2026-09-14 11:38 ص

المراوغة ومحاولة الخداع السعودية

2013-10-25
بقلم: الدكتور بهيج سكاكيني
قدمت السعودية اعتذارها لعدم قبولها بمنصب عضوا غير دائم في مجلس الامن لمدة سنتين وذلك بعد ان نجحت السعودية في الحصول على 176 صوتا من أصل 193 صوتا للدول الأعضاء في الجمعية العمومية للأمم المتحدة التي صوتت لصالح السعودية لهذا المنصب بجانب تشاد وتشيلي وليتوانيا ونيجيريا. وقد عللت السعودية رسميا عن أسباب عدم قبولها لهذا المنصب "بازدواجية المعايير" في المجلس وفشله بالخصوص فيما يتعلق بحل القضية الفلسطينية وجعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل وكذلك النزاع القائم في سوريا. وإذا ما أخذت هذه النقاط بصورتها المجردة لن تجد اثنان من الممكن ان يختلفا عليها. ولكن الشيطان كما يقولون يكمن في التفاصيل والمواقف المعلنة والغير معلنة والتي يمكن الحكم عليها واستقراءها مما يدور حولنا على أرض الواقع. أما عن ازدواجية المعايير فذلك ليس بالشيء الجديد على مجلس الامن ولكن السؤال لماذا تثير السعودية هذه النقطة بالتحديد في هذا الوقت بالذات. مما لا شك فيه أن السعودية قد بذلت جهودا جبارة ولفترة طويلة داخل أروقة الأمم المتحدة للحصول على هذا المنصب، وهذا ما يعكسه عدد الأصوات التي حصلت عليها. وشاهدنا من على شاشات التلفزيون التهاني التي قدمتها الوفود لممثل السعودية في قاعة الامم المتحدة بعد التصويت مباشرة والتي تخللها العناق الحار بمناسبة هذا الفوز الباهر الذي تحقق. ولا يعقل أن تبذل دولة كل هذه الجهود للحصول على هذا المنصب ولأول مرة في تاريخها، لتعلن بعد ساعات قليلة باعتذارها عن قبول هذا المنصب. فما الذي حصل ولماذا؟ الكل يدرك أن السعودية وقفت ودفعت بمجلس الامن لاتخاذ قرار بشن حربا على سوريا ولقد بذلت جهودا سياسية ودبلوماسية غير مسبوقة في هذا المجال. وقامت بإرسال الأمير بندر بن سلطان الى روسيا في محاولة فاشلة لشراء الموقف الروسي بمليارات الدولارات ومن خلال عرض صفقات أسلحة وعقود نفطية بالإضافة الى تقديم الضمانات بأن السعودية لن تقوم بمنافسة روسيا على تسويقها للبترول والغاز الروسي الى الدول الأوروبية. وكل هذا، وربما أكثر في سبيل تخلي روسيا عن موقفها الداعم لسوريا. وكانت تعول السعودية على شراء الذمم بالبترودولارات كما عهدت دائما في سياساتها الخارجية. أرادت السعودية أن لا تستخدم روسيا أو الصين للفيتو في مجلس الامن لمنع تدمير ما تبقى من الحجر والبشر في سوريا.، هذا ما تعنيه بالضبط السعودية بازدواجية المعايير الان. السعودية كانت تريد لمجلس الامن أن يأخذ قرارا كما كان الحال مع ليبيا والعراق الذي أدى الى ما تعانيه البلدين من صراعات طائفية ومذهبية وتدمير للقدرات الاقتصادية والعسكرية وتفتيت وتقسيم البلاد والعباد. مالم تقله السعودية جهارة منذ البداية عن السبب الحقيقي لهذه التصرفات التي تنم عن صبيانية وقحة قاله بالنيابة عنها وزير خارجية فرنسا الذي صرح بانه يستطيع فهم الموقف السعودي النابع من