهور حالة شعبيّة مقاومة في الجولان – وهي لا تستطيع ذلك إن أرادت – والمقاومة لن يمنع حركتها الحدود والمعاهدات ؛ خصوصاً وأن الإرهاب اليوم يتجاوز كلّ الحدود والمعاهدات والإتفاقيات . 5 - عندما قال دونالد رامسفيلد يوماً " بأننا سنُعيد العراق إلى العصور الوسطى " لم يكن يعبر عن موقف شخصيّ أو إعلاميّ أو عقائديّ فقط " المحافظون الجدد " بل كان يعبر عن سياسة أمريكيّة – رجعيّة عربيّة ممنهجة ؛ تهدف إلى " تسوية " العراق بالأرض سياسيّاً وتاريخيّاً وفكريّاً وعلميّاً وحضاريّاً ... . أي أن ما " طلبه " كولن باول من الرئيس بشار حافظ الأسد في لقائهما الشهير هو إستمرار أمين لمقولة المجرم رامسفيلد . 6 - إتخذ الرئيس بشار حافظ الأسد - كتظهير لنصر سوريا - موقف حاسم ونهائي من أداة " ربيع واشنطن " الرئيسيّة أي الإخوان المسلمين ، وأمتداداتهم المختلفة مثل جزء كبير من قيادة حماس ؛ فهم قتلة مجرمين وأنتهازيين ، تغلب مصلحة الجماعة لديهم على مصلحة الوطن والشعب والأمة فلا مكان لهم في سوريا الغد . 7 - سوريا وقفت دائماً بوجه الإرهاب وإن لم تُعلن ذلك ؛ فهي قد عانت منه مبكراً جداً وبشكل دائم ، وهي مستعدة للتعاون مع أين كان بوجه هذه الآفة ، ونحن نميز بشكل واضح بين مقاومة تسعى لتحرير الأرض وطرد المحتل ، وإرهاب طالما كان أداة بيد المحتل ولم يقم بأي عمليّة ضده . 8 - في الوقت الذي كان فيه العالم " ينبطح " مستسلماً أمام الإرادة الأمريكيّة ، وفي اللحظة التي أصبح فيها الجيش الأمريكي " الجار " القريب لسوريا لم نقدم لوزير خارجيتها الجنرال كولن باول أي تنازل ، وأسمعناه ما لم يتوقع . إن سوريا تمتلك تاريخاً طويلاً من مقارعة الغزاة والمُعتدين ، وتعمل وفق حقوقها ومصالح شعبها ، وقَدرَنا في هذه المنطقة أن نكون " أمام الخيارين السيئين أو مجموعة خيارات سيئة في القضايا المختلفة ، فهنا عليك أن تختار الخيار الأقل سوءا . والخيار الأقل سوءا في مثل هذه الحالة هو أن تعارض مشاريع أمريكا " . أي أن سوريا حسمت خيارها وأعدت له عدته . " ومن يبحث عن الوفاء لدى الإدارات الأمريكية واهم ، ونحن نتحدث معهم فقط من خلال مصالح مشتركة " . 9 - " حقيقة العلاقات العربية – العربية في معظمها - وليس بشكل مطلق - خاضعة للإرادة الأمريكيّة " لأن هذه الدول بمعظمها تابعة ولا تمتلك قرارها الوطني . وحول الدول التي شاركت بسفك دم الشعب العربي السوري فإن " التعاطي مع تلك الدول لا يمكن أن يخرج عن إطار القبول الشعبي في سورية ، لا يمكن أن يكون فقط رغبة رسمية . وهي بحاجة إلى جهد كبير ، لأن الآثار كبيرة جدا ً، ومسح آثار ما تمّ في سورية لن يكون بهذه السهولة " . 10 - تمكنت سوريا من إسقاط عدة مشارع - دفعة واحدة - كانت تستهدفها في الصميم ، من إسقاط النظام ونشر الفوضى ، إلى الحرب الأهلية ، وصولاً للتقسيم . يمكن بيسر لأي شخص ومراقب أن يحدد إذا ما كان هذا نصر أو لا . 11 - " مخرج السلاح الكيمائي " لم يكن السبب وراء إنهاء الحرب المباشرة التي كانت تنوي أمريكا شنها ، إنما هناك أسباب أخرى دفعتها لذلك قبل الإعلان عن هذا المخرج بأسابيع ، ومنها ؛ التوازنات الدوليّة الجديدة ، والإستعدادات العسكريّة السورية . صحيح أن أمريكا تستطيع شنّ الحرب لكنّ ميدانها وأهدافها وحجم القوات ... ستحدده سوريا . 12 - كشف الأسد - وبوضوح - بإن أحد أهم محددات السياسة السوريّة المستقبليّة هو رأي الشعب العربي السوري ، ومصالحه الوطنيّة . 13 - مؤتمر جنيف - 2 وفق القراءة السوريّة - وبمعناه الحقيقي - لم تنضج الظروف الموضوعيّة لإنعقاده بعد . فمثلاً ؛ إن أحد أهم المقدمات اللازمة لإنعقاده هو " السيطرة التامة " على كامل التراب الوطني السوري ، وخصوصاً على الحدود مع تركيا وكيان العدو الصهيوني ، وهذا يتطلب وقف حقيقي للحرب على سوريا من قبل هؤلاء وغيرهم . * خاتمة . يخطيء من يظن بأن هذا اللقاء الشامل كغيره من اللقاءات التي أجراها الرئيس بشار حافظ الأسد ؛ فقد أعد له الإعلامي الكبير سامي كليب بمنشور طلب فيه من كلّ الأصدقاء والمتابعين الإجابة عن سؤال واحد " لو استطعتم مقابلة الرئيس بشار الاسد ماذا تريدون ان تسألوه ؟ " فكان هناك الألآف من الرسائل والأسئلة ، تمت " الغربلة " ، وكُثفت الأسئلة ، وأتت أجوبة الأسد قاطعة وحاسمة . لا يمكن أن نُفسر هذا اللقاء البالغ الأهميّة ، وهذا العمل الصحفي الضخم ؛ إلا بإنه إعلان نصر في حرب طاحنة مستمرة منذ عامين ونصف تقريباً ، ورسم خطوط المواجهة في المرحلة القادمة بالحبر الجاف مرة وبالحبر السريّ مرة أخرى ، ومولد لقائد عظيم من جهة ثالثة . لقد أشفقت للحظات على الأستاذ المحترم غسان بن جدو ؛ فكلمة " يا سلام " التي قالها عند سؤاله الرئيس الأسد عن سبب صموده عنت لي الكثير . أستاذ غسان ؛ لم يكن العمر المُتقدم يوماً هو المؤشر الحقيقي للرجولة والحكمة والزعامة والإرادة والعمق ... وقد حظيت بفرصة حيّة ومباشرة مع الأسد لتدرك ذلك .