الإحباط التي تشعر فيه بسبب عدم توجيه "الضربة" لسوريا بمعنى تدخل عسكري أمريكي على سوريا. السعودية وعل لسان أحد كتاب السلطان وشيخ القبيلة منزعجة مما أسموه في احدى المقابلات التلفزيونية "بالانهزامية الامريكية" وكيف أن أمريكا بعثت بكل هذه الاساطيل مقابل الشواطئ السورية ثم قامت بالانسحاب. ,الان يظهر بندر بن سلطان ليقول الاسباب على رؤوس الاشهاد حيث أبلغ مبعوثين أوروبيين أن بلاده ستحجم العلاقة مع واشنطن احتجاجا على موقفها من سوريا وايران. السعودية تريد أن تختبىء وراء القضية الفلسطينية لتعطي الانطباع أنها المدافعة عن الحقوق الفلسطينية. السعودية تعتبر نفسها الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة والتي استخدمت حق الفيتو ربما حوالي 60 مرة داخل مجلس الامن ضد مشاريع قرار تدين دولة الكيان الصهيوني أو تلك المؤيدة للشعب الفلسطيني. السعودية كانت تقف وراء تعطيل اجتماعات الجامعة العربية عام 2006 عندما شنت إسرائيل عدوانها الهمجي على لبنان ولم تبادر بطلب عقد اجتماع لمجلس الامن لوقف هذا الاعتداء، لا بل وارادت تحويل الانتصار الذي حققته المقاومة اللبنانية الى هزيمة وعطلت أيضا اجتماعات الجامعة العربية أثناء العدوان الصهيوني على قطاع غزة. وقد يقول قائل ان السعودية قد قامت بتقديم ما سمي بمبادرة الملك عبدالله أو المبادرة العربية التي أكل عليها الزمان وشرب. وهنا نريد أن نصحح بان هذه المبادرة لا تمت بالسعودية بصلة فهي قد كتبت وترجمت الى العربية على أيدي أمريكية سياسية ومخابراتية، ومررت للسعودية لتقديمها على أنها مبادرة خادم الحرمين ،ونحن لسنا بصدد مناقشة محتوياتها هنا. السعودية الحريصة على القضية الفلسطينية لم تحرك ساكنا لعمليات تهويد الأقصى الشريف على المستوى الدولي أو العربي، ولم نراها تبذل واحد في الالف من جهودها الدبلوماسية وغيرها على المستوى العالمي أو في الأمم المتحدة مقارنة بتلك التي بذلتها وما تزال تبذلها بالنسبة للنزاع في سوريا. لا بل والابعد من ذلك لم تفي بعهودها بالدعم المالي لدعم صمود القدس والمقدسيين وهذا ما أفصح عنه الشيخ الجليل مفتي القدس عكرمة صبري. هذا في الوقت الذي تنفق بلايين الدولارات للتدمير والقتل في سوريا على أيدي ارهابيي جبهة النصرة ودولة الإسلام في العراق والشام وجيش الإسلام الذين يأتمرون بأمرة الامير الجديد للقاعدة الأمير بندر بن سلطان ، والذي وصلت فيه الوقاحة مؤخرا بالتهديد بحرق لبنان أذا ما تدخل حزب الله في معركة القلمون المرتقبة. هذه هي الترجمة الحقيقية على الأرض لما جاء في بيان الخارجية السعودية " .....انطلاقا من مسؤوليتها (السعودية) التاريخية تجاه شعبها وامتها العربية ....". المسؤولية التاريخية السعودية تجاه أمتها العربية تستدعيها تدمير الدول العربية التي لا تنسجم مع المزاج السياسي السعودي ويستجيب لطروحاتها حول الطبيعة المذهبية والطائفية للصراع الدائر في منطقتنا .المسؤولية التاريخية السعودية يستدعيها بالمجيء بالقاعدة لتفجر وتستبيح وتقتل وتقطع الاوصال وتنكل بالجثث وأكل الأعضاء البشرية كل هذا تحت شعارات الإسلام على الطريقة السعودية. والمسؤولية التاريخية تستدعي وضع كل العراقيل لتشكيل حكومة في لبنان ومحاولة اقصاء حزب الله من الحكومة المرتقبة والمسؤولية التاريخية تستدعي دفع ما يقارب من 5 مليارات دولار للأردن لفتح حدوده والتغاضي عن مرور المسلحين وعمليات تهريب الاسلحة التي تشتريها السعودية الى الأراضي السورية عبر الحدود الأردنية. ,للحفاظ على الامن والسلم العالميين تقوم السعودية بعقد صفقة جديدة لشراء أسلحة أمريكية بما يقارب عشرة بليون دولار تتضمن قنابل خارقة للتحصينات والمنشآت المبنية تحت الارض وصواريخ عابرة للقارات. لمن هذه الصواريخ العابرة للقارات يا هل ترى وهل هذا يدخل في حفظ السلم والامن العالميين؟ هل تنوي السعودية مهاجمة دول في قارات أخرى؟ لا نظن أن قمع التحرك الشعبي في البحرين أو السعودية بحاجة الى صواريخ من هذا النوع أو القنابل الخارقة للتحصينات تحت الأرض؟ لقد تحول الخليج الى بحيرة عسكرية أمريكية ودوله تدفع للأسلحة والقواعد الامريكية ولن نستغرب اذا قامت بدفع الرواتب للجنود. وكل هذا للحفاظ على الامن وليس لتوتير المنطقة بأكملها. لم يأتي البيان على ذكر الممارسات الصهيونية من قمع وتنكيل وتهجير قسري وعرقي للفلسطينيين ومصادرة الأراضي وبناء المستوطنات والجدار العنصري العازل وغيرها من الممارسات العنصرية التي يتعرض لها شعبنا يوميا، ولكن البيان أفرد سطور لتصب السعودية حقدها العمى والدفين على سوريا وتحريض الغرب على التدخل العسكري حيث ذكر البيان ان " السماح للنظام الحاكم في سوريا بقتل شعبه وإحراقه بالسلاح الكيميائي على مرأى ومسمع من العالم أجمع ومن دون مواجهة أي عقوبات رادعة لدليل ساطع على عجز مجلس الامن عن أداء واجباته وتحمل مسؤولياته". الذي يجب أن يحاكم على استخدام السلاح النووي هو أمير التكفيريين والإرهابيين بندر بن سلطان الذي أدخل هذه الأسلحة الى الداخل السوري وأعطى الأوامر باستخدامها عند دخول المحقيقين الدوليين والصاق التهمة بالجيش العربي السوري حتى تؤخذ كذريعة للتدخل والعدوان العسكري الامريكي على سوريا. وعندما فشلت هذه المحاولة اخذتم بالعويل والنعيق وأبديتم امتعاضكم للبيت الأبيض الذي لم يفي بعهوده. وحرصا على الامة العربية وسلامتها وأمنها ذهبتم للتنسيق وإقامة الاحلاف مع العدو الصهيوني وعقدتم الاجتماعات المكثفة مع رموزه للرد على الانفراج الذي حصل بعدما وافقت سوريا على التخلص من أسلحتها الكيميائية بالإضافة الى الانفراج النسبي الخاص ببرنامج ايران النووي. الخلاصة أنكم تسبحون ضد التيار وحركة الشعوب وحقدكم يعميكم عن رؤية المتغيرات الحاصلة من حولكم، كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال وتظن أن لا شيء تغير من حولها. نعم هنالك العديد من الدول والشعوب تسعى بشكل دؤوب لتحقيق الامن والسلم العالميين وتحاول جاهدة ابعاد شبح الحرب والتدمير عن المنطقة ولكن للأسف والمؤكد انكم لستم منها